[هو] محمد بن الواثق ويكنى [أبا] عبد الله، وأمه أم ولد اسمها «قرب» .
وحين وصل من بغداد إلى سامراء فوافاها يوم الأربعاء تاسع وعشرين رجب سنة خمس وخمسين ومائتين وأرادوا أن يبايعوه في اليوم المقدم ذكره، قال: لا أفعل حتى أسمع بأذني خلع المعتز نفسه فالمثل السائر: «لا يجتمع فحلان في شول ولا سيفان في غمد» «٣٤١»، فأدخلوه إليه فسلّم عليه بالخلافة وجلس بين يديه، فقالوا له: ارتفع، قال: لا ارتفع إلّا أن يرفعني الله بخلافته. ثم قال له: يا أمير المؤمنين خلعت أمر البرّية عن عنقك طوعا ورغبة، وكل من كانت لك في عنقه بيعة فهو بريء منها؟
فقال من الخوف: نعم! فقال: خار الله لنا ولك يا أبا عبد الله. ثم ارتفع حينئذ إلى صدر المجلس وبايعه الناس واستوزر أبا صالح جعفر بن احمد بن عمّار «٣٤٢» .
وكان المهتدي زاهدا ورعا صوّاما قوّاما، لم تعرف له زلّة «٣٤٣» . وكان سهل الحجاب كريم الطبع يخاطب أصحاب الحوائج بنفسه ويجلس للمظالم بنفسه. وكان يلبس القميص الصوف الخشن تحت ثيابه على جلده. وكان يقول: لو لم يكن الزهد في الدنيا والإيثار لما عند الله من طبعي لتكلّفته وتصنّعته فإن منصبي يقتضيه فإنّي خليفة الله في أرضه والقائم مقام رسوله النائب عنه في أمته، وإني «٣٤٤» لأستحي أن يكون لبني مروان عمر بن عبد العزيز وليس لبني العباس مثله وهم آل الرسولﷺ- وبه ألزم وإليه أقرب. وكان الناس [٦٠ أ] يروون عن سفيان الثوري أنه كان يقول: «الخلفاء الراشدون خمسة، ويعدّ فيهم عمر بن عبد العزيز» «٣٤٥» . ثم أجمع الناس في أيام المهتدي من فقيه ومقرئ وزاهد وصاحب حديث أن السادس هو المهتدي باللَّه.
واتفق أنه سمع يوما، وهو بأعلى القصر يشرف على الناس وهم لا يرونه، رجلا يقول لرجل: نصبت ميزاب سطحك في ملكي؟ بيني وبينك أمير المؤمنين، فسجد وبكى ورفع رأسه وقال: الحمد للَّه الّذي أرانى الدنيا هكذا، هذا والله قد طيّب عليّ الموت.
[ ١٣٣ ]
وحكى «٣٤٦» أن رجلا من الرملة تظلّم إلى المهتدي من عاملها فأمر بإنصافه وكتب له كتاب إليه فأخذه المهتدي ووقّع فيه أسطرا بخطه وختمه بيده وسلّمه إلى الرجل وهو يدعو له. ورأى الرجل في ذلك المجلس أشياء من هذا الفن وشاهد من رحمة المهتدي وبرّه بالرعية وتولية أمورهم بنفسه ما لم ير مثله فاستخفّه الطرب لذلك حتى سقط مغشيّا عليه فنهض المهتدي يعاينه بنفسه فلما أفاق قال له: ما شأنك؟ أبقيت لك حاجة؟ قال: لا والله ولكنى ما رجوت أن أعيش حتى أرى هذا العدل. قال له: كم لزمك منذ خرجت من بلدك؟ قال: أنفقت عشرين دينارا قال المهتدي: إنا للَّه! كان الواجب علينا أن ننصفك وأنت في بلدك ولا نحوجك إلى تعب وكلفة وإذ لم يتّفق ذلك فهذه خمسون دينار من بيت مال المسلمين فإنّي لا أملك مالا فخذها لنفقتك قادما وراجعا واجعلنا في حل من تعبك وتأخّر حقك. قال: فبكى الرجل حتى غشي عليه ثانيا وأجهش بعضهم بالبكاء [٦٠ ب] وبهت البعض فقال واحد من الجماعة:
يا أمير المؤمنين أنت والله كما قال الأعشى:
حكّمتموه فقضى بينكم أبلج مثل القمر الزاهر
لا يقبل الرشوة في حكمه ولا يبالي غبن الخاسر «٣٤٧»
فقال المهتدي: أما أنت فأحسن الله جزاءك، وأما أنا فما رويت هذا الشعر ولا سمعت به ولكنى أذكر قول الله ﷿: «ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبّة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين» فما بقي في المجلس إلا من استغرق في الدعاء والبكاء جهده ودعا له بطول العمر ونفاذ الأمر.
