وَخرجت سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَدخلت سنة سبع بعْدهَا فَاجْتمع الجيشان بصفين وتراسوا وتداعوا إِلَى الصُّلْح فَلم يقْض الله بذلك وَكَانَت حَرْب يسيرَة بِالنِّسْبَةِ لما بعْدهَا وَلما دخل صفر وَقع بَينهمَا الْقِتَال فَكَانَت وقعات كَثِيرَة بصفين يُقَال إِنَّهَا تسعون وقْعَة وَكَانَت مُدَّة مقامهم على الْحَرْب مائَة يَوْم وَعشرَة أَيَّام وَعدد الْقَتْلَى بصفين من أهل الشَّام خَمْسَة وَأَرْبَعُونَ ألفا وَمن أهل الْعرَاق خَمْسَة وَعِشْرُونَ ألفا مِنْهُم سِتَّة وَعِشْرُونَ من أهل بدر وَكَانَ عَليّ ﵁ قد تقدم إِلَى أَصْحَابه أَن لَا يقاتلوهم حَتَّى يبدؤوهم بِالْقِتَالِ وَأَن لَا يقتلُوا مُدبرا وَلَا يكشفوا عَورَة وَلَا يأخذو من أَمْوَالهم شَيْئا وَقَاتل عمار بن يَاسر ﵁ مَعَ عَليّ قتالا عَظِيما وَكَانَ عمره قد نَيف على تسعين سنة وَكَانَت الحربة فِي يَده وَيَده ترتعد فَقَالَ هَذِه راية قَاتَلت بهَا مَعَ رَسُول الله ﷺ ثَلَاث مَرَّات وَهَذِه الرَّابِعَة ودعا بقدح من لبن فَشرب مِنْهُ ثمَّ قَالَ صدق الله وَرَسُوله الْيَوْم ألْقى الْأَحِبَّة مُحَمَّدًا وَحزبه قَالَ لي رَسُول الله ﷺ إِن آخر رِزْقِي من الدُّنْيَا ضيحة لبن وَرُوِيَ أَنه كَانَ يرتجز
(نَحن قتلناكم على تَأْوِيله كَمَا قتلناكم على تَنْزِيله)
(ضربا يزِيل الْهَام عَن مقِيله وَيذْهل الْخَلِيل عَن خَلِيله)
وَلم يزل عمار يُقَاتل ذَلِك الْيَوْم حَتَّى اسْتشْهد ﵁
وَفِي الصَّحِيح الْمُتَّفق عَلَيْهِ إِن رَسُول الله ﷺ قَالَ (وَيْح عمار تقتله الفئة الباغية) وَبعد قتل عمار ﵁ انتخب عَليّ اثْنَي عشر ألفا بعد أَن روى لَهُم حَدِيث عمار وَحمل بهم على عَسْكَر مُعَاوِيَة فَلم يبْق لأهل الشَّام صف إِلَّا انتفض ثمَّ نَادَى يَا مُعَاوِيَة على مَا نقْتل النَّاس بَيْننَا هَلُمَّ
[ ١ / ١٠٤ ]
أحاكمك إِلَى الله فأينا قتل صَاحبه استقام لَهُ الْأَمر فَقَالَ لَهُ عَمْرو بن الْعَاصِ أنصفك فَقَالَ مُعَاوِيَة لكنك مَا أنصفت ثمَّ تقاتلوا لَيْلَة الهرير شبهت بليلة الْقَادِسِيَّة وَكَانَت لَيْلَة الْجُمُعَة وَاسْتمرّ الْقِتَال إِلَى الصَّباح وَكَانَ عَليّ يسير بَين الصُّفُوف ويحرض كل كَتِيبَة على التَّقَدُّم حَتَّى أصبح والمعركة كلهَا خلف ظَهره
