وَكَذَا مَعَ التَّحَرِّي فِيمَنْ يَبْغَضُهُ لِعَدَاوَةٍ سَبَبُهَا الْمُنَافَسَةُ فِي الْمَرَاتِبِ، مِمَّا كَثُرَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَ الْمُتَعَاصِرِينَ وَالتَّبَايُنُ لَهَا، بِحَيْثُ عَقَدَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي "جَامِعُ بَيَانِ الْعِلْمِ" (^٢) لَهُ بَابًا لِكَلَامِ الْأَقْرَانِ الْمُتَعَاصِرِينَ مِنَ العُلَمَاءِ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ، وَأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ كَلَامُ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ، وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمْ بِمُفْرَدِهِ ثِقَةً (وَ) (^٣) حُجَّةً.
وَرُبَّمَا يَكُونُ بَيْنَ الْمُتَعَاصِرِينَ الشَّيْءُ مِنْ غَيْرِ عَدَاوَةٍ، وَلِذَا (^٤) فَصَلَهُ بَعْضُهُمْ عَنْهَا، وَالْحُكْمُ كَذَلِكَ، فَإِنِ اجْتَمَعَا فَأَوْلَى بِعَدَمِ القَبُولِ.
وَقَدْ يَكُونُ سَبَبَ تِلْكَ العَدَاوَةِ ظَنٌّ فَاسِدٌ؛ بِأَنْ يُخَالِفَهُ فِي الِاعْتِقَادِ الَّذِي يَظُنُّ فَسَادَهُ، وَذَلِكَ أَحَدُ الْأَسْبَابِ الَّتِي تُدْخِلُ الْآفَةَ عَلَى الْمُجَرَّحِينَ مِنْهَا "لِأَنَّهَا أَوْجَبَتْ تَكْفِيرَ النَّاسِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، أَوْ تَبْدِيعَهُمْ، وَأَوْجَبَتْ عَصَبِيَّةً اعْتِقَدُوهَا دِينًا يَتَدَيَّنُونَ وَيَتَقَرَّبُونَ بِهِ إِلَى اللهِ تَعَالَى، وَنَشَأَ مِنْ ذَلِكَ الطَّعْنُ بِالتَّكْفِيرِ أَوِ التَّبْدِيعِ".
أفَادَهُ التَّقِيُّ ابْنُ دَقيقِ العِيدِ (^٥).
(وَذَلِكَ مَوْجُودٌ كَثِيرًا قَدِيمًا وَحَدِيثًا) (^٦).
_________________
(١) في هامش ب.
(٢) انظر: ٢/ ١٠٨٧.
(٣) ساقط من باقي النسخ.
(٤) في ق، ز: كذا.
(٥) انظر: الاقتراح، ص ٣٣٣.
(٦) في: الاقتراح، ص ٣٣٣: "وهذا موجود كثيرًا في الطبقة المتوسطة من المتقدمين".
[ ٢٢٧ ]
"وَنَحْوُهُ الِاخْتِلَافُ الْوَاقِعُ بَيْنَ الْمُتَصَوِّفَة (وَأَصْحَابِ الفُرُوعِ) (^١) فَقَدْ وَقَعَ بَيْنَهُمْ تَنَافُرٌ أَوْجَبَ كَلَامَ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ" (^٢).
(قُلْتُ: وَمِن هُنَا تَكَلَّمَ ابْنُ خِرَاشٍ فِي أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَةَ الضَّبِّيِّ (^٣)، وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يَلْتَفِتُوا لِذَلِكَ لِكَوْنِ ابْنِ خِرَاشٍ (^٤) رَافِضِيًّا أَوَ خُرَّمِيًّا) (^٥).
وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَلَا يَرْفَعُ مَنْ يُحِبُّهُ فَوْقَ مَرْتَبَتِهِ، بَلْ يَقْتَدِي بِمَنْ أَسْلَفْتُ الْحِكَايَةَ عَنْهُمْ، وَإِنْ كَانَ الغَالِبُ أَنَّهُ لَا قُدْرَةَ لِلْمَرْءِ عَلَى تَجَنُّبِهِ، فَـ "حُبُّكَ الشَّيْءَ يُعْمِي وَيُصِمُّ".
وَعَيْنُ الرِّضَا عَنْ كُلِّ عَيْبٍ كَلِيلَةٌ … كَمَا أَنَّ عَيْنَ السُّخْطِ تُبْدِي المَسَاوِيَا (^٦)
وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ آفَاتِ الْمُبَالَغَةِ إِلَّا مَا أَشَارَ إِلَيْهِ إِمَامُنَا الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ (^٧): "مَا رَفَعْتُ أَحَدًا فَوْقَ مِقْدَارِهِ إِلَّا وَاتَّضَعَ مِنْ قَدْرِي عِنْدَهُ بِقَدْرِ مَا رَفَعْتُهُ بِهِ أَوْ أَزْيَدَ".
