أبو عبد الله، الحسين بن عليّ بن أبى طالب- قدس الله روحه- بايعه أهل الكوفة سنة تسع [٨ أ] وخمسين وهاجر إليها في ذي القعدة من سنة إحدى وستين، ونصحه أهل المدينة وقالوا له: تريّث فإن هذا موسم الحاج فإذا وصلوا فاخطب في الناس وادعهم إلى نفسك فيبايعك أهل الموسم ويتذكر بك الناس جدّك وتمضى حينئذ في جملتهم في جماعة ومنعة وسلاح وعدة. فلم يصبر وخرج ومعه سبعون نفرا أكثرهم أولاده وأقاربه وأهل بيته. فلما كان في بعض الطريق لقيه الفرزدق الشاعر فقال له الحسين- كرّم الله وجهه-: يا أبا فراس، كيف تركت الناس وراءك؟ فعلم عن أي شيء يسأله. فقال له: يا ابن بنت رسول الله تركت القلوب معك والسيوف مع بنى أمية. [فقال]: ها إنها لمملوءة كتبا، وأشار إلى حقيبة كانت تحته. ثم وصل يوم عاشوراء من سنة إحدى وستين إلى الطف فتلقاه عبيد الله بن زياد في أربعة آلاف مقاتل «٤٥»، وعلم أنه ليس له به طاقة فنفذ إليه وقال: أنا معك بين ثلاثة أمور: إما أن تدعني أذهب من حيث جئت، وإما أن تعين لي موضعا آخر أقصده وأعيش به، وإما أن أسلم نفسي إليك نازلا على حكم يزيد بن معاوية فتحملني إليه ليفعل في أمرى ما يشاء. فقال عبيد الله بن زياد: أما
[ ٥٣ ]
الإفراج لك عن الطريق لتذهب من حيث جئت فلا سبيل إليه، وأما تعيين موضع تقصده فليس ذلك إليّ، وأما نزولك على حكم يزيد فلا والله ما تنزل إلا على حكمي.
فقال الحسين- كرم الله وجهه-: الموت تحت ظلال السيوف أحب إليّ من النزول [٨ ب] على حكمك، وتواعدوا للقتال فحين التقى القوم لم يرم أحد من عسكر عبيد الله سهما ولم يسل سيفا. فقال عبيد الله بن زياد: من أتانى برأس الحسين فله الرىّ. فتقدم إليه عمر «٤٦» بن سعد بن أبى وقّاص وقال له: أيها الأمير اكتب لي عهد الرىّ حتى أفعل ما تأمر في الحال فكتب وسلّم إلى عمر فتقدم وانتزع سهما من كنانته ورمى به الحسين فوقع في نحره فسال دمه على صدره ولحيته فأخذ الدم بيده ورمى به إلى فوق وصاح: اللَّهمّ هذا فعالهم بابن بنت نبيّك. ثم تكاثروا عليه وجاء الشمر- لعنه الله- فاحتزّ رأسه ووضعه في مخلاة فيها تبن وحمله إلى عبيد الله بن زياد فنفذه عبيد الله على هيئته تلك إلى يزيد وكان يزيد نازلا على أنطاكية محاصرا لها.
فلما كان الرسول في بعض الطريق [و] أجنّه الليل عدل إلى دير فيه رهبان فبات فيه فحين انتصف الليل قام بعض الرهبان لشأنه فرأى عمودا من نور متصلا بين تلك المخلاة وبين السماء «٤٧» فتقدم إلى المخلاة وفتّشها فوجد الرأس فيها فقال: لا شك أن هذا رأس المقتول بكربلاء، فمضى وأخبر بقية الرهبان، فحين جاءوا ورأوا تلك الصورة أسلموا كلّهم على الرأس وجعلوا الدير [مسجدا] وكانوا سبع مائة راهب. ثم لما حمل رأسه إلى يزيد قال: إني كنت أقنع من طاعتكم بدون هذا، لعن الله ابن مرجانة، يعنى عبيد الله، لو كان له في قريش نسب لما فعل مثل هذا الفعل [٩ أ] ثم أمر فغسل بماء الورد دفعات وكفّن في عدة أثواب دبيقية. وكان بحضرة يزيد جماعة من أهل عسقلان فسألوه أن يدفن عندهم فسلّمه إليهم فدفنوه بمدينتهم وبنوا عليه مشهدا وهو إلى الآن يزار من الآفاق ويعرف بمشهد الرأس «٤٨» . ودفن بدنه الشريف المقدس بكربلاء. وفي أيام عضد الدولة فناخسرو أمر أن يبنى عليه مشهد فبنى وهو إلى الآن عامر فيه نحو من ألف دار [و] يعرف بمشهد الحسين «٤٩» .
