هو أبو عبد الله، محمد بن عبد الله بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن العباس. بويع له بالخلافة حين وصل الخبر بوفاة المنصور. وأمه أم موسى بنت منصور «٩٩» بن عبد الله الحميري. وكان المنصور أراد قبل موته أن يعقد البيعة بعد المهدي لابنه صالح المعروف بالمسكين. فوجّه إليه المهدي وقال له: يا أمير المؤمنين لا تحملني على قطيعة الرحم، وإن كان لا بدّ لك من إدخال أخى في هذا الأمر فأدخله قبلي [١٨ ب] فإن الأمر إذا صار إليّ أحببت أن لا يخرج عن ولدى كما أحببت حيث صار الأمر إليك أن لا يخرج عنى وبذلت ما بذلته لعيسى بن موسى وهو ابن أخيك حتى خلع نفسه من ولاية العهد بعدك «١٠٠» . فقال المنصور: الأمر كما ذكرت ورجع عن ذلك.
وحين جلس المهدي للعزاء ثلاثة أيام على العادة، جلس بعد ذلك جلوسا عاما للهناءة ودخل الناس على طبقاتهم. فحكى «١٠١» بشّار، وكان أعمى، قال: كان إلى جنبي وأنا بالمجلس أشجع السلمي «١٠٢» الشاعر فقلت له: يا أشجع أسمع حسّا وأظنه حسّ أبى العتاهية فقال: هو كما ظننت. فقلت له: أترى يحمله جهله على أن يقوم وينشد في مثل هذا المجلس؟ قال بشّار: فو الله ما استتممت كلامي حتى قام وأنشد شعرا يشبّب بجارية الخليفة، وهو:
ألا ما لسيدتى ما لها أدلّت فأجمل إدلالها
وإلا ففيم تجنّت وما [قد] جنيت سقى الله أطلالها
فلما بلغ إلى قوله:
ألا إن جارية للإمام وقد سكن الحسن سربالها
وقد أتعب الله قلبي بها وأتعب باللوم عذّالها
كأن بعيني في أين ما نظرت من الأرض تمثالها
قلت: يا أشجع هل جروا برجله؟ فقال: لا بعد. قال: فلما بلغ أبو العتاهية إلى قوله [١٩ أ]:
[ ٦٩ ]
أتته الخلافة منقادة إليه تجرّر أذيالها
فلم تك تصلح إلا له وما كان يصلح إلا لها
ولو رامها أحد غيره لزلزلت الأرض زلزالها
ولو لم تطعه بنات القلوب ما قبل الله أعمالها
وكانت يد الجود مغلولة ففك الخليفة أغلالها
وإن الخليفة من بغض لا إليه ليبغض من قالها
قلت: يا أشجع هل طار الخليفة عن دسته؟ قال أشجع: لا ولكنه قد زحف حتى صار على طرف السرير. قال بشار: وأنشدنا بعده كلنا وما أصغى الخليفة إلى إنشادنا، وما خرج في ذلك اليوم منا أحد بجائزة غير أبى العتاهية. وكان المهدي أديبا شاعرا، ومن جملة شعره «١٠٣» ما كتب به إلى الخيزران أم أولاده موسى وهارون وهي بمكة:
نحن في أفضل السرور ولكن ليس إلا بكم يتم السرور
عيب ما نحن فيه يا أهل ودّى أنكم غيّب ونحن حضور
فأجدّوا المسير بل إن قدرتم أن تطيروا مع الرياح فطيروا
ومن شعره وقد دخل ميدان كسرى بالمدائن في يوم المهرجان:
إذا ما كنت في الميدان يوما أجوّل في السرور مع الغواني
خرجت كأننى كسرى إذا ما علاه التاج يوم المهرجان [١]
وفي أول خلافته قتل بشار الأعمى لأنه اتهم بالزندقة، فنفاه إلى البصرة فبلغه الخبر أن بشارا عمل في طريقه هذين البيتين [١٩ ب]:
خليفة يزني بعمّاته يلعب بالتبوك والصولجان
أعضه الله ببظر امه ودس موسى في حر الخيزران «١٠٤»
وأخبر المهدي بعض الثقات أنه رأى بشارا واقفا على باب المهدي والخلائق ينتظرون ركوبه وهو ينشد:
_________________
(١) البيت منسوب لآدم بن عبد العزيز الآمدي في الوافي بالوفيات ٥/ ٢٩٤.