_________________
(١) في: الاقتراح، ص ٣٣٨: "وأصحاب العلوم الظاهرة".
(٢) انظر: الاقتراح، ص ٣٣٨.
(٣) (ت ٢٤٥ هـ). انظر: الذهبي، الميزان، ١/ ٢٥٩؛ المزي، تهذيب الكمال، ١/ ٣٩٧.
(٤) هو: عبد الرحمن بن يوسف البغدادي، حافظ، فيه كلام (ت ٢٨٣ هـ). انظر: ابن عساكر، تاريخ، ٣٦/ ١٠٧؛ الذهبي، ميزان، ٤/ ٣٢٩، سير، ١٣/ ٥٠٨ - ٥١٠.
(٥) ساقط من ب. والخُرَّميّة: هي فرقة دينية باطنية مارقة، تُنسب لبابك الخرمي، يعتقدون بالتناسخ والحلول، ويدعون إلى الإباحية. انظر: ابن الأثير، اللباب، ١/ ٤٣٦، مصطفى الخطيب، معجم المصطلحات والألقاب التاريخية، ص ١٦٠ - ١٦١.
(٦) هذا البيت المشهور لعبد الله بن معاوية. انظر: ديوانه، ص ٩٠. أما ما ذُكر أنه للشافعي فالصحيح أنه تمثّل به. انظر تعليق إحسان عباس على: ديوان الشافعي، ص ٨٥.
(٧) انظر: السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، ٢/ ٩٨، ابن مفلح، الآداب الشرعية، ٤/ ٢٣٥.
[ ٢٢٨ ]
وَنَحْوُهُ (^١): "ثَلَاثَةٌ إِنْ أَكْرَمْتَهُمْ أَهَانُوكَ: الْمَرْأَةُ، وَالْفَلَّاحُ، وَالْعَبْدُ" قَالَهُ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا (^٢).
وَبِهِ يُقَيَّدُ كَلَامُهُ الْأَوَّلُ بِأَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْأَنْذَالِ [وَ] (^٣) اللِّئَامِ غَيْرِ الكِرَامِ.
وَلْيُتَأَمَّلْ حَدِيثُ: "أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْمًا مَا، وَأَبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْنًا مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ حَبِيبَكَ يَوْمًا مَا" (^٤).
وَلَا يَحْمِلُهُ الْبُغْضُ عَلَى سُلُوكِ غَيْرِ الْإِنْصَافِ، وَإِن كَانَ أَيْضًا فِي الغَالِبِ غَيْرَ مَأْمُونٍ، وَمِنْ ثَمَّ حَصَلَ التَّوَقُّفُ فِي القَبُولِ مِمَّنْ هَذَا سَبِيلُهُ.
وَرَحِمَ اللهُ التَّقِيَّ ابْنَ دَقيقِ الْعِيدِ، فَإِنَّهُ لَمَّا جِيءَ إِلَيْهِ بِالْمَحْضَرِ الْمُكْتَتَبِ فِي التَّقِيِّ ابْنِ بنْتِ الْأَعَزِّ (^٥) لِيَكْتُبَ فِيهِ، امْتَنَعَ مِنْهَا أَشَدَّ امْتِنَاعٍ، مَعَ مَا كَانَ بَيْنَهُمَا مِنَ الْعَدَاوَةِ الشَّدِيدَةِ، بَلْ وَأَغْلَظَ عَلَيْهِمْ فِي الكَلَامِ وَقَالَ: "مَا يَحِلُّ لِي أَنْ أَكْتُبَ فِيهِ" وَرَدَّهُ، فَتَزَايَدَتْ جَلَالَتُهُ بِذَلِكَ وَعُدَّ فِي وُفُورِ دِيَانِتِهِ وَأَمَانَتِهِ، وَكَيْفَ لَا وَهُوَ الْقَائِلُ: "مَا تَكَلَّمْتُ بِكَلِمَةٍ أَوْ فَعَلْتُ فِعْلًا إِلَّا وَأَعْدَدْتُ لِذَلِكَ جَوَابًا بَيْنَ يَدَيْ اللهِ سُبْحَانَهُ" (^٦).
وَلَمَّا تَرْجَمَ شَيْخُنَا لِلْقَايَاتِيِّ (^٧) -بَعْدَ مَوْتِهِ- قَالَ: إِنَّهُ بَاشَرَ بِنَزَاهَةٍ وَعِفَّةٍ، وَلَمْ
_________________
(١) في أبحذف الهاء، والمثبت من باقي النسخ.
