وَمِنْ ثَمَّ لَمَّا أَظْهَرَ بَعْضُ اليَهُودِ كِتَابًا، وَادَّعَى أَنَّهُ كِتَابُ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- بِإِسْقَاطِ الْجِزْيَةِ عَنْ أَهْلِ خَيْبَرَ (^٢) وَفِيهِ شَهَادَةُ الصَّحَابَةِ -﵃- وَذَكَرُوا أَنَّ خَطَّ عَلِيٍّ -﵁- فِيهِ، وَحُمِلَ الْكِتَابُ (فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَأَرْبَعِ مِائَةٍ) (^٣) إِلَى رَئِيسِ الرُّؤَسَاءِ (أَبِي الْقَاسِمِ عَلِيٍّ وَزِيرِ الْقَائِمِ) (^٤) عَرَضَهُ عَلَى الْحَافِظِ الْحُجَّةِ أَبِي بَكْرٍ الْخَطِيبِ، فَتَأَمَّلَهُ ثُمَّ قَالَ: "هَذَا مُزَوَّرٌ. فَقِيلَ لَهُ: مِنْ أَيْنَ لَكَ هَذَا؟ قَالَ: فِيهِ شَهَادَةُ مُعَاوِيَةَ، وَهُوَ إِنَّمَا أَسْلَمَ عَامَ الْفَتْحِ، وَفَتْحُ خَيْبَرَ كَانَ فِي سَنَةِ سَبْعٍ، وَفِيهِ شَهَادَةُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، وَهُوَ قَدْ مَاتَ يَوْمَ بَنِي قُرَيْظَةَ، قَبْلَ فَتْحِ خَيْبَرَ بِسَنَتَيْنِ" فَاسْتَحْسَنَ ذَلِكَ مِنْهُ، وَاعْتَمَدَهُ وَأَمْضَاهُ، وَلَم يُجِزِ اليَهُودَ عَلَى مَا فِي الْكِتَابِ لِظُهُورِ تَزْوِيرِهِ (^٥).
(وَفِي (^٦) الرَّافِعِيِّ (^٧): سُئِلَ ابْنُ سُرَيْجٍ (^٨) عَمَّا يَدَّعُونَهُ -يَعْنِي يَهُودَ خَيْبَرَ- أَنَّ عَلِيًّا
_________________
(١) في هامش ب.
(٢) خيبر: انظر: الحموي، بلدان، ٢/ ٤٠٩ - ٤١١. هي قرية أو مجموعة قرى في واحة تُسمى باسمها، واقعة في حَرّة على مرتفع يبلغ (٢٨٠٠) قدم فوق سطح البحر، وهي على بعد ٦٠ ميلًا شمالي المدينة المنورة. انظر: كحالة، جغرافية شبه جزيرة العرب، ص ١٢٧.
(٣) ساقط من ب.
(٤) ساقط من ب. الوزير (ت ٤٥٠ هـ). انظر: الذهبي، سير، ١٨/ ٢١٦.
(٥) لمزيد من التفاصيل انظر: ابن القيم، أحكام أهل الذمة، ١/ ٩١.
(٦) من هنا يبدأ السقط من ب.
(٧) هو: أبو القاسم عبد الكريم بن العلّامة أبي الفضل محمد بن عبد الكريم القزويني، شيخ الشافعية (ت ٦٢٣ هـ). انظر: الذهبي، سير، ٢٢/ ٢٥٢. والنص مذكور في: الشرح الكبير، ١١/ ٥١١.
(٨) في أ: شريح، وهو تصحيف. وهو: أحمد بن عمر بن سُريج البغدادي، فقيه شافعي (ت ٣٠٦ هـ). انظر: ابن خلكان، وفيات، ١/ ٦٦، الذهبي، سير ١٤/ ٢٠١ - ٢٠٤.
[ ١٠١ ]
كَتَبَ لَهُمْ كِتَابًا بِإِسْقَاطِهَا، فَقَالَ: "لَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ [عَنْ] (^١) أَحَدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ" انْتَهَى.