وللبحترى فيه قصيدة «٣٤٨» بديعة يصف فيها زهده وسيرته ولبسه للصوف وأوّلها:
إذا عرضت أحداج ليلى فنادها سقتك غوادى المزن صوب عهادها
أما لبثة تقضى لبانة عاشق بها أو يروّى هائم باتئادها
[ ١٣٤ ]
وددت وهل نفس امرئ بملومة إذا هي لم تعط الهوى من ودادها
«٣٤٩» لو أن سليمى أسجحت أو لو أنه أعير فؤادي سلوة من فؤادها
وأحسد أن تسرى إلى من الهوى عقابيل تعتاد الجوى باعتيادها
فكم نافسوا في حرقة إثر فرقة تعجّب من أنفاسها وامتدادها
وفي ليلة بعنا لطارق شوقنا كرى أعين مطروقة بسهادها
غدا المهتدي باللَّه والغيث ملحق بأخلاقه أو زائد في عدادها
حمدنا به عهد الليالي وأشرقت لنا أوجه الآمال بعد اربدادها [٦١ أ]
إذا كرّت الآمال فيه تلاحقت مواهب مكرور الأيادي معادها
وقد أعجز العذال أن يتداركوا لهى تسبق الألحاظ قبل ارتدادها
سرت تتبغاه الخلافة رغبة إليه بأوفى قصدها واعتمادها
إمام إذا أمضى الأمور تتابعت على سنن من قصدها أو سدادها
متى يتعمّم بالسحاب تلث على كفيّ لها يجتاز إرث اسودادها
وإن يتقلد ذا الفقار يضف إلى شجاع قريش في الوغى وجوادها
له عزمة ما استبطأ الملك نجحها ولا استعتب الأيام ورى زنادها
إذا شوهدت بالرأي بان اختيارها وإن غاب ذو الرأى اكتفت بانفرادها
رشيدية في نجرها واثقية يرى الله إيثار التقى من عتادها
وما نقلت منه الخلافة شيمة وقد مكّنته عنوة من قيادها «٣٥٠»
وما مالت الدنيا به حين أشرقت له في تناهى حسنها واحتشادها
قال البحتري: فلما بلغت إلى قولي:
لسجادة السجّاد أحسن منظرا من التاج في أحجاره واتّقادها
وللصوف أولى بالأئمة من سبا الحرير وإن راقت بصبغ جسادها «٣٥١»
استحسن هذين البيتين.
قال البحتري: فلما فرغت من إنشاد القصيدة قال لي: والله لقد أحسنت في تينك
[ ١٣٥ ]
البيتين، إلا أننى علمت أنك قصدت بهما المعتز وما كنت أحب أن تنشدهما على الملأ فأنسب إلى سماع غيبة أهلي وأنت إلى قلة المحافظة وسوء العهد وليس لي مال أصلك به ولا أرى لك في بيت مال المسلمين حقّا ولكنى أفعل معك [٦١ ب] فعلا آخر، وأمر بإحضار أهله وأقاربه وقال لهم: أبو عبادة خطيب بيتنا وشاعر دولتنا وليس في يدي شيء سوى الأموال التي في بيت مال المسلمين وهي وديعة في يدي والله يسألنى عنها يوم القيامة ويحاسبني عليها فأجيزوا أبا عبادة عنى، فجمعوا لي بينهم في الحال مائة ألف درهم. فقال المهتدي: يا أبا عبادة والله ما ملكت عشرها قط ولا أملكه إن شاء الله.
وكان بايكباك التركي في أيامه قد خرب الدنيا ونهب العالم وقتل الرعية، وشكى ذلك إليه فأمره دفعات بالكفّ عن ذلك فلم يقبل فأمر بقتله وجرى على لسانه أن قال:
أريد قلع هؤلاء الأتراك وتطهير الدنيا منهم. فاجتمع الأتراك كلهم وخرجوا عليه وقصدوه بسامراء فخرج إليهم إلى الميدان في نحو من عشرة آلاف فارس كلهم ترك وبعضهم عرب وبعضهم مولّدون وبعضهم مغاربة وكانوا هم في نحو من سبعين ألفا فحاربهم فكسروه لأن الأتراك الذين كانوا في عسكره غدروا به وانضموا إليهم «٣٥٢»، وانهزم ودخل وفي حلقه مصحف معلّق والبردة على كتفيه إلى بيت رجل من أهل سامراء يعرف بابن جميل فدخلوا خلفه وقالوا: اخلع نفسك فما فعل فأخذ أحدهم خصاه في يده وجعل يمرسها ساعة فمات «٣٥٣» . وكان قصيرا عريض المنكبين واسع الجبهة طويل اللحية. وكان مولده بالقاطول.
فأما وزراؤه: فأولهم جعفر بن محمود [الإسكافي] وأبو صالح [جعفر بن أحمد] ابن عمّار، وسليمان بن وهب «٣٥٤» .
[ ١٣٦ ]