(٢) انظر: السخاوي، المقاصد الحسنة، رقم: ٩٥٨.
(٣) ساقط من أ، والمثبت من باقي النسخ.
(٤) حديث مختلف فيه ما بين الوقف والرفع. انظر: الألباني: غاية المرام، ص ٢١٥ - ٢١٩.
(٥) هو: عبد الرحمن بن عبد الوهاب بن خلف المصري، فقيه شافعي (ت ٦٩٥ هـ). انظر: الذهبي، تاريخ، ١٥/ ٨١٦.
(٦) انظر: السخاوي، فتح المغيث، ١/ ١٦٧.
(٧) في أ: القاياتي، والمثبت من باقي النسخ. انظر: ابن حجر، إنباء ٤/ ٢٤٦، السخاوي، الضوء،
[ ٢٢٩ ]
يَأْذَنْ لِأَحَدٍ مِنَ النُّوَّابِ إِلَّا لِعَدَدٍ قَلِيلٍ، وَتَثَبَّتَ فِي الْأَحْكَامِ جِدًّا، وَفِي جَمِيعِ أُمُورِهِ. هَذَا مَعَ مَا أَسْلَفَهُ مِنَ التَّقْصِيرِ فِي جَانِبِهِ، وَعَدَمِ رِعَايَةِ مَشْيَخَتِهِ. فَنَسْأَلُ اللهَ كَلِمَةَ الْحَقِّ فِي السُّخْطِ وَالرِّضَا.
ثُمَّ إِنَّهُ لِلْخَوْفِ مِنْ عَدَمِ التَقَيُّدِ بِأَكْثَرَ مِمَّا تَقَدَّمَ (^١) رَأَى (^٢) ابْنُ عَبْدِ البَرِّ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ لَا يُقْبَلُ الْجَرْحُ فِيهِمْ إِلَّا بِبَيَانٍ وَاضِحٍ، وَهُوَ وَاضِحٌ.
وَانْظُرْ صَنِيعَ إِمَامِنَا الشَّافِعِيِّ [-﵁-] (^٣) فِي التَّحَرِّي حَيْثُ يَقُولُ: "ثَنَا إِسْمَاعِيلُ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: ابْنُ عُلَيَّةَ" (^٤) لِعِلْمِهِ بِكَرَاهَتِهِ لِلإِنْتِسَابِ لِذَلِكَ (^٥)، مَعَ التَّرْخِيصِ فِيهِ إِذَا لَمْ يُعْرَفْ إِلَّا بِهِ.
وَلَا تَكُنْ كَمَنْ يَخْتَلِقُ لِلنَّاسِ أَلْقَابًا أَوْ نَحْوَها، كَقَوْلِهِ: ابْنِ الطَّرَّاقِ، أَوِ ابْنِ غُفَيْرِ (^٦) السَّمَاءِ، مِنْ غَيْرِ تَدَبُّرٍ لِقَوْلِهِ ﷺ: "إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَلْقِي لَهَا بِالًا، يَهْوِي بِهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ سَبْعِينَ خَرِيفًا" (^٧).
وَإِذَا أَمْكَنَهُ الْجَرْحُ بِالإِشَارَةِ الْمُفْهِمَةِ أَوْ بِأَدْنَى تَصْرِيحٍ لَا تَجُوزُ (^٨) لَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى
_________________
(١) = ٨/ ٢١٣.
(٢) في باقي النسخ: يقدم.
(٣) في أ: ورأي.
(٤) ليست في أ، والمثبت من باقي النسخ.
(٥) انظر: الشافعي، المسند -شفاء العي، ١/ ٤٩١. وهناك مواضع قال: "ثنا ابن عُلية". انظر: المسند- شفاء العي، ١/ ١٠٤، ١٣١، ١٣٧، ١٩٧، ٣٠٨، ٣٢٧، ٣٤٧، ٥٥٤.
(٦) في أ: كذلك، والمثبت من باقي النسخ.
(٧) في ب: عفير.
(٨) أخرجه البخاري في "صحيحه" (٦٤٧٨)، ومسلم في "صحيحه" (٢٩٨٨) عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ مقارب.
(٩) في أ: لا يجوز، والمثبت من باقي النسخ.
[ ٢٣٠ ]
ذَلِكَ؛ فَالْأُمُورُ الْمُرَخَّصُ فِيهَا لِلْحَاجَةٍ لَا يَرْتَقِي فِيهَا إِلَى زَائِدٍ عَلَى مَا يَحْصُلُ الْغَرَضُ.
