هو أبو العباس، أحمد بن إسحاق بن المقتدر باللَّه. بويع له بالخلافة في يوم السبت تاسع عشر شعبان سنة إحدى وثمانين وثلاث مائة وهو بعد بالبطائح.
وفي يوم الجمعة خطب له بالخلافة على المنابر ببغداد ولم يصل إليها بعد. وشغّب العامة والجند ومنعوا الخطيب من الخطبة له. وطالب الجند بمال البيعة فوعدوا بذلك فسكنوا وركب من الجند قوم وسكّنوا العامة فسكنوا أيضا بعضهم بالرغبة وبعضهم بالرهبة وتمّت الخطبة للقادر باللَّه.
وفي يوم الجمعة العاشر من رمضان من السنة وصل القادر باللَّه إلى بغداد فخرج بهاء الدولة والعساكر كلهم لتلقّيه «٥٣٧» وأقرّ أصحاب المراتب والقضاة وكل أرباب المناصب على ما كانوا عليه وكان زاهدا ورعا لا يشرب الخمر ولا يظلم أحدا، لا جرم دام له الأمر إحدى وأربعين سنة وانتقل من عزّ الخلافة إلى نعيم الآخرة.
وفي سنة اثنين وثمانين وثلاث مائة ورد الخبر باستيلاء ملك [٩٠ ب] الترك الملقّب بشهاب الدولة على ما وراء النهر وهرب الأمير نوح بن منصور الساماني من يده، واسمه بغرا قراخان «٥٣٨» .
وفي هذه السنة تزوّج القادر باللَّه بسكينة بنت بهاء الدولة وذلك في ذي الحجة وأصدقها مائة ألف دينار «٥٣٩» وكان الولىّ الشريف أبو أحمد الموسوي أمير الحاج وهو والد الرضى والمرتضى. وخطب الخطبة أبو الحسن البتّي «٥٤٠» .
وفي سنة أربع وثمانين وثلاث مائة توفى القاضي أبو عليّ التنوخي «٥٤١» وذهب عن الدنيا رونقها وبهاؤها لمّا حرمت من فضله، وهو مصنف «نشوار المحاضرة» وكتاب «الفرج بعد الشدّة» وكان له النثر والنظم الّذي فاق بهما كتّاب زمانه فضلا عن قضاته.
وفي هذه السنة توفى عليّ بن عيسى الرمّانى «٥٤٢» النحويّ والأستاذ أبو إسحاق الصابي.
[ ١٨٣ ]
وفي المحرّم [من] سنة خمس وثمانين وثلاث مائة توفى كافى الكفاة الصاحب أبو القاسم إسماعيل بن عباد بالريّ، ووصل الخبر إلى بغداد بوفاته ففرش أكثر الخلق الرماد في الأسواق وقعدوا عليه. وبلغ الخبر إلى بغداد أنه حين أخرج تابوته إلى المصلّى خرج خلفه أرباب المناصب وأصحاب المراكز وأهل العلم والأدب وأنهم حين شاهدوا التابوت قبّلوا الأرض بين يديه إجلالا له «٥٤٣» . وكان مخدومه الأمير فخر الدولة أبو الحسن عليّ «٥٤٤» بن ركن الدولة أبى الحسن بويه قد عاده في مرضه فالتفت إليه وقال له: أيها الأمير قد خدمتك خدمة استوعبت الوسع فيها وسرت سيرة حصلت لك حسن الذكر بها فإن أجريت الأمور بعدي على رسمها علم أن ذلك كان منك فينسب الجميل فيه [٩١ أ] إليك واستمرت الأحدوثة الطيبة بذلك لك وكنت أنا في جملة ما يثنى عليك به، وإن غيّرت ذلك بعدي كنت أنا المذكور بحسن السّيرة دونك وأنت بعد هذا أعلم بشأنك. ولما مات الصاحب المذكور لم يقبل فخر الدولة شيئا مما وصّاه الصاحب به.
وفي العاشر من رجب سنة سبع وثمانين وثلاث مائة توفى فخر الدولة بالريّ وخلف في الخزانة ثلاثة آلاف ألف دينار فأفناها ابنه مجد الدولة أبو طالب رستم «٥٤٥» في أسرع مدة وكان متخلّفا منهمكا في لذّاته غير مفكّر في أمر المملكة. وكان وصل الخبر إليه بأن ابنا لسبكتكين والى غزنة قد استولى على خراسان وأفنى آل سامان وقد تلقّب ب «يمين الدولة» وأن الرسل لا تنقطع بينه وبين القادر باللَّه وأنه ربما قصد المملكة، فما أكثرت مجد الدولة بهذا القول حتى جاء الملك يمين الدولة، أبو القاسم محمود بن ناصر الدين سبكتكين وأخذ الملك منه وأسره ونفذه مقيّدا إلى خراسان «٥٤٦» .
وكتب إلى القادر باللَّه بذلك فكتب له القادر العهد على خراسان والجبال والسند والهند وطبرستان ولقّبه «يمين الدولة وأمين الملّة، ناصر الحق، نظام الدين، نصير أمير المؤمنين»، وقبل ذلك ما كان يعرف اللقب المنسوب إلى أمير المؤمنين إلا «مولى أمير المؤمنين» . فهو أوّل من غيّر ذلك.
