هو أبو جعفر، محمد بن المتوكل، وأمه أم ولد رومية اسمها حبشية. بويع له يوم الأربعاء وتحول من الجعفري إلى سامراء، وولى وزارته يحيى بن الخصيب «٢٩٤» ونفذ عبيد الله بن يحيى بن خاقان وسائر بنى خاقان إلى بغداد. وأراد المعتز أن يمتنع من البيعة فقال «٢٩٥» له بغا الشرابي: أخوك محمد أقدم على قتل أبيك وأخاف أن يقتلك فبايع فبايعه وألزم المعتز أن قال: «إن أبى عقد البيعة لي بعد أخى وكنت صغير السن والآن فحيث تبينت رشدي وعقلت علمت أنى لا أصلح لهذا الأمر ولا أقوم به واشهدوا عليّ أننى قد خلعت نفسي عن ما كان رشحنى له أبى» وألزم المؤيد بمثل ذلك.
وكان الموفق أبو أحمد طلحة بن المتوكل أخا المؤيد لأمه يراصد يغلون «٢٩٦» الصغدي وكان أحد قتلة المتوكل. فوقف له يوما ينتظر دخوله إلى دار الخلافة فدخل فحين رآه ضربه بعمود حديد كان في يده فسقط ميتا وأنهى الخبر إلى المنتصر فقبض على أخيه وحبسه وأطلقه وكان الناس إذا لقي بعضهم بعضا يقولون: «ما يبقى المنتصر إلا ستة أشهر كما بقي شيرويه بعد قتل أبيه أبرويز ستة أشهر» «٢٩٧» فإن [٥٣ أ] شيرويه قبض على أبيه أبرويز وحبسه وقتله في الحبس ويقال: إن أبرويز استدعى خادما كان يختص به وقال: امض إلى خزانة المعاجن واحمل إليّ البرنية «٢٩٨» التي فيها المعجون الفلاني من غير أن تعلم ابني، فمضى وجاء به. ففرّغ البرنية وملأها سم ساعة ثم كتب على الكاغد الّذي وضعه على رأسها: «هذا معجون يقوّى على الجماع من تناول منه وزن درهمين جامع في كل يوم كذا وكذا مرة» ثم أمر بردّها إلى مكانها. ولما قتل أبرويز في الحبس استعرض ابنه شيرويه ما في الخزائن فلما وصل إلى تلك الخزانة ورأى المكتوب على رأس تلك البرنية بادر مسرعا وأخذ منه وزن درهمين وأكله فانتفخ في الحال ومات. فيقال: ما رئي أحد أخذ بثأر نفسه بعد موته بستة أشهر إلا أبرويز من ابنه شيرويه «٢٩٩» .
كان هذا الحديث خارجا عن غرضنا إلا أنه يشبهه.
[ ١٢١ ]
ثم إن المنتصر كان إذا جلس للشرب مع قتلة أبيه يعربد عليهم ويقول: أنتم قتلتم أبى فيقولون: قتله من قتله، نحن ما ندري. ثم إنهم اجتمعوا وتشاوروا وقالوا:
ما نلقى من هذا الرجل خيرا وإن أمكنه فرصة أهلكنا بأسرنا فتعالوا نعاجله قبل أن يعاجلنا. فاجتمع رأيهم على أن بذلوا لجبرائيل «٣٠٠» بن بختيشوع الطبيب مالا وقالوا له:
إن المنتصر معوّل على الفصد في هذا الفصل فأفصده بمبضع مسموم ولك هذا المال.
فأخذ المال منهم وفصده بمبضع مسموم فمات وذلك في يوم السبت لأربع خلون من ربيع الآخر [٥٣ ب] سنة ثمان وأربعين ومائتين «٣٠١» ودفن بالجوسق، وصلى عليه أحمد بن [محمد بن] المعتصم «٣٠٢»، وكان له خمس وعشرون سنة.
وكان القاضي في أيامه جعفر بن عبد الواحد الهاشمي «٣٠٣»، وواليه على خراسان الّذي كان في زمن أبيه طاهر بن عبد الله بن طاهر. وعلى شرطته ببغداد أخوه محمد ابن عبد الله بن طاهر.
ومن العجائب أن جبرائيل بن بختيشوع احتاج إلى الفصد فاستدعى فاصدا ليفصده فأخرج الفاصد مبضعا ما ارتضاه فقال: أنا أعطيك مبضعا تفصدنى به وأخرج دست المباضع الّذي له وفتحه وأعطاه ذلك المبضع الّذي فصد به المنتصر بعينه وهو لا يعلم أنه هو ففصده به فمات من ساعته «٣٠٤» .
[ ١٢٢ ]