وَقَدْ رُوِّينَا عَنِ الْمُزَنِيِّ قَالَ: "سَمِعَنِي الشَّافِعِيُّ يَوْمًا وَأَنَا أَقُولُ: فُلَانٌ كَذَّابٌ. فَقَالَ لِي: يَا أَبَا إِبْرَاهِيمَ، اكْسُ أَلْفَاظَكَ أَحْسَنَهَا، لَا تَقُلْ: كَذَّابٌ، وَلَكِنْ قُلْ: حَدِيثُهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ" (^١).
وَنَحْوُهُ أَنَّ البُخَارِيَّ كَانَ لِمَزِيدِ وَرَعِهِ (وَتَحَرِّيهِ وَتَوَقِّيهِ) (^٢) قَلَّ أَنْ يَقُولَ: "كَذَّابٌ أَوْ وَضَّاعٌ"، (أَكْثَرُ مَا يَقُولُ: "سَكَتُوا عَنْهُ، فِيهِ نَظْرٌ، تَرَكُوهُ" وَنَحْوُ هَذَا) (^٣). نَعَمْ رُبَّمَا يَقُولُ: "كَذَّبَهُ [فُلَانٌ] (^٤)، أَوْ رَمَاهُ فُلَانٌ بِالكَذِبِ" (^٥).
(وَحَكَى مُسْلِمٌ فِي مُقَدِّمَةِ "صَحِيحِهِ" (^٦) أَنَّ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيَّ ذَكَرَ (^٧) رَجُلًا فَقَالَ: "هُوَ يَزِيدُ فِي الرَّقْمِ" (^٨) وَكَنَّى بِهَذَا اللَّفْظِ عَنْ الكَذِبِ) (^٩).
وَإِذَا كَانَ الَّذِي بَلَغَهُ فِيهِ احْتِمَالٌ مُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ، لَا يَجْزِمُ بِأَحَدِهِمَا، بَلْ يَقِفُ وَيَحْتَاطُ فِيمَا يُمْكِنُ الْمَخْلَصُ عَنْهُ بِتَأْوِيلٍ صَحِيحٍ.
وَقَدِ اتَّفَقَ أَنَّ قَاضِيًا تَوَقَّفَ فِي شَهَادَةِ بَعْضِهِمْ، فَحَضَرَ إِلَيْهِ سِرًّا وَسَأَلَهُ عَنْ
_________________
(١) انظر: السخاوي، فتح المغيث، ٢/ ٢٩٢.
(٢) ساقط من باقي النسخ.
(٣) ساقط من ب.
(٤) ساقط من أ، والمثبت من باقي النسخ.
(٥) انظر مثلًا: البخاري، الضعفاء، رقم: ٥٣، ١٠٧، ١٣٩.
(٦) انظر: ص ٥٦.
(٧) في ق، ز: نكر، وهو تحريف.
(٨) أي: يزيد في سِعْر ما يُكْتب من أسعار الثياب، فكنّى بذلك ممن يزيد في أصل الحديث من الكذب. انظر: المأربي، شفاء العليل بألفاظ الجرح والتعديل، ص ٢٧٤.
(٩) ساقط من ب.
[ ٢٣١ ]
سَبَبِ تَوَقُّفِهِ، فَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ رَآهُ بِأَرْضِ الطَبَّالَة (^١) -الَّتِي هِيَ مَحَلُّ كَثِيرٍ مِنَ الْقَاذُورَاتِ - فَقَالَ: يَا مَوْلَانَا، قَدْ كُنْتُ بِهَا فِي ضَرُورَةٍ غَيْرِ قَادِحَةٍ، فَمَا بَالُكُمْ كُنْتُمْ بِهَا! فَبَادَرَ إِلَى قَبُولِهِ وَالرَّقْمِ لِشَهَادَتِهِ.
وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِطَرِيقِ النَّقْلِ؛ حَتَّى لَا يَجْزُمَ إِلَا بِمَا يَتَحَقَّقُهُ.
فَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ مُسْتَنَدٌ مُعْتَمَدٌ فِي الرِّوَايَةِ لَمْ يَجُزْ لَهُ النَّقْلُ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: "كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ" (^٢) وَلِيَكُونَ بِذَلِكَ مُتَحَرِّزًا عَنْ وُقُوعِ الْمُجَازَفَةِ وَالْبُهْتَانِ وَالِافْتِيَاتِ وَالْعُدْوَانِ، وَهُوَ لَا يَشْعُرُ وَلَا يُبْصِرُ، وَيَنْفِرُ عَنْ تَارِيخِهِ الْعُقَلاءُ وَالعُلَمَاءُ وَالنُّبَلَاءُ وَالْحُكَمَاءُ، وَلَا يَرْغَبُ فِيهِ إِلَّا مَنْ هُوَ مِثْلُهُ أَوْ أَفْحَشُ، بَلْ رُبَّمَا تَكُونُ مُجَازَفَتُهُ آيِلَةً مَعَهُ أَيْضًا إِلَى الْتَّرْكِ وَالسُّقُوطِ فِي الْحُشِّ.
