كَانَ عقبَة بن نَافِع الفِهري ﵁ واليا على الْمغرب كَمَا مر وَهُوَ الَّذِي افْتتح الْأَقْصَى مِنْهُ وَلما اسْتشْهد بالزاب بَقِي بنوه بِهِ فَكَانَت لَهُم وجاهة مَعْرُوفَة بَين أَهله لمَكَان أَبِيهِم عقبَة من جِهَاد الْعَدو وَمَا فتح الله على يَده من الأقطار واختطاطه مَدِينَة القيروان إِلَى هِيَ كرْسِي الْإِمَارَة فَكَانَ مَا منح الله أهل الْمغرب من الْإِسْلَام وَالدّين كُله فِي صَحِيفَته فنالوا بذلك شرفا خَاصّا زِيَادَة على شرف القرشية وَعز الفهرية فَكَانَ يكون لَهُم الشفوف فِي بعض الأحيان حَتَّى على الْوُلَاة فضلا عَن غَيرهم
وَقد تقدم لنا فِي أَخْبَار مُوسَى بن نصير أَنه اسْتعْمل ابْنه عبد الْعَزِيز على الأندلس فثار عَلَيْهِ حبيب بن أبي عُبَيْدَة بن عقبَة بن نَافِع وَقَتله بإغراء سُلَيْمَان بن عبد الْملك وَتقدم أَيْضا مَا كَانَ مِنْهُ إِلَى كُلْثُوم بن عِيَاض عِنْد قدومه القيروان من التوعد حَتَّى أدّى ذَلِك إِلَى مقاتلتهما
وَلما قتل حبيب هَذَا فِي وقْعَة كُلْثُوم الْمُتَقَدّمَة كَانَ ابْنه عبد الرَّحْمَن بن حبيب صَاحب التَّرْجَمَة فِي جملَة أَصْحَاب بلج الناجين إِلَى سبتة وَلما قتل أَصْحَاب بلج عبد الْملك بن قطن الفِهري وصلبوه كَمَا مر فارقهم
[ ١ / ١٧٢ ]
عبد الرَّحْمَن هَذَا لما صَنَعُوا بِابْن عَنهُ وعزم على الطّلب بدمه فَاجْتمع إِلَيْهِ نَحْو مائَة ألف من عرب الأندلس وبربرها وَعمد إِلَى بلج فَقتله فِي خبر طَوِيل
ثمَّ حاول عبد الرَّحْمَن التغلب على الأندلس فَلَمَّا قدم أَبُو الخطار واليا عَلَيْهَا من قبل حَنْظَلَة بن صَفْوَان أيس مِنْهَا وَركب الْبَحْر إِلَى الْمغرب فاحتل بتونس فِي جُمَادَى الأولى سنة سِتّ وَعشْرين وَمِائَة وَقد توفّي هِشَام وَولي الْخلَافَة بعده الْوَلِيد بن يزِيد الْفَاسِق فَدَعَا عبد الرَّحْمَن أهل تونس إِلَى نَفسه فَأَجَابُوهُ وَبلغ ذَلِك حَنْظَلَة صَاحب القيروان فكره قتال الْمُسلمين وَسَفك دِمَائِهِمْ فَبعث إِلَيْهِ جمَاعَة من وُجُوه الْجند يَدعُونَهُ إِلَى الطَّاعَة فَلَمَّا وصلوا إِلَيْهِ انتهز الفرصة وأوثقهم فِي الْحَدِيد وَأَقْبل بهم إِلَى القيروان فِيمَن اجْتمع إِلَيْهِ وَأرْسل إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ يُحَذرهُمْ قِتَاله وَيَقُول إِن رميتم وَلَو بحجرة قتلت من فِي يَدي فأحجموا عَنهُ ضنا بأشرافهم عَن الْقَتْل وَعلم بذلك حَنْظَلَة فارتحل إِلَى الْمشرق سنة سبع وَعشْرين وَمِائَة وَدخل عبد الرَّحْمَن القيروان فَتمكن مِنْهَا وَاسْتولى على