وَرُوِيَ أَنه كبر تِلْكَ اللَّيْلَة سَبْعمِائة تَكْبِيرَة وَكَانَت عَادَته أَنه كلما قتل قَتِيلا كبر ودام الْقِتَال إِلَى ضحى يَوْم الْجُمُعَة وَقَاتل الأشتر النَّخعِيّ قتالا عَظِيما حَتَّى انْتهى إِلَى معسكرهم وَقتل صَاحب رايتهم وأمده عَليّ بِالرِّجَالِ فَلَمَّا رأى عَمْرو شدَّة الْأَمر قَالَ لمعاوية مر النَّاس يرفعون الْمَصَاحِف على الرماح وَيَقُولُونَ كتاب الله بَيْننَا وَبَيْنكُم فَإِن قبلوا ذَلِك ارْتَفع عَنَّا الْقِتَال وَإِن أَبى بَعضهم وجدنَا فِي افتراقهم رَاحَة فَفَعَلُوا ذَلِك فَقَالَ النَّاس نجيب إِلَى كتاب الله فَقَالَ عَليّ يَا عباد الله امضوا على حقكم فِي قتال عَدوكُمْ فَإِن عمرا وَمُعَاوِيَة وَابْن أبي معيط وَابْن أبي سرح وَالضَّحَّاك بن قيس لَيْسُوا بأصحاب دين وَلَا قُرْآن وَأَنا أعرف بهم مِنْكُم وَيحكم وَالله مَا رفعوها إِلَّا خديعة ومكيدة فَقَالُوا لَا يسعنا أَن ندعى إِلَى كتاب الله فَلَا نقبل فَقَالَ عَليّ إِنَّمَا قاتلناهم ليدينوا بِكِتَاب الله فَإِنَّهُم نبذوه فَقَالَ جمَاعَة من الْقُرَّاء الَّذين صَارُوا خوارج يَا عَليّ أجب إِلَى كتاب الله وَإِلَّا دفعناك برمتك إِلَى الْقَوْم أَو فعلنَا بك مَا فعلنَا بِابْن عَفَّان فَقَالَ عَليّ ﵁ إِن تطيعوني فَقَاتلُوا وَإِن تعصوني فافعلوا مَا بدا لكم وَآخر الْأَمر إِنَّهُم اتَّفقُوا على أَن يحكموا رجلَيْنِ من الْجَانِبَيْنِ وَمَا حكما بِهِ عَلَيْهِم صَارُوا إِلَيْهِ فَاخْتَارَ أهل الشَّام عَمْرو بن الْعَاصِ داهية الْعَرَب وَاخْتَارَ أهل الْعرَاق أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيّ بعد مراجعات وَقعت بَين عَليّ وَبينهمْ وَاجْتمعَ الحكمان عِنْد عَليّ لتكتب الْقَضِيَّة بِحُضُورِهِ فَكَتَبُوا بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم هَذَا مَا تقاضى عَلَيْهِ أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أبي طَالب فَقَالَ عَمْرو بن الْعَاصِ إِنَّمَا هُوَ أميركم وَلَيْسَ بأميرنا فَقَالَ الْأَحْنَف لَا تمحوا اسْم أَمِير الْمُؤمنِينَ وَقَالَ
[ ١ / ١٠٥ ]
الْأَشْعَث امحها فَقَالَ عَليّ الله أكبر سنة بِسنة وَالله إِنِّي لكاتب الْقَضِيَّة يَوْم الْحُدَيْبِيَة فَكتبت مُحَمَّدًا رَسُول الله ﷺ فَقَالَت قُرَيْش لست برَسُول الله وَلَكِن اكْتُبْ اسْمك وَاسم أَبِيك فَأمرنِي رَسُول الله ﷺ بمحوه فَقلت لَا أَسْتَطِيع قَالَ فأرنيه فأريته فمحاه بِيَدِهِ فَقَالَ لي إِنَّك ستدعى إِلَى مثلهَا فتجيب ثمَّ كتب الْكتاب هَذَا مَا تقاضى عَلَيْهِ عَليّ بن أبي طَالب وَمُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان قاضى عَليّ على أهل الْكُوفَة وَمن مَعَهم وقاضى مُعَاوِيَة على أهل الشَّام وَمن مَعَهم