لما فر عَليّ بن عمر عَن فاس وَاسْتولى عبد الرَّزَّاق الصفري على عدوة الأندلس بعث أهل فاس إِلَى يحيى بن الْقَاسِم بن إِدْرِيس وَيعرف يحيى هَذَا بالعدام فوصل إِلَيْهِم فَبَايعُوهُ وولوه على أنفسهم وَيحيى العدام هَذَا هُوَ جد الْأَشْرَاف الجوطيين بفاس فَإِنَّهُم أَوْلَاد يحيى الجوطي بن مُحَمَّد بن يحيى العدام وَإِنَّمَا قيل لَهُ الجوطي نِسْبَة إِلَى جوطة بِضَم الْجِيم وبالطاء
[ ١ / ٢٣٥ ]
الْمُهْملَة قَرْيَة كَانَت على نهر سبو بالعدوة الجنوبية مِنْهُ نزلها بِيَحْيَى بن مُحَمَّد فنسب إِلَيْهَا وقبره مَعْرُوف بهَا إِلَى الْآن
وَلما اسْتَقل بِيَحْيَى بن الْقَاسِم بِالْأَمر قَاتل عبد الرَّزَّاق حَتَّى أخرجه من عدوة الأندلس فَدَخلَهَا وَبَايَعَهُ أَهلهَا وَجَمِيع من نزل بهَا من أهل الأندلس الربضيين ربض قرطبة وَاسْتعْمل يحيى بن الْقَاسِم عَلَيْهِم ثَعْلَبَة بن محَارب بن عبد الله الْأَزْدِيّ من ولد الْمُهلب بن أبي صفرَة وَهُوَ ربضي أَيْضا فَلم يزل واليا على عدوة الأندلس إِلَى أَن توفّي فَاسْتعْمل يحيى مَكَانَهُ وَلَده عبد الله بن ثَعْلَبَة الْمَعْرُوف بعبود إِلَى أَن توفّي أَيْضا فَاسْتعْمل الْأَمِير يحيى مَكَانَهُ وَلَده محَارب بن عبود بن ثَعْلَبَة
وَخرج الْأَمِير يحيى بن الْقَاسِم إِلَى قتال الصفرية فَكَانَت لَهُ مَعَهم حروب ووقائع كَثِيرَة وَلم يزل أَمِيرا على فاس وأعمالها إِلَى أَن اغتاله الرّبيع بن سُلَيْمَان سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وَكَانَت فِي أَيَّام هَؤُلَاءِ الْأُمَرَاء أَحْدَاث نذكرها
فَفِي سنة ثَلَاث وَخمسين وَمِائَتَيْنِ كَانَ بِبِلَاد العدوة والأندلس قحط شَدِيد نضبت مِنْهُ الْمِيَاه وَاسْتمرّ إِلَى سنة سِتِّينَ
وَفِي سنة أَربع وَخمسين كسف الْقَمَر كُله من أول اللَّيْل حَتَّى أصبح وَلم ينجل
وَفِي سنة سِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ عَم الْقَحْط والغلاء جَمِيع بِلَاد الأندلس وَالْمغْرب وإفريقية ومصر والحجاز حَتَّى رَحل النَّاس عَن مَكَّة إِلَى الشَّام وَلم يبْق بهَا إِلَّا نفر يسير مَعَ سدنة الْكَعْبَة ثمَّ كَانَ بالمغرب والأندلس وباء عَظِيم مَعَ غلاء فِي الأسعار وعدمت الأقوات فَهَلَك خلق كثير
وَفِي سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ كَانَت بالسماء حمرَة شَدِيدَة من أول اللَّيْل إِلَى آخِره لم يعْهَد قبلهَا مثلهَا وَذَلِكَ لَيْلَة السبت لتسْع بَقينَ من صفر من السّنة الْمَذْكُورَة
وَفِي سنة سبع وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ فِي يَوْم الْخَمِيس الثَّانِي وَالْعِشْرين من
[ ١ / ٢٣٦ ]
شَوَّال مِنْهَا كَانَت زَلْزَلَة عَظِيمَة لم يسمع بِمِثْلِهَا تهدمت مِنْهَا الْقُصُور وانحطت مِنْهَا الصخور من الْجبَال وفر النَّاس من المدن إِلَى الْبَريَّة من شدَّة اضْطِرَاب الأَرْض وتساقطت السقوف والحيطان وفرت الطُّيُور عَن أوكارها وَمَاجَتْ فِي السَّمَاء زَمَانا حَتَّى سكنت الزلزلة وعمت هَذِه الرجفة جَمِيع بِلَاد الأندلس سهلها وجبالها وَجَمِيع بِلَاد العدوة من تلمسان إِلَى طنجة وَمن الْبَحْر الرُّومِي إِلَى أقْصَى الْمغرب إِلَّا أَنَّهَا لم يمت فِيهَا أحد لطفا من الله تَعَالَى بخلقه
وَفِي سنة سِتّ وَسبعين وَمِائَتَيْنِ طبقت الْفِتْنَة جَمِيع آفَاق الأندلس وَالْمغْرب وإفريقية
وَفِي سنة خمس وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ كَانَت المجاعة الشَّدِيدَة الَّتِي عَمت جَمِيع بِلَاد الأندلس وبلاد العدوة حَتَّى أكل النَّاس بَعضهم بَعْضًا ثمَّ عقب ذَلِك وباء وَمرض وَمَوْت كَبِير هلك فِيهِ من الْخلق مَا لَا يُحْصى فَكَانَ يدْفن فِي الْقَبْر الْوَاحِد عدد من النَّاس لِكَثْرَة الْمَوْتَى وَقلة من يقوم بهم وَكَانُوا يدفنون من غير غسل وَلَا صَلَاة وَالْأَمر لله وَحده