وَلَا يَكْتَفِي (^٣) بِالنَّقْلِ الشَّائِعِ، خُصُوصًا إِنْ تَرَتَّبَتْ عَلَى ذَلِكَ مَفْسَدَةٌ مِنَ الطَّعْنِ فِي حَقِّ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ وَالصَّلَاحِ. بَلْ إِنْ كَانَ فِي الوَاقِعَةِ أَمْرٌ قَادِحٌ فِي حَقِّ الْمَسْتُورِ فَيَنْبَغِي لَهُ أَلَّا يُبَالِغَ فِي إِفْشَائِهِ، وَيَكْتَفِيَ بِالإِشَارَةِ لِئَلَّا يَكُونَ الْمَذْكُورُ وَقَعَتْ مِنْهُ فَلْتَةٌ، فَإِذَا ضُبِطَتْ عَلَيْهِ لَزِمَهُ عَارُهَا أَبَدًا، وَإِلَى ذَلِكَ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِ الشَّارِعِ: "أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ [إِلَّا فِي الحُدُودِ] " (^٤).
وَكَذَا يَتَجَنَّبُ التَّعَرُّضَ لِلْوَقَائِعِ الْمُنْقِصَةِ الصَّادِرَةِ فِي شُبُوبِيَّةِ مَنْ صَيَّرَهُ اللهُ
_________________
(١) هي: أرض خارج القاهرة تُعْرف بذلك. انظر: الزبيدي، تاج العروس، ١٥/ ٤٢٩.
(٢) صحيح. أخرجه مسلم في مقدمة "صحيحه" (٨)، وأبو داود في "سننه" (٤٩٩٢) عن أبي هريرة مرفوعًا. وانظر: الألباني، الصحيحة، رقم: ٢٠٢٥.
(٣) في ق، ز: يكفي.
(٤) أخرجه أبو داود في "سننه" (٤٣٧٥) وغيره عن عائشة مرفوعًا. وقواه الألباني بطرقه. انظر: الصحيحة، رقم: ٦٣٨. والزيادة من: السخاوي، المقاصد الحسنة، ص ٩٨.
[ ٢٣٢ ]
تَعَالَى بَعْدَ ذَلِكَ مُقْتَدًى بِهِ، فَمَنْ ذَا سَلِمَ (^١)! وَقَدْ: "عَجِبَ الرَّبُّ ﷿ مِنْ شَابٍّ لَيْسَتْ لَهُ صَبْوَةٌ" (^٢) وَالشَّبَابُ شُعْبَةٌ مِنَ الْجُنُونِ، وَالاِعْتِبَارُ بِحَالِهِ الْآنَ.
وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ سَعِيدِ بْنْ المُسَيَّبِ أَنَّهُ: "لَيْسَ مِنَ شَرِيفٍ وَلَا عَالِمٍ وَلَا ذِي فَضْلٍ (^٣) -يَعْنِي مِنْ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- إِلَّا وَفِيهِ عَيْبٌ، وَلَكِنْ مِنَ النَّاسِ مَنْ لَا يَنْبَغِي أَنْ تُذْكَرَ عُيُوبُهُ، فَمَنْ كَانَ فَضْلُهُ أَكْثَرَ مِنْ نَقْصِهِ وُهِبَ نَقْصُهُ لِفَضْلِهِ" (^٤).
وَمِنْ هُنَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِمَقَادِيرِ النَّاسِ وَبِأَحْوَالِهِمْ وَبِمَنَازِلِهِمْ، فَلَا يَرْفَعُ الْوَضِيعَ، وَلَا يَضَعُ الرَّفِيعَ؛ لِيَكُونَ مُمْتَثِلًا لِقَوْلِهِ ﷺ: "أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ" (^٥) يَعْنِي مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ.
وَلَا يَحْكِي مِمَّا لَعَلَّهُ يَتَّفِقُ لِذَوِي الْوَجَاهَاتِ وَالْوِلَايَاتِ مِنْ أَرْبَابِ الدَّوْلَةِ؛ مِنَ الضَّرْبِ وَالسَّجْنِ وَالْإِهَانَةِ وَنَحْوِهَا، إِلَّا مَا يُضْطَرُّ لِإِيَرَادِهِ، وَإِنْ أَمْكَنَهُ الْإِشْعَارُ بِمَا يَقْتَضِي الْإِنْكَارَ فَعَلَ، حَتَّى لَا يَكُونَ ذَلِكَ تَطَرُّقًا لِمَنْ يَرُومُ فِعْلَ مِثْلِهِ، وَحُجَّةً يَحْتَجُّ بِهَا، كَمَا وَقَعَ لِلْحَجَّاجِ اللَّعِينِ فِي قِصَّةِ الْعُرَنِيِّينَ.