إِنَّا ننزل عِنْد حكم الله وَكتابه وَأَن لَا يجمع بَيْننَا غَيره وَإِن كتاب الله بَيْننَا من فاتحته إِلَى خاتمته نحيي مَا أحيى ونميت مَا أمات فَمَا وجد الحكمان فِي كتاب الله وهما أَبُو مُوسَى عبد الله بن قيس وَعَمْرو بن الْعَاصِ عملا بِهِ وَمَا لم يجدا فِي كتاب الله فَالسنة العادلة الجامعة غير المفرقة وَأخذ الحكمان من عَليّ وَمُعَاوِيَة وَمن الجندين العهود والمواثيق إنَّهُمَا آمنان على أَنفسهمَا وأهلهما وَالْأمة لَهما أنصار على الَّذِي يتقاضيان عَلَيْهِ وعَلى عبد الله بن قيس وَعَمْرو بن الْعَاصِ عهد الله وميثاقه أَن يحكما بَين هَذِه الْأمة وَلَا يورداها فِي حَرْب وَلَا فرقة وأجلا الْقَضَاء إِلَى رَمَضَان من السّنة وَإِن أحبا أَن يؤخرا ذَلِك أخراه وَإِن مَكَان قضيتهما مَكَان عدل بَين أهل الْكُوفَة وَأهل الشَّام وَشهد رجال من أهل الْعرَاق وَرِجَال من أهل الشَّام وَوَضَعُوا خطوطهم فِي الصَّحِيفَة ودعي الأشتر النَّخعِيّ ليشهد فَقَالَ لَا صحبتني يَمِيني وَلَا نفعتني بعْدهَا شمَالي إِن وضع لي فِيهَا اسْم وَكتب الْكتاب فِي يَوْم الْأَرْبَعَاء لثلاث عشرَة لَيْلَة خلت من صفر سنة سبع وَثَلَاثِينَ وعينوا مَوضِع الحكم بدومة الجندل فَوَقع الِاجْتِمَاع للأجل الْمَذْكُور
وَحَاصِل مَا كَانَ من ذَلِك أَن الْحكمَيْنِ اتفقَا على خلع عَليّ وَمُعَاوِيَة وَيكون الْأَمر شُورَى بَين النَّاس حَتَّى يختاروا من يقدمونه لِلْأَمْرِ وَقدم عَمْرو بن الْعَاصِ أَبَا مُوسَى على نَفسه فِي الْكَلَام فَتكلم أَبُو مُوسَى على رُؤُوس النَّاس بِمَا اتفقَا عَلَيْهِ من خلع عَليّ وَمُعَاوِيَة حَتَّى ينظر النَّاس لأَنْفُسِهِمْ فَلَمَّا سكت أَبُو مُوسَى قَامَ عَمْرو فَقَالَ أَيهَا النَّاس إِن هَذَا قد خلع
[ ١ / ١٠٦ ]
صَاحبه وَقد خلعته كَمَا خلعه وَأثبت مُعَاوِيَة فَهُوَ ولي ابْن عَفَّان وأحق النَّاس بمقامه فكذبه أَبُو مُوسَى وتنازعا وتشاتما ومرج أَمر النَّاس وَلم يحصلوا على طائل وانسل أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ إِلَى مَكَّة فَأَقَامَ بهَا وَلم يرجع إِلَى عَليّ حَيَاء مِنْهُ وَمضى عَمْرو بن الْعَاصِ فِي أهل الشَّام فَسَلمُوا على مُعَاوِيَة بالخلافة وَلَام عَليّ أَصْحَابه فِيمَا كَانَ مِنْهُم من عصيانه أَولا وانخداعهم لأهل الشَّام آخرا وَقَالَ فِيمَا قَالَ كَأَنِّي وَإِيَّاكُم كَمَا قَالَ أَخُو جشم
(أَمرتهم أَمْرِي بمنعرج اللوا فَلم يستبينوا الرشد إِلَّا ضحى الْغَد)