[ ٧٠ ]
يا قوم لا تطلبوا يوما خليفتكم إن الخليفة يعقوب بن داود
«١٠٥» ضاعت خلافتكم يا قوم فالتمسوا خليفة الله بين الناى والعود
فأمر المهدي أن ينحدروا وراءه ويقتلوه، فانحدر إليه مولى للمهدي فلحقه في بعض الطريق في سفينة منحدرا إلى البصرة فحنقه ورماه في الماء.
قال أبو عبيدة «١٠٦»: ما رأيت قط أكرم من المهدي ولا أسمح خلقا منه. كان يصلى بنا الصلاة الخمس حين قدم البصرة بالجامع، فأقيمت الصلاة فقال أعرابى:
يا أمير المؤمنين لست على طهر وقد رغبت إلى الله تعالى في الصلاة خلفك. فوقف ينتظره إلى أن أقبل. فعجب الناس من كرم طبعه وفرط تواضعه.
وسافر المهدي إلى الجبال في سنة ثمان وستين ومائة ووصل إلى ماسبذان واستطاب المكان فأقام به ونفذ إلى أم ولده الخيزران فاستدعاها فقدمت عليه في مائة هودج ملبسة بالوشي والديباج وذلك في المحرم سنة تسع وستين ومائة وبقيت عنده يومين وهو فرح بها وبطيب الموضع وصفاء الزمان من الأكدار. فلما كان اليوم الثالث من قدومها حكى «١٠٧» [على بن يقط] ين قال: اليوم أكل المهدي وأكلنا معه [٢٠ أ] ثم قال لي: أريد أنام ساعة فلا تنبهونى حتى أنتبه لنفسي، ومضى ونام ونمنا فانتبهنا بصوت بكائه فجئناه وقلنا: ما أصابك يا أمير المؤمنين؟ قال: بينا أنا نائم إذ رأيت شيخا «١٠٨» واقفا على باب هذا البهو وهو يقول:
كأنى بهذا القصر قد باد أهله وأوحش منه دوره ومنازله
وصار عميد القوم من بعد بهجة وملك إلى قبر عليه جنادله
فلم يبق إلا ذكره وحديثه تنادى بويل معولات حلائله
قال عليّ بن يقطين: وما لبث بعد ذلك إلا ثلاثة أيام «١٠٩» . وكانت وفاة المهدي بماسبذان في قرية يقال لها الرذ «١١٠» لثمان ليال بقين من المحرم سنة تسع وستين ومائة. فكانت خلافته عشر سنين وشهرا واحدا وستة وعشرين يوما. وكان سنه ثلاثا وأربعين سنة، وصلى عليه ابنه هارون.
[ ٧١ ]
وكان المهدي﵀- طويلا أسمر اللون تعلوه صفرة. وعادت قباب الخيزران «١١١» وهوادجها كلها إلى بغداد ملبسة بالمسوح. فحين رآها أبو العتاهية قال- رحمه الله تعالى-:
رحن في الوشي وأقبلن عليهنّ المسوح كل نطّاح على الدهر له يوما نطوح
لتموتن ولو عمّرت ما عمّر نوح فعلى نفسك نح إن كنت لا بد تنوح
وكان وزير المهدي في أول خلافته أبو عبيد الله معاوية بن عبيد الله بن يسار «١١٢» . ثم بعده يعقوب بن داود ثم بعده الفيض «١١٣» بن أبى صالح «١١٤» «١١٥» [٢٠ ب] ثم انقضت أيام المهدي- رضوان الله عليه-.
[ ٧٢ ]