_________________
(١) في أ: يسلم، والمثبت من باقي النسخ.
(٢) أخرجه أبو يعلى في "مسنده" (١٧٤٩) عن عقبة بن عامر مرفوعًا. حَسَّنه الهيثمي، وضعفه الألباني. انظر: الهيثمي، مجمع الزوائد، ١٠/ ٢٧٠؛ الألباني، ضعيف الجامع، رقم: ١٦٥٨.
(٣) في الكفاية: سلطان.
(٤) انظر: الخطيب، الكفاية، ص ١٣٨.
(٥) صحيح. أخرجه مسلم في مقدمة "صحيحه" ص ٦٤، مُعلَّقًا بصيغة التمريض. وأخرجه أبو داود في "سننه" (٤٨٤٢)، وأبو يعلى في "مسنده" (٤٨٢٦) عن عائشة مرفوعًا. صححه الحاكم وابن الصلاح وابن كثير. انظر: الحاكم، معرفة علوم الحديث، ص ٤٩؛ ابن الصلاح، علوم الحديث، ص ٣٠٧؛ ابن كثير، اختصار علوم الحديث، ٢/ ٥٣٥. وللحديث شواهد لا يُفْرح بها.
[ ٢٣٣ ]
فَقَدْ قَالَ سَلَّامُ بْنُ مِسْكِينٍ كَمَا فِي الطِّبِّ مِنْ "صَحِيحِ البُخَارِيِّ" (^١): "بَلَغَنِي أَنَّ الْحَجَّاجَ -يَعْنِي ابْنَ يُوسُفَ الثَّقَفِيَّ- قَالَ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -﵁-: حَدِّثْنِي بِأَشَدِّ عُقُوبَةٍ عَاقَبَ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ. فَحَدَّثَهُ بِهَا، فَلَمَّا بَلَغَ الْحَسَنُ -يَعْنِي البَصْرِي- ذَلِكَ قَالَ: "وَدِدْتُ أَنَّهُ لَمْ يُحَدِّثْهُ".
وَبِالْجُمْلَةِ فَالشَّرْطُ مَعَ الْعَدَالَةِ وَالضَّبْطِ، وَالتَّمْيِيزِ بَيْنَ الْمَقْبُولِ وَالْمَرْدُودِ مِمَّا يَصِلُ إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ، وَبَيْنَ الرَّفِيعِ وَالْوَضِيعِ، وَعَدَمِ العَدَاوَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَالْمُحَابَاةِ الْمُفْضِيةِ لِلْعَصَبِيَّةِ الْمُعَبِّرِ بَعْضُهُمْ عَنْهُ بِتَجْنِيبِ الْغَرَضِ وَالْهَوَى الْفَهْمَ (^٢) بِحَيْثُ لَا يَكُونُ جَاهِلًا بِمَرَاتِبِ الْعُلُومِ، سِيَّمَا الْفُرُوعُ وَالأُصُولُ، وَيَفْهَمُ الأَلْفَاظَ وَمَوَاقِعَهَا، خَوْفًا مِنْ إِطْلَاقِ أَلْفَاظٍ لَا تَلِيقُ بِالمُتَرْجِمِينَ، فَيَحْصُلُ التَّعَرُّضُ لَهُ بِالتَّنْقِيصِ وَالتَّعْزِيزِ (^٣) الَّذِي يَشِينُ.
كَمَا اتَّفَقَ لِمُغَلْطَايْ مَعَ جَلَالَتِهِ (^٤) ثُمَّ لِابْنِ دُقْمَاقَ مَعَ وَجَاهَتِهِ، فَقَدْ كَانَ حَسَنَ الِاعْتِقَادِ غَيْرَ فَاحِشِ اللِّسَانِ وَلَا الْقَلَمِ (^٥). وَكَذَا لِابْنِ أَبِي حَجَلَةَ (^٦) مَعَ كَوْنِهِ بِخُصُوصِهِ مَعْذُورًا، بَلْ كُلُّهُمْ مِمَّنْ تَعَصَّبَ الْعَدُوُّ عَلَيْهِمْ، وَنَصَبَ حَبَائِلَ الْحَسَدِ إِلَيْهِمْ.
_________________
(١) رقم: ٥٦٨٥.
