لما قتل المقتدر أرادوا كلهم مبايعة محمد بن المكتفي وقالوا: هو أتم الجماعة عقلا.
فقال مؤنس: الخزائن فارغة والأجناد يطالبون بالأرزاق وليس في أيدينا شيء وأخاف أن ينتقض الأمر علينا، والقاهر كنّا أقعدناه في الخلافة وتسمّى بها مرة فإن شغّب الجند وطلبوا الأموال هدّدونا به. ونحن إذا أقعدنا القاهر استرحنا. فقالوا له:
الصواب ما تراه.
واتفق أن القاهر ومحمد بن المكتفي ناما في تلك الليلة في مضارب مؤنس فقال القاهر بالليل لمحمد بن المكتفي: أنا فقير وما لي شيء فتولّها أنت، فقال له: أنت شيخي وعمّى وقد ولّيت هذا الأمر مرة فأنت أحق به منى «٤٤٤» . وبايعوا لهذا القاهر بالخلافة في يوم الخميس في مضارب مؤنس. وانحدر القاهر إلى الدار ومعه مؤنس والعسكر كلهم.
وأم القاهر جارية اسمها «قبول» «٤٤٥» .
وقلّد الحجبة عليّ «٤٤٦» بن يليق وقلّد إمارة الأمراء لمؤنس وقلّد الشرطة ببغداد ليلبق. ثم إن يلبق ومؤنس وعليّ بن يلبق ضيّقوا على القاهر جدّا وما كانوا يرونه إلا بعين تابع لهم «٤٤٧» . وكانوا يوكلون بالدار من يعلمهم بأحواله. وما كان القاهر قد طاب له ما فعلوا بأخيه من قتله وهتك حرمة الخلافة.
وقلّد القاهر وزارته أبا عليّ، محمد «٤٤٨» بن عليّ بن مقلة، وكان العامة يرجفون بأن القاهر [٧٧ ب] يريد الفتك بقتلة المقتدر واستشعروا هم منه واضطرب الجند ببغداد لدخول القرامطة مكة وهدم الكعبة. ووصل الخبر بأنهم قلعوا الحجر الأسود وحملوه إلى هجر وإنهم قتلوا سبعين ألف مسلم في الحرم وطمّوا بئر زمزم بالقتلى وانقطع طريق الحج «٤٤٩» .
فلما كان في يوم الأحد ثانى شعبان سنة اثنتين وعشرين وثلاث مائة جاء عليّ
[ ١٦١ ]
ابن يلبق الحاجب على العادة إلى الدار فنفذه القاهر إلى أبيه وإلى مؤنس يقول لهم:
قدّموا حضوركم لندبّر في أمر القرامطة فحضروا فلما حصلوا في الدار أمر بالقبض عليهم وأمر فقطع رأس عليّ بن يلبق وقدّم بين يدي أبيه في طست ثم قطع رأس أبيه وجعلا جميعا في طست وأمر فجرّ مؤنس إلى البالوعة وذبح كما تذبح الغنم والقاهر يقول له:
يا معيوب يا مخرق الأسفل أنت تقدم على قتل الخلفاء؟ ثم أخرجت رءوسهم وبين أيديهم الدبادب والبوقات فطيف بها في البلد ومناد ينادى: «هذا جزاء من أقدم على هتك حرمة الخلافة. فما بقي أحد إلا لعنهم وأحرق العامة أبدانهم وحملت رءوسهم إلى خزانة الرءوس «٤٥٠» فوضعت فيها.
وفي هذا اليوم مات الإمام أبو بكر بن دريد الأزدي «٤٥١» - ﵀-.
ولما دخل رمضان من هذه السنة شغّب الجند وطلبوا الأرزاق فأعطوا شيئا فسكنوا ورجعوا راضين وجرى الأمر على ذلك إلى جمادى الأولى من سنة ثلاث وعشرين وثلاث مائة. وفي يوم السبت ثانى جمادى [الأولى] اجتمع أبو محمد، الحسن بن أبى الهيجاء بن حمدان وهو الّذي تلقّب أخيرا بناصر الدولة [٧٨ أ] وهو أخو سيف الدولة الأكبر وواطأ جماعة من الغلمان الساجيّة والحجريّة وأحاطوا بالدار ووكلوا بالأبواب وطلبوا القاهر فهرب منهم ففتّشوا عليه وإذا به فوق حمّام وعلى رأسه شرّب قصب وعليه غلالة كتان «٤٥٢» . فقال له بعضهم: انزل، فقال: ما أنزل ففوّق سهما وقال له: إن لم تنزل رميتك، ولم يكن له مفرّ فنزل فمسكوه وقالوا له:
اخلع نفسك. وتبادر قوم إلى الدار التي كان فيها الأمير أبو العباس بن المقتدر محبوسا فأخرجوه منها وأجلسوه على سرير أبيه وأدخلوا إليه القاهر حتى بايعه بالخلافة وسملوه بعد ذلك.
فكانت خلافته سنة ونصفا.
ووزر له: أبو على، ابن مقلة، ثم بعده أحمد بن الخصيب «٤٥٣» .
[ ١٦٢ ]