وَقَالَ إِن هذَيْن الْحكمَيْنِ اللَّذين اخترتموهما تركا حكم الله وَحكما بهوى النَّفس وَاخْتلفَا فِي حكمهمَا فَلم يرشدهما الله فتأهبوا للْجِهَاد واستعدوا للسير وَأصْبح عَليّ ﵁ غاديا يُرِيد الشَّام فِي ثَمَانِيَة وَسبعين ألفا
وَكَانَت الْخَوَارِج قد خَرجُوا عَلَيْهِ واعتزلوه وَقَالُوا حكمت الرِّجَال فِي دين الله وَلَا حكم إِلَّا لله وبلغه أَن الْخَوَارِج قد اجْتَمعُوا بالنهروان وتعاهدوا على حَرْب الْمُسلمين ثمَّ بلغه أَن الْخَوَارِج الْبَصْرَة لقوا عبد الله بن خباب صَاحب رَسُول الله ﷺ قَرِيبا من النهروان فعرفهم بِنَفسِهِ فَسَأَلُوهُ عَن أبي بكر وَعمر فَأثْنى خيرا ثمَّ عَن عُثْمَان فِي أول خِلَافَته وَآخِرهَا فَقَالَ كَانَ محقا فِي الأول وَالْآخر فَسَأَلُوهُ عَن عَليّ قبل التَّحْكِيم وَبعده فَقَالَ هُوَ أعلم بِاللَّه وَأَشد توقيا على دينه فَقَالُوا إِنَّك توالي الرِّجَال على أسمائها ثمَّ ذبحوه وبقروا بطن امْرَأَته وَقتلُوا مَعَهُمَا ثَلَاث نسْوَة من طَيء وَمن عَجِيب أَمرهم أَنهم لقوا مُسلما ونصرانيا فَقتلُوا الْمُسلم وَقَالُوا احْفَظُوا ذمَّة نَبِيكُم فِي النَّصْرَانِي فَسَار إِلَيْهِم عَليّ ﵁ وَأرْسل إِلَيْهِم أَن ادفعوا قتلة إِخْوَاننَا مِنْكُم فنكف عَنْكُم حَتَّى نلقى أهل الْمغرب فَلَعَلَّ الله يردكم إِلَى خير فأرسلوا إِلَيْهِ كلنا قد قَتلهمْ وكلنَا يسْتَحل دماءكم فَأَتَاهُم عَليّ ﵁
[ ١ / ١٠٧ ]
فَقَالَ أيتها الْعصبَة الَّتِي أخرجهَا المراء من الْحق إِلَى الْبَاطِل وأصبحت فِي اللّبْس والخطب الْعَظِيم إِنِّي نَذِير لكم أَن تصبحوا تلقاكم الْأمة غَدا صرعى بأثناء هَذَا النَّهر بِغَيْر بَيِّنَة مِنْكُم وَلَا برهَان ألم تعلمُوا أَنِّي قد نَهَيْتُكُمْ عَن الْحُكُومَة إِلَيّ وأخبرتكم أَن الْقَوْم إِنَّمَا طلبوها خديعة فعصيتموني وحملتموني على أَن حكمت وَلما حكمت شرطت وَأخذت على الْحكمَيْنِ أَن يحيى يَا مَا أَحْيَا الْقُرْآن ويميتا مَا أمات فانقلبا وَحكما بِغَيْر حكم الْكتاب فنبذنا أَمرهمَا وَنحن على أمرنَا الأول فَمَا الَّذِي أَصَابَكُم وَمن أَيْن أتيتم قَالُوا حكمنَا وَكُنَّا بذلك كَافِرين وَقد تبنا فَإِن تبت كَمَا تبنا فَنحْن قَوْمك وَإِلَّا فاعتزلنا وَنحن ننابذك على سَوَاء إِن الله لَا يحب الخائنين فَقَالَ عَليّ ﵁ صبحكم صَاحب وَلَا بَقِي مِنْكُم وَافد أبعد إيماني برَسُول الله ﷺ وجهادي فِي سَبِيل الله وهجرتي مَعَ رَسُول الله أشهد على نَفسِي بالْكفْر ﴿قد ضللت إِذا وَمَا أَنا من المهتدين﴾ وَرُوِيَ أَنه لما كَلمهمْ وَاحْتج