(٢) في أ: والفهم.
(٣) في أ: التغرير، والمثبت من باقي النسخ.
(٤) انظر: ابن حجر، الدرر الكامنة، ٤/ ٣٥٢ - ٣٥٣.
(٥) انظر: ابن حجر، إنباء الغمر، ٢/ ٢٣٤.
(٦) هو: أحمد بن يحيى بن أبي بكر التلمساني، أديب ناظم ناثر (ت ٧٧٦ هـ). انظر: ابن حجر، الدرر، ١/ ٣٢٩ - ٣٣١.
[ ٢٣٤ ]
وَقَدْ كَانَ الحَافِظُ الزَّاهِدُ النُّورُ الْهَيْثَمِيُّ (^١) يُبَالِغُ فِي الْغَضِّ مِنَ (الْوَلَّوِيِّ) (^٢) ابْنِ خَلْدُونَ قَاضِي الْمَالِكِيَّةِ؛ لِكَوْنِهِ (^٣) بَلَغَهُ أَنَّهُ ذَكَرَ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ -﵄- فِي "تَارِيخِهِ" وَقَالَ: "قُتِلَ بِسَيْفِ جَدِّهِ".
قَالَ شَيْخُنَا: "وَلَمَّا نَطَقَ شَيْخُنَا -يَعْنِي الهَيْثَمِيَّ- بِهَذِهِ الكَلِمَةِ أَرْدَفَهَا بِلَعْنِ ابْنِ خَلْدُونَ، وَسَبَّهُ وَهُوَ يَبْكِي".
قَالَ شَيْخُنَا: "وَلَمْ تُوجَدْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ فِي التَّارِيخِ الْمَوْجُودِ الآنَ، وَكَأَنَّهُ كَانَ ذَكَرَهَا فِي النُّسْخَةِ الَّتِي رَجَعَ عَنْهَا" (^٤).
وَسَأَذْكُرُ عَنِ ابْنِ خَلْدُونَ فِي ذِكْرِ الْخُلَفَاءِ مَا يَكَادُ أَنْ يَكُونَ شَاهِدًا لِصُدُورِ هَذَا مِنْهُ، نَسْأَلُ اللهَ السَّلَامَةَ (^٥).
_________________
(١) هو: علي بن أبي بكر بن سليمان الشافعي، محدث (ت ٨٠٧ هـ) انظر: ابن حجر، إنباء الغمر، ٢/ ٣٠٩ - ٣١٠.
(٢) في ز: الولوى ولي الدين. وقد سبق تحقيقه.
(٣) في باقي النسخ: لكونه أنه.
(٤) انظر: ابن حجر، رفع الإصر عن قضاة مصر، ص ٢٣٧، السخاوي، الضوء، ٤/ ١٤٧. قال ابن خلدون: "وقد غَلِطَ القاضي أبو بكر ابن العربيِّ المالكيِّ في هذا فقال في كتابه الذي سَمّاه بالعواصم والقواصم ما معناه: أن الحسين قُتِلَ بشرْع جدِّه؛ وهو غلطٌ حملته عليه الغفلةُ عن اشتراط الإمام العادلِ، ومن أعدلُ من الحسين في زمانه في إمامته وعدالته في قتال أهل الآراء! ". انظر: ابن خلدون، تاريخ، ١/ ١٦٤. فأنت -كما ترى- أن ابن خلدون ينقل عن ابن العربي ويُغلِّطُهُ، فكيف يكون الكلام لابن خلدون حتى يُلْعَن عليه ويُسَب! هذا على أنني لم أجدها -هذه المقولة المنسوبة لابن العربي بلفظها- في كتابه "العواصم من القواصم" بعد البحث! لكن له كلام قد يُفهم منه ذلك، وهو تحميل لكلامه ما لا يحتمل. انظر: ابن العربي، العواصم من القواصم، ص ٢٣٢. وانظر: أيضًا تعليق أحمد باشا تيمور في حاشية ق، ص ٧١ - ٧٢؛ وانظر: بكر بن عبد الله أبو زيد، معجم المناهي، ص ٤٣٦.
(٥) سيأتي لاحقًا.
[ ٢٣٥ ]
(وَ) (^١) مُصَاحَبَةُ الْوَرَعِ وَالتَّقْوَى؛ بِحَيْثُ لا يَأْخُذُ بِالتَّوَهُّمِ وَالْقَرَائِنِ الَّتِي قَدْ تَخْتَلِفُ، خَوْفًا مِنَ الدُّخُولِ تَحْتَ قَوْلِهِ ﷺ: "إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ" (^٢) وَمَتَّى لَمْ يَكُنْ وَرِعًا -مَعَ كَوْنِهِ مَعْرُوفًا بِالعِلْمِ- اشْتَدَّ البَلَاءُ [بِهِ] (^٣) بِخِلَافِ العَكْسِ، فَالوَرَعُ وَالتَّقْوَى (^٤) يَحْجُزُهُ، وَيُوجِبُ لَهُ الْفَحْصَ وَالِاجْتِهَادَ وَتَرْكَ الْمُجَازَفَةِ، كَمَا بَسَطْتُهُ فِي أَمَاكِنَ مِنْ تَصَانِيفِي.
وَقَدْ أَشَارَ لِبَعْضِ هَذِهِ الشُّرُوطِ التَّاجُ السُّبْكِيُّ، فَقَالَ فِي كِتَابِهِ "مُعِيدُ النِّعَمِ" (^٥) مِمَّا [هُوَ] (^٦) مُؤَاخَذٌ فِي إِطْلَاقِهِ مَا نَصُّهُ:
"وَهُمْ -أَي الْمُؤَرِّخُونَ- عَلَى شفَا جُرْفٍ هَارٍ؛ لأَنَّهُمْ يَتَسَلَّطُونَ عَلَى أَعْرَاضِ النَّاسِ، وَرُبَّمَا نَقَلُوا بِمُجَرَّدِ (^٧) مَا يَبْلُغُهُمْ مِنْ كَاذِبٍ أَوْ صَادِقٍ؛ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ المُؤَرِّخُ عَالِمًا عَدْلا (^٨) عَارِفًا بِحَالِ مَنْ يُتَرْجِمُهُ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ مِنَ الصَّدَاقَةِ مَا قَدْ يَحْمِلُهُ عَلَى التَّعَصُّبِ لَهُ، وَلَا مِنَ العَدَاوَةِ مَا قَدْ يَحْمِلُهُ عَلَى الْغَضِّ مِنْهُ، وَرُبَّمَا كَانَ الْبَاعِثُ لَهُ عَلَى الغَضِّ (^٩) مِنْ قَوْلِهِ (^١٠) مُخَالَفَةَ الْعَقِيدَةِ، وَاعْتِقَادَ أَنَّهُمْ
_________________
(١) ساقط من ز. وما زال السخاوي يتكلم عن شروط المؤرِّخ.
(٢) أخرجه البخاري في "صحيحه" (٦٠٦٤/ الفتح)، ومسلم في "صحيحه" (٢٥٦٣) عن أبي هريرة مرفوعًا بألفاظ مختصرة ومطوّلة.
(٣) ساقط من أ، والمثبت من باقي النسخ.
(٤) في باقي النسخ: التقى.
(٥) انظر: ص ٧٤.
(٦) ساقط من أ، والمثبت من باقي النسخ.
(٧) في باقي النسخ بحذف الباء.
(٨) في باقي النسخ: عادلًا.
(٩) في معيد النعم: الضعة.
(١٠) في معيد النعم: أقوام.
[ ٢٣٦ ]
عَلَى ضَلَالٍ، فَيَقَعُ فِيهِمْ أَوْ يُقَصِّرُ فِي الثَّنَاءِ [عَلَيْهِمْ] (^١) لِذَلِكَ".
إِلَى أَنْ قَالَ: "وَمِنْهُمْ مَنْ (^٢) تَأَخْذُهُ فِي الفُرُوعِ الْحَمِيَّةُ لِبَعْضِ الْمَذَاهِبِ، وَيَرْكَبُ الصَّعْبَ وَالذَّلُولَ فِي الْعَصَبِيَّةِ، وَهَذَا مِنْ أَسْوَأِ (^٣) أَخْلَاقِهِمْ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ فِي طَوَائِفِ الْمَذَاهِبِ مَنْ يُبَالِغُ فِي الْعَصَبِيةِ بِحَيْثُ يَمْتَنِعُ بَعْضُهُمْ مِنَ الصَّلَاةِ خَلْفَ بَعْضٍ، إِلَى غَيْرِ هَذَا مِمَّا يُسْتَقْبَحُ ذِكْرُهُ، وَيَا وَيْحَ هَؤُلَاءِ! أَيْنَ هُمْ مِنَ اللهِ! وَلَوْ كَانَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ حَيَّيْنِ لَشَدَّدَا النَّكِيرَ عَلَى هَذِهِ الطَّائِفَةِ" إِلَى آخِرِ كَلَامِهِ.
* * *
_________________
(١) زيادة من: معيد النعم.
(٢) في أ: ومن منهم، والمثبت من باقي النسخ.
(٣) في أ: استواء، وهو تحريف، والتصويب من باقي النسخ.
[ ٢٣٧ ]