[ ١٨٤ ]
وعاد إلى خراسان وتسمّى بالسلطان وجلس على التخت ولبس التاج، ودخل إليه البديع الهمذانيّ فأنشده «١٥٤٦»:
تعالى الله ما شاء وزاد الله إيماني [٩١ ب] أأفريدون في التاج أم الإسكندر الثاني
أم الرجعة قد عادت إلينا بسليمان أطلّت شمس محمود على أنجم سامان
وأضحى آل بهرام عبيدا لابن خاقان إذا ما ركب الفيل لحرب أو لميدان
رأت عيناك سلطانا على منكب شيطان أمن واسطة الهند إلى ساحة جرجان
ومن حاشية السند إلى أقصى خراسان على مفتتح العمر وفي مقتبل الشان
يمين الدولة العقبي لبغداد وغمدان وما يقعد بالمغرب عن طاعتك اثنان
إذا شئت ففي يمن وفي أمن وإيمان
وفي سنة ثلاث وأربع مائة توفى بهاء الدولة بن عضد الدولة بشيراز وعمره اثنتان وأربعون سنة، وجعل ابنه الكبير أبا شجاع فنا خسرو ولىّ عهده في الملك. وعهد القادر باللَّه إلى فنا خسرو ولقّبه «سلطان الدولة» «٥٤٧» .
وفي سنة أربع وأربع مائة مات الأمير قابوس بن وشمكير ودفن في تابوت زجاج مملوء من الصبر وعلّق في القبة التي هي الآن تربته بالسلاسل «٥٤٨» وعلى باب القبّة مكتوب: «هذا القبر العالي للأمير شمس المعالي الأمير بن الأمير قابوس بن وشمكير» وذلك بظاهر جرجان [٩٢ أ] .
وفي هذه السنة توفى أبو نصر عبد العزيز «٥٤٩» بن نباتة الشاعر البغدادي.
وفي سنة ست وأربع مائة توفى الشريف نقيب النّقباء ذو الحسبين الرضى «٥٥٠» .
[ ١٨٥ ]
وفي سنة سبع وأربع مائة قصد السلطان محمود بن سبكتكين خوارزم وملكها.
وفي سنة أربع عشرة وأربع مائة مات ولىّ العهد ابن القادر باللَّه وكان أبوه قد لقّبه في حياته «الغالب باللَّه» «٥٥١» .
وفي هذه السنة خرج الحاكم بأمر الله «٥٥٢» سلطان مصر وحده راكبا حمارا يريد الصحراء وفقد ولم يعلم له خبر بعد ذلك، وجلس مكانه ابنه في الملك ولقّب نفسه «الظاهر لإعزاز دين الله» .
وفي سنة خمس عشرة وأربع مائة مات سلطان الدولة فنا خسرو بتخمة النبيذ وجلس مكانه الأمير أبو كاليجار «٥٣٣» ابنه ولقّبه الخليفة ب «محيي دين الله» .
وفي سنة إحدى وعشرين وأربع مائة وصل الخبر إلى بغداد بموت السلطان محمود ابن سبكتكين وجلوس ابنه مسعود مكانه.
وخرج التركمان من باديتهم إلى بلاد الإسلام وكانوا ثلاثة إخوة، محمد وهو طغرلبك وداود وهو جغري بك وإبراهيم وهو ينال. وكتبوا إلى القادر باللَّه وطلبوا أن يولّيهم بلدا من بلاد خراسان، وكان محمد أكبرهم وكان يخاطب من ديوان القادر ب «الدهقان الجليل محمد بن ميكائيل» . فنفذ القادر باللَّه إلى مسعود بن محمود يأمره أن يخلى لهم بلدا من بلاد خراسان ليكفوا شرهم عن بلاد المسلمين وأن يكون واحد منهم أبدا في خدمته. وقبل وصول الكتاب قتل مسعود بن محمود واستولى التركمان على بلاد [٩٢ ب] خراسان ووقع بأس المحمودية بينهم لطلب الملك فانحجزوا إلى غزنة وقوى أمر التركمان.
ومات القادر باللَّه في الحادي والعشرين من ذي الحجة سنة اثنتين وعشرين وأربع مائة وجلسوا له للعزاء في ذلك اليوم إلى وقت العصر. ثم قام ابنه من وراء سبنية وصلّى بهم العصر ثم بعد ذلك صلّى على تابوت القادر باللَّه.
وكان القادر﵀- طلق النفس [١] واسع المعروف معروفا بالعدل والزهد،
_________________
(١) فلعلها كانت: ظلف النفس، أي: كان يمنعها هواها، انظر: فقه اللغة للثعالبي (باريس ١٨٦١) ١٧٠.
[ ١٨٦ ]
شائع الخير في الخلق، لم تعرف له زلّة مذ ولى الخلافة. وكانت مدة خلافته إحدى وأربعين سنة.
ووزر له «٥٥٤» جماعة منهم: أبو الفضل محمد بن أحمد العارض، ثم أبو الحسن سعد بن نصر، ثم أبو الفضل أيوب بن سليمان، ثم عليّ بن عبد العزيز بن حاجب النعمان، ثم عميد الرؤساء أبو طالب محمد بن أيوب.
ودفن القادر باللَّه في الدار «٥٥٥» سنة ثم حمل إلى الرصافة على العادة.
[ ١٨٧ ]