[ ٥٤ ]
ومن جملة من بويع له بالخلافة في زمن بنى أمية، أبو بكر، عبد الله بن الزبير ابن العوام بويع له بالخلافة واستولى على الحرمين والعراق والجبال وخراسان ثلاث عشرة سنة ولم يبق في يد عبد الملك سوى الشام ومصر والمغرب إلى أن قتله الحجاج وصلبه على الكعبة على ما سبق شرحه. وكان أخوه مصعب بن الزبير زوج سكينة بنت الحسين أميرا من قبله على العراق إلى أن قتله المختار بن أبى عبيد وحين قتل الحجاج المختار بن [أبى] عبيد. قال شيخ من أهل الكوفة: لقد رأيت عجبا، دخلت إلى قصر الإمارة بالكوفة في يوم قتل الحسين وعبيد الله بن زياد جالس وبين يديه رأس الحسين على ترس ثم طالت المدة حتى دخلت قصر الإمارة بالكوفة فرأيت مصعب بن الزبير جالسا في ذلك الموضع بعينه وهو الرواق وبين يديه رأس عبيد الله بن زياد على ترس ثم بعد مدة يسيرة دخلت إلى ذلك القصر بعينه ورأيت المختار بن [أبى] عبيد [٩ ب] جالسا في ذلك الرواق بعينه وبين يديه رأس مصعب بن الزبير على ترس واليوم دخلت إلى ذلك القصر ورأيت الحجاج جالسا في ذلك الرواق وبين يديه رأس المختار على ترس «٥٠» .
ومن جملة من بويع له بالخلافة في أيامهم محمد بن الحنفية والضحاك بن قيس بن خالد وعمرو بن سعيد بن العاص [بن سعيد بن العاص] بن أمية «٥١» . وحين قتله عبد الملك بن مروان قال رجل من أهل الشام: اليوم ضحّى بنو أمية بالكرم كما ضحّوا يوم كربلاء بالدين «٥٢» . ومنهم عبد الرحمن بن الأشعث الكندي ويزيد «٥٣» بن المهلب بن أبى صفرة الأزدي وعبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبى طالب «٥٤» . ولم يتم لواحد من هؤلاء أمر، إلى أن انتقل الحق إلى أهله ورجع إلى مستحقّه، وأفضت الخلافة إلى من وعد الله ورسوله بها لورثته. فإنه روى في الصحاح عن النبيﷺ- أنه حين استسقى ليلة الجن أتاه العباس بماء فشربه ثم قال فيه العباس- رضوان الله عليه- يمدحه بأبيات طويلة منها «٥٥»:
من قبلها طبت في الظلال وفي مستودع حيث تخصف الورق
[ ٥٥ ]
ثم هبطت البلاد لا بشر أنت ولا نطفة ولا علق
فلما بلغ إلى قوله:
وأنت لما ولدت أشرقت الأرض وضاءت بنورك الأفق
قال النبيﷺ-: يا عم ألا أصلك!؟ ألا [١٠ أ] أحبوك؟! قال: بلى يا رسول الله، ما أحوجنى إلى ذلك!!. قال: إن الله تعالى افتتح هذا الأمر بى وسيختمه بولدك. وفي رواية أخرى: أن النبيﷺ- لما نزل عليه جبريل﵇- وعليه قباء أسود وعمامة سوداء قال له: ما هذا الزي يا جبريل؟ فقال جبريل: يا محمد يأتى على الناس زمان يعز الله الإسلام بهذا السواد فقال له النبيﷺ-: رئاستهم ممن تكون؟ فقال له جبريل﵇-: من ولد عمك العباس. فقال له النبيﷺ-:
فأتباعهم ممن يكونون؟ فقال جبريل﵇-: أهل المناطق من وراء جيحون، دهاقنة الصغد والترك «٥٦» . وفي يوم الزاب لما التقى عبد الله بن عليّ ومروان الحمار نظر مروان إلى الرايات السود فراعته فالتفت إلى وزيره وقال: هذه والله هي الرايات التي يسلمونها إلى عيسى بن مريم وولّى هاربا وكان يقول في طريقه: أركبت سبعين ألف عربي على سبعين ألف عربي «٥٧» ولكن إذا نفدت المدة لم تنفع العدة. وكان لما أراده الله وقدّره في سابق علمه أن احتاج مروان في تلك الساعة إلى إراقة الماء فهمّ بالنزول فقال له وزيره: بل على سرجك فإنك إن نزلت انكسر العسكر فقال: أو يتحدث عنى بمثل ذلك؟ ونزل.
فيقال: مروان باع الدولة ببولة «٥٨» . وانقضت دولتهم.
[ ٥٦ ]