الْمغرب وَهُوَ أول متغلب عَلَيْهِ قَالُوا وَلما ولي مَرْوَان بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بالحمار الْخلَافَة بعث إِلَيْهِ بعهده وَكَانَ أَمر البربر يَوْمئِذٍ قد تفاقم وداء الخارجية قد أعضل ورؤوسها قد نبغت فِي كل جِهَة فانتقضوا من أَطْرَاف الْبِقَاع وتواثبوا على الْأَمر بِكُل مَكَان داعين إِلَى بدعتهم وَتَوَلَّى كبر ذَلِك مِنْهُم صنهاجة فَإِنَّهُم التفوا على كَبِيرهمْ ثَابت الصنهاجي وتغلبوا على باجة وثارت هوارة بطرابلس ملتفين على رئيسهم عبد الْجَبَّار والْحَارث وَغير هَؤُلَاءِ وَكَانُوا على مَذْهَب الإباضية فَقتلُوا عَامل طرابلس بكر بن عِيسَى الْقَيْسِي لما خرج يَدعُوهُم إِلَى السّلم وَعظم الْخطب فزحف إِلَيْهِم عبد الرَّحْمَن بن حبيب سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَة فظفر بالصنهاجي والهواري وقتلهما وَقل جموعهما ثمَّ زحف إِلَى عُرْوَة بن الْوَلِيد الصفري وَكَانَ قد ثار بتونس فَقتله واستأصل الثوار وَانْقطع أَمر الْخَوَارِج من
[ ١ / ١٧٣ ]
إفريقية ثمَّ زحف سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَمِائَة إِلَى جموع من البربر وَكَانُوا قد تجمعُوا بنواحي تلمسان فظفر بهم وفل جمعهم وَرجع ثمَّ أغزى جَيْشًا فِي الْبَحْر إِلَى صقلية وَآخر إِلَى سردانية فأثخنوا فِي أُمَم الفرنج حَتَّى أذعنوا للجزية ودوخ عبد الرَّحْمَن أَرض الْمغرب وأذل المعاندين إِلَى أَن كَانَ مَا نذكرهُ
وَأما أهل الأندلس فَإِنَّهُم كَانُوا قد خلعوا أَبَا الخطار وولوا عَلَيْهِم ثوبة بن سَلامَة الجذامي قَالَ ابْن بشكوال لما اتَّفقُوا عَلَيْهِ خاطبوا بذلك عبد الرَّحْمَن بن حبيب فَكتب إِلَيْهِ بعهده وَذَلِكَ سلخ رَجَب سنة سبع وَعشْرين وَمِائَة فضبط الْبِلَاد وَاسْتمرّ واليا سنتَيْن أَو نَحْوهمَا ثمَّ هلك وَولى أهل الأندلس عَلَيْهِم يُوسُف بن عبد الرَّحْمَن بن حبيب وَهُوَ ابْن صَاحب التَّرْجَمَة ذكر الرَّازِيّ أَن مولده كَانَ بالقيروان وَأَنه لما استولى أَبوهُ على الْمغرب خرج يُوسُف هَذَا مغاضبا لَهُ لأمر اقْتضى ذَلِك فَقدم الأندلس واستوطنها وساد بهَا فأقامه أَهلهَا واليا عَلَيْهِم بعد أَمِيرهمْ ثوابة وَقد مَكَثُوا فوضى أَرْبَعَة أشهر وَكَانَ اجْتِمَاعهم عَلَيْهِ بِإِشَارَة الصميل بن حَاتِم الْكلابِي فاستبد يُوسُف بالأندلس وضبطها إِلَى أَن دخل عَلَيْهِ عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة الْأمَوِي الْمَعْرُوف بالداخل فانتزعها مِنْهُ وأورثها بنيه كَمَا سَيَأْتِي