هو أبو العباس، محمد بن المقتدر باللَّه، بويع له في يوم الأربعاء لست خلون من جمادى الآخرة سنة ثلاث وعشرين وثلاث مائة. وأمه جارية اسمها «ظلوم» .
واستحضر عليّ بن عيسى بن الجرّاح وندبه للوزارة فاعتذر بكبر سنّه، ورغب ابن مقلة في الوزارة وبذل خمس مائة ألف دينار فخلع عليه وقلّد الوزارة.
ونفذ الراضي باللَّه محمد بن ياقوت لمحاربة هارون بن غريب الخال فخرج لمحاربته وهزمه وقتله وجاء برأسه إلى الراضي فخلع عليه وطوّقه وسوّره «٤٥٥» .
وولى الراضي أبا بكر محمد بن رائق إمارة الأمراء ببغداد واستولى على الدولة وتغيّر الوزير ابن مقلة له وصار خصمه.
وفي سنة أربع وعشرين [وثلاث مائة] صلّى الراضي باللَّه بالناس [٧٨ ب] في الجامع بدار الخلافة وخطب.
قال أبو بكر الصولي «٤٥٦»: وكان مؤدّب الراضي، لما فرغ من الخطبة وانقضت الصلاة وعدت إلى بيتي جاءتني رقعة بخطه وإذا فيها: «يا محمد بن يحيى وقع عليك طرفي وأنا أخطب وأنت إلى جانب إسحاق بن المعتمد «٤٥٧» قريب منى غير بعيد عنى فعرّفني على تحرّى الصدق واتباع الحق كيف ما سمعت وهل تهجّن الكلام بزيادة فيه أو اختل بنقص منه أو وقع زلل في لفظه أو إحالة في معناه جاريا في ذلك على عادتك في حال الإمرة غير مقصّر عنها للخلافة والسلام»، فكتبت إليه رقعة أذكر فيها:
«إنني ما أحسن وصف ذلك إلا ببيت حسان بن ثابت في جدك عبد الله بن العباس- صلى الله عليه وعلى سلالته الطيبة الطاهرة- فإنه قال فيه:
إذا قال لم يترك مقالا لقائل بمنتظمات لا ترى بينهما فصلا» «٤٥٨»
وفي سنة خمس وعشرين [وثلاث مائة] قبض الراضي على عليّ بن مقلة لأنه اتهمه بأنه كاتب بجكم «٤٥٩» التركي بقصد الحضرة واستيلائه على أمر الخلافة معاندة لابن رائق، وظفروا بكتاب بخطه إلى مرداويج «٤٦٠» الديلميّ الخارجي يحسّن له قصد
[ ١٦٣ ]
الحضرة ويهوّن عليه أمر الخلافة وكان إماميّا لا يرى خلافة بنى العباس. واتفق رأى الخليفة وابن رائق على إن قطعت يده «٤٦١» على ملأ من الناس وكتب رقعة من الحبس إلى أخيه أبى عبد الله بيده اليسرى وما تغيّر خطّه عما عهده. وكتب من الحبس رقعة إلى بعض الكتّاب من أصدقائه «٤٦٢»:
ترى حرمت كتب الأخلّاء بينهم أبن لي أم القرطاس أصبح غاليا [٧٩ أ]
فما كان لو ساءلتنا كيف حالنا وقد دهمتنا نكبة هي ما هيا
أخوك الّذي يرعاك عند شديدة وكلّا تراه في الرخاء مراعيا
فهبك عدوّى لا صديقي فربما يكاد الأعادي يرحمون الأعاديا
وله وهو في الحبس بعد ما قطعت يمينه:
ما طلبت الحياة لكن توثّقت بأيمانهم فبانت يميني
كم تحرّيت ما استطعت بجهدي حفظ أرواحهم فما حفظوني
ليس بعد اليمين لذّة عيش يا حياتي بانت يميني فبيتي «٤٦٣»
وفي سنة سبع وعشرين تغيّر الخليفة على ابن رائق فاستتر ووصل بجكم إلى بغداد فولّاه الخليفة إمارة الأمراء وطوّقه وسوّره «٤٦٤» .
وفي هذه السنة خرج الراضي باللَّه لمحاربة بنى حمدان ومعه الأمير بجكم، وحين وصلوا إلى تكريت وصل الخبر إليهم بظهور ابن رائق ببغداد واستيلائه عليها والتحاق أكثر القرامطة به فتمّوا إلى الموصل فهرب بنو حمدان من الموصل. وكان الراضي يقول: «حصلنا من الخلافة على قصبة الموصل» . ثم صولح ابن حمدان على مال أدّاه وعاد الخليفة. وتقرر أمر ابن رائق على أن ولّى الشام والعواصم وقنسرين فسار إليها «٤٦٥» .
ثم وصل الخبر بظهور بنى بويه «٤٦٦» الديلم وأنهم ثلاثة إخوة تقاسموا بلاد الإسلام، وكان الأكبر منهم عماد الدولة أبو الحسن، عليّ بن بويه، والأوسط ركن الدولة أبو عليّ، الحسن بن بويه، والأصغر أبو الحسين، أحمد بن بويه. وكانوا أولاد صيّاد.