وَلَمّا حَقَّقَ لَهُمُ الْخَطِيبُ مَا تَقَدَّمَ صَنَّفَ رَئِيسُ الرُّؤَسَاءِ الْمُشَارُ إِلَيْهِ فِي إِبْطَالِهِ جُزْءًا، وَكَتَبَ عَلَيْهِ الْأَئِمَةُ أَبُو الطِّيِّبِ الطَّبَرِيُّ (^٢) وَأَبُو نَصْر ابْنُ الصَّبَّاغِ (^٣) وَمُحَمَّدُ ابْنُ مُحَمَّدٍ البَيْضَاوِيُّ (^٤) وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الدَّامَغَانِيُّ (^٥) وَغَيْرُهُمْ (^٦).
وَأَخْرَجَ الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا النَّهْرَوَانِيُّ فِي الْمَجْلِسِ الرَّابِعِ وَالسِّتِّينَ مِنَ: "الْجَلِيسُ" (^٧) لَهُ، مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرِ بْنِ شَبِيبِ بْنِ شَيْبَةَ (^٨):
"أَنَّهُ سَمِعَ الْمَأْمُونَ يَقُولُ: امْتَحَنْتُ الشَّافِعِيَّ فِي كُلِّ شَيْءٍ، فَوَجَدْتُهُ كَامِلًا، وَقَدْ بَقِيَتْ خَصْلَةٌ، وَهِيَ أَنْ أَسْقِيَهُ مِنَ النَّبِيذِ مَا يَغْلِبُ عَلَى الرَّجُلِ الْجَيِّدِ الْعَقْلِ، وَإِنَّهُ اسْتَدْعَى بِهِ وَسَقَاهُ، فَمَا تَغَيَّرَ عَقْلُهُ، وَلَا زَالَ عَنْ حُجَّتِهِ، وَقَالَ المُعَافَى عَقِبهَا: اللهُ أَعْلَمُ بِصِحَّتِهَا! ".
قَالَ شَيْخُنَا فِي "لِسَانِهِ" (^٩): "لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ لَهُ أَدْنَى مَعْرِفَةٍ بِالتَّارِيخِ أَنَّهَا كَذِبٌ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ دَخَلَ مِصْرَ عَلَى رَأْسِ الْمِائَتَيْنِ، وَالْمَأْمُونُ إِذْ ذَاكَ بِخُرَاسَانَ، ثُمَّ
_________________
(١) ساقط من أ، والمثبت من باقي النسخ.
(٢) هو: طاهر بن عبد الله الشافعي، فقيه بغداد (ت ٤٥٠ هـ). انظر: الذهبي، سير، ١٧/ ٦٦٨.
(٣) هو: عبد السيد بن محمد البغدادي، فقيه شافعي، (ت ٤٧٧ هـ). انظر: الذهبي، سير، ١٨/ ٤٦٤.
(٤) فقيه شافعي، (ت ٤٦٨ هـ). انظر: ابن الجوزي، المنتظم، ١٦/ ١٧٤ - ١٧٥، الذهبي، تاريخ، ١٠/ ٢٦٩.
(٥) فقيه حنفي، مفتي العراق (ت ٤٧٨ هـ). انظر: الذهبي، سير، ١٨/ ٤٨٥.
(٦) أخذ المصنِّف هذه الفقرة من: ابن حجر، التلخيص الحبير، ٦/ ٢٩٦٦.
(٧) انظر: المعافَى، الجليس الصالح، ٣/ ١٣١.
(٨) مَعْمر له روايات مُنكرة. انظر: لسان الميزان، ٦/ ٦٧.
(٩) انظر: ٦/ ٦٧.
[ ١٠٢ ]
مَاتَ الشَّافِعِيُّ بِمِصْرَ سَنَةَ دَخَلَ الْمَأْمُونُ مِنْ خُرَاسَانَ إِلَى الْعِرَاقِ، وَهِيَ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَمِائَتَيْنِ، فَمَا الْتَقَيَا قَطُّ وَالْمَأْمُونُ خَلِيفَةٌ! وَكَيْفَ يُعْتَقَدُ أَنَّ الشَّافِعِيَّ يَفْعَلُ هَذَا، وَهُوَ الْقَائِلُ: لَوْ أَنَّ الْمَاءَ الْبَارِدَ يُفْسِدُ مُرُوءَتِي مَا شَرِبْتُ المَاءَ إِلَّا حَارًّا! (^١) ") (^٢).
* * *
_________________
(١) في ق، ز: إلا ماء حارًّا، وإسناده صحيح عن الشافعي. انظر: ابن حجر، توالي التأسيس، ص ١٤٤.
(٢) هنا ينتهي السقط من ب.
[ ١٠٣ ]