وجاء الخبر من واسط بأن أحمد بن بويه قصد نواحيها فانحدر [٧٩ ب] إليه
[ ١٦٤ ]
بجكم ونفذ إلى الراضي يقول له: «أمر هذا لا يجيء إلا بك» . فانحدر الراضي إلى واسط. فحين أحسّ الديلميّ به رجع إلى الأهواز وعاد الراضي إلى بغداد.
ومات الراضي﵀- في غرة ربيع الأول سنة تسع وعشرين وثلاث مائة.
وكان مولده في رمضان سنة سبع وتسعين ومائتين وكان عمره إحدى وثلاثين سنة وستة أشهر. فكانت خلافته ست سنين وخمسة أشهر.
وكان أديبا فاضلا شاعرا أحسن الخلق خلقا متواضعا كريم الطبع سخيّا له وفاء وذمّة وإنما أدركته حرفة الأدب فلم تطل أيامه ولا عمره. ومن محاسن نظمه قوله:
ضحك الزمان إليّ من اعتاب وأعارنى سمعا لبثّ عتاب
سابق بلذّتك الشباب فإنني أصبحت فيه مجررا أثوابى
وعلمت أن الدهر حرب شبيبتى فخلست في غفلاته آرابى «٤٦٧»
وقال لما تغيّر لابن رائق:
صغرت عن الأمر الّذي رمت فعله فطالعنى بالصغر من كل جانب
وأظهر لي حبّا يطيف به قلى كخلّب برق في عراض سحائب
أيقعد لي كيد النساء بمرصد وإني فتىّ السن شيخ التجارب «٤٦٨»
وله أيضا:
سقى الله أطلالا رعيت بها الصبا سحابة غيث لا يكف سكوبها
ظعنت وقد خلّفتني نهبة الأسى لعلة وجد لا يصاب طبيبها
ليهنك لوعات تردد في الحشا وعصيان عين ما تطيع غروبها [٨٠ أ]
وتضييع رأى في اصطناع معاشر تسوّد وجه الاصطناع عيوبها
أنا ابن الأولى من هاشم زنت هاشما كما زانها العباس قبلي نسيبها
سلى تخبري من كان طفلا ويافعا فعزّت به الدنيا وذلّت خطوبها
ألم أطل الأملاك علما وسؤددا وتفخر بى شبان فهر وشيبها
وإني إن ضل الغريم غريمها وإن أفحم الخطاب يوما خطيبها
[ ١٦٥ ]
وسيفي على أعدائها سيف نقمة جريء على الأعمار في ما ينوبها «٤٦٩»
وله أيضا:
وسيف ظلام تدرعته أهب له يقظا حين هبّا
أأشهر سيفي على نابح وأفرش للثأر قردا وكلبا
إذا لا ارتوى من دم حده ولا سار بالعدل شرقا وغربا «٤٧٠»
وله أيضا:
أهوى الفراق وإن رأيت الموت في شخص الفراق
لتقارب عند الوداع وقبلة عند التلاقي «٤٧١»
وله أيضا:
من ذا يقيم دعائم الإسلام ويعمّ بالإفضال والإنعام
فينا النبوة والخلافة حكمنا ماض كما شئنا على الأيام
أمضى من الأجل المعجّل أمرنا يأتيك قبل الفكر والإلهام
لا ينقض الأعداء مبرم أمرنا وبنا تمام النقض والإبرام «٤٧٢»
وأما وزراؤه: فهم أبو على، محمد بن عليّ بن مقلة، وكان وزر للمقتدر باللَّه [٨٠ ب] ثم للقاهر باللَّه ثم للراضى باللَّه.
وكان «٤٧٣» لما قطعت يده ينوح عليها ويبكى ويقول: يد كتبت بها كذا وكذا من المصاحف ونقلت بها كذا وكذا ألف حديث عن رسول اللهﷺ- ووقّعت بها عن ثلاثة من الخلفاء وتقطع هكذا كما تقطع أيدي اللصوص.
وفي آخر زمان الراضي بعد موت ابن مقلة استعرضوا ما في خزانة الرءوس وكانت قد امتلأت بها الخزانة ورموها كلها إلى دجلة وكان بعضها في أسفاط وبعضها في صناديق رصاص، ووجد في الجملة سفط وفيه رأس ويد ورقعة فيها مكتوب: «هذا رأس أبى الجمال الحسين بن القاسم بن عبيد الله بن سليمان بن وهب وكان وزير المكتفي»، وهو الوزير بن الوزير بن الوزير بن الوزير لأن القاسم أباه كان وزير المكتفي والمعتضد
[ ١٦٦ ]
وعبيد الله كان وزير المعتضد وسليمان بن وهب كان وزير المعتمد. وفي تلك الرقعة مكتوب: «وهذه اليد التي مع هذا الرأس يد الوزير أبى عليّ بن مقلة وهذه اليد هي التي وقّعت بقطع هذا الرأس» .
ثم بعد ابن مقلة وزر للراضى عبد الرحمن بن عيسى بن الجرّاح «٤٧٤» أخو الوزير عليّ بن عيسى المقدّم ذكره. ثم أبو جعفر الكرخي «٤٧٥» وكان قصيرا جدا فقطع لأجله من سرير الخلافة أربعة أصابع ثم سليمان «٤٧٦» بن الحسن دفعتين.
[ ١٦٧ ]