عَلَيْهِم تنادوا لَا تخاطبوهم وَلَا تكلموهم وتهيؤوا للقاء الرب الرواح الرواح إِلَى الْجنَّة فَخرج عَليّ ﵁ فعبأ النَّاس ميمنة وميسرة ووقف هُوَ فِي الْقلب فِي مُضر وَجعل على الْخَيل ابا أَيُّوب الْأنْصَارِيّ وعَلى أهل الْمَدِينَة وَكَانُوا سَبْعمِائة قيس بن سعد بن عبَادَة وعبأت الْخَوَارِج على نَحْو هَذِه التعبية وَرفع عَليّ ﵁ مَعَ أبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ راية الْأمان فَنَادَى أَبُو أَيُّوب من أَتَى هَذِه الرَّايَة وَلم يُقَاتل وَلم يستعرض فَهُوَ آمن وَمن انْصَرف إِلَى الْكُوفَة أَو الْمَدَائِن فَهُوَ آمن وَمن انْصَرف عَن هَذِه الْجَمَاعَة فَهُوَ آمن فاعتزل فَرْوَة بن نَوْفَل الْأَشْجَعِيّ فِي خَمْسمِائَة وَقَالَ أعتزل حَتَّى يَتَّضِح لي الْأَمر فِي قتال عَليّ فَنزل الدسكرة وَخرج آخَرُونَ إِلَى الْكُوفَة وَرجع آخَرُونَ إِلَى عَليّ ﵁ وَكَانُوا أَرْبَعَة آلَاف فَبَقيَ مِنْهُم ألف وَثَمَانمِائَة فَحمل عَلَيْهِم عَليّ وَالنَّاس وزحفوا هم إِلَى عَليّ ﵁ ينادون الرواح الرواح إِلَى الْجنَّة فَاسْتَقْبَلَهُمْ الرُّمَاة وعطفت عَلَيْهِم الْخَيل من المجنبتين ونهض إِلَيْهِم الرِّجَال بِالسِّلَاحِ فهلكوا
[ ١ / ١٠٨ ]
كلهم فِي سَاعَة وَاحِدَة كَأَنَّمَا قيل لَهُم موتوا فماتوا وَكَانَ جملَة من قتل من أَصْحَاب عَليّ ﵁ سَبْعَة نفر فَطلب عَليّ ﵁ المخدج فِي الْقَتْلَى فَلم يُوجد فَقَامَ ﵁ وَعَلِيهِ أثر الْحزن لفقده فَانْتهى إِلَى قَتْلَى بَعضهم فَوق بعض فَقَالَ أفرجوا ففرجوا يَمِينا وَشمَالًا فاستخرجوه فَقَالَ الله أكبر وَالله مَا كذبت على رَسُول الله ﷺ وَإنَّهُ لناقص الْيَد مَا فِيهَا عظم طرفها مثل ثدي الْمَرْأَة عَلَيْهَا خمس شَعرَات أَو سبع رؤوسها معقفة ثمَّ قَالَ أئتوني بِهِ فَنظر إِلَى مَنْكِبه فَإِذا اللَّحْم مُجْتَمع على مَنْكِبه كثدي الْمَرْأَة عَلَيْهَا شَعرَات سود إِذا مدت اللحمة امتدت حَتَّى تحاذي بطن يَده الْأُخْرَى ثمَّ تتْرك فتعود إِلَى مَنْكِبه فَقَالَ أَصْحَاب عَليّ رَضِي لله عَنهُ قد قطع الله دابرهم آخر الدَّهْر فَقَالَ عَليّ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ إِنَّهُم لفي أصلاب الرِّجَال وأرحام النِّسَاء لَا تخرج خَارِجَة إِلَّا خرجت بعْدهَا مثلهَا حَتَّى تخرج خَارِجَة بَين الْفُرَات ودجلة يُقَال لَهُم الشمط فَيخرج إِلَيْهِم رجل منا أهل الْبَيْت فيقتلهم فَلَا تخرج لَهُم بعْدهَا خَارِجَة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة
وَفِي الصَّحِيح عَن سُوَيْد بن غَفلَة قَالَ قَالَ عَليّ ﵁ إِذا حدثتكم عَن رَسُول الله ﷺ حَدِيثا فوَاللَّه لِأَن أخر من السَّمَاء أحب إِلَيّ من أَن أكذب عَلَيْهِ وَإِذا حدثتكم فِيمَا بيني وَبَيْنكُم فَإِن الْحَرْب خدعة وَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول (سيخرج قوم فِي آخر الزَّمَان أَحْدَاث الْأَسْنَان سُفَهَاء الأحلام يَقُولُونَ من خير قَول الْبَريَّة لَا يُجَاوز إِيمَانهم حَنَاجِرهمْ يَمْرُقُونَ من الدّين كَمَا يَمْرُق السهْم من الرَّمية فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فَإِن فِي قَتلهمْ أجرا لمن قَتلهمْ
ثمَّ إِن عليا ﵁ ندب أَصْحَابه إِلَى غَزْو الشَّام فتثاقلوا عَلَيْهِ وَلما وصلوا إِلَى الْكُوفَة تسللوا إِلَى بُيُوتهم وَتركُوا المعسكر خَالِيا وَلما رأى عَليّ ذَلِك دخل الْكُوفَة ثمَّ ندبهم ثَانِيًا فَلم ينفروا ثمَّ ثَالِثا فَلم ينشط مِنْهُم إِلَّا الْقَلِيل فخطبهم وَأَغْلظ فِي عتابهم وأعلمهم بِمَا لَهُ عَلَيْهِم من الطَّاعَة فِي الْحق والنصح فتثاقلوا وسكتوا وَاسْتمرّ الْحَال إِلَى أَن اسْتَأْثر بِهِ ربه وأراحه من
[ ١ / ١٠٩ ]
شغبهم وَقَبضه إِلَيْهِ وَنَقله إِلَى كرامته وجنته سَابق مضمار الْإِيمَان وَالْهجْرَة والنصرة والنجدة والصهر والقربى والقناعة وَالْجهَاد وَالْعلم والزهد ﵁
وَكَانَ من خبر وَفَاته أَن ثَلَاثَة من الْخَوَارِج مِمَّن نجا من وقْعَة النهروان وهم عبد الرَّحْمَن بن ملجم الْمرَادِي وَعَمْرو بن بكر التَّمِيمِي السَّعْدِيّ وَالْحجاج بن عبد الله التَّمِيمِي الصريمي ويلقب بالبرك اجْتَمعُوا بِمَكَّة فَذكرُوا إخْوَانهمْ الَّذين قتلوا بالنهروان وَقَالُوا مَا نصْنَع بِالْبَقَاءِ بعدهمْ فَلَو شرينا أَنْفُسنَا وقتلنا أَئِمَّة الضلال وَأَرِحْنَا مِنْهُم النَّاس فَقَالَ ابْن ملجم وَكَانَ من مصر أَنا أكفيكم عليا وَقَالَ البرك أَنا أكفيكم مُعَاوِيَة وَقَالَ عَمْرو بن بكر أَنا أكفيكم عَمْرو بن الْعَاصِ وتعاهدوا أَن لَا يرجع أحد مِنْهُم عَن صَاحبه حَتَّى يقْتله أَو يَمُوت دونه وتواعدوا سبع عشرَة لَيْلَة تمْضِي من رَمَضَان من هَذِه السّنة أَعنِي سنة أَرْبَعِينَ وَانْطَلَقُوا فلقي ابْن ملجم أَصْحَابه بِالْكُوفَةِ فطوى خَبره عَنْهُم إِلَّا أَنه جَاءَ إِلَى شبيب بن شَجَرَة الْأَشْجَعِيّ وَدعَاهُ إِلَى الْمُوَافقَة على شَأْنه فَقَالَ شبيب ثكلتك أمك فَكيف تقدر على قَتله فَقَالَ أكمن لَهُ فِي الْمَسْجِد عِنْد صَلَاة الْغَدَاة فَإِن قَتَلْنَاهُ وَإِلَّا فَهِيَ الشَّهَادَة قَالَ وَيحك لَا أجدني أنشرح لقَتله مَعَ سابقته وفضله قَالَ ألم يقتل الْعباد الصَّالِحين أَصْحَاب النهروان قَالَ بلَى قَالَ فنقتله بِمن قَتله مِنْهُم فَأَجَابَهُ ثمَّ لَقِي امْرَأَة من تيم الربَاب فائقة الْجمال اسْمهَا قطام قتل أَبوهَا وأخوها يَوْم النهروان فَخَطَبَهَا ابْن ملجم فشرطت عَلَيْهِ ثَلَاثَة آلَاف دِرْهَم وعبدا وقنية وَأَن يقتل عليا وَقَالَت فَإِن قتلته شفيت النُّفُوس وَإِلَّا فَهِيَ الشَّهَادَة قَالَ وَالله مَا جِئْت إِلَّا لذَلِك وَلَك مَا سَأَلت وَفِي ذَلِك قيل
(ثَلَاثَة آلَاف وَعبد وقنية وَضرب عَليّ بالحسام المسمم)
(فَلَا مهر أغْلى من عَليّ وَإِن غلا وَلَا فتك إِلَّا دون ابْن ملجم)
ثمَّ قَالَت سأبعث مَعَك من يشد ظهرك ويساعدك وَبعثت مَعَه رجلا من قَومهَا اسْمه وردان
[ ١ / ١١٠ ]
فَلَمَّا كَانَت اللَّيْلَة الَّتِي وَاعد ابْن ملجم أَصْحَابه فِيهَا وَكَانَت لَيْلَة الْجُمُعَة جَاءَ إِلَى الْمَسْجِد وَمَعَهُ شبيب ووردان وجلسوا قبالة السدة الَّتِي يخرج مِنْهَا عَليّ للصَّلَاة فَلَمَّا خرج ونادى للصَّلَاة علاهُ شبيب بِالسَّيْفِ فَوَقع فِي عضادة الْبَاب وضربه ابْن ملجم على مقدم رَأسه وَقَالَ الحكم لله يَا عَليّ لَا لَك وَلَا لأصحابك وهرب وردان إِلَى منزله وهرب شبيب مغلسا وَنَجَا فِي غمار النَّاس وَقبض على ابْن ملجم فجيء بِهِ مكتوفا إِلَى عَليّ وَقد حمل إِلَى بَيته فَقَالَ أَي عَدو الله مَا حملك على هَذَا ثمَّ قَالَ إِن هَلَكت فَاقْتُلُوهُ كَمَا قتلني وَإِن بقيت رَأَيْت فِيهِ رَأْيِي يَا بني عبد الْمطلب لَا تحرضوا على دِمَاء الْمُسلمين وَتَقولُوا قتل أَمِير الْمُؤمنِينَ لَا تقتلُوا إِلَّا قاتلي يَا حسن إِن أَنا مت من ضربتي هَذِه فَاضْرِبْهُ بِسَيْفِهِ وَلَا تمثلن بِالرجلِ فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول (إيَّاكُمْ الْمثلَة) وَقَالَ لَهُ جُنْدُب بن عبد الله أنبايع الْحسن إِن فقدناك فَقَالَ مَا آمركُم بِهِ وَلَا أنهاكم عَنهُ أَنْتُم أبْصر وَلما حَضرته الْوَفَاة كتب وَصيته الْعَامَّة ثمَّ لم ينْطق إِلَّا بِلَا إِلَه إِلَّا الله حَتَّى قبض ﵁
وَلما قبض أخرج عبد الرَّحْمَن بن ملجم من السجْن فَقطع عبد الله بن جَعْفَر يَده ثمَّ رجله ثمَّ لِسَانه وكحلت عَيناهُ بمسمار محمى وأحرق لَعنه الله وَأما البرك فَوَثَبَ على مُعَاوِيَة تِلْكَ اللَّيْلَة وضربه بِالسَّيْفِ فَوَقع فِي إليته وَأخذ البرك فَقَالَ لمعاوية عِنْدِي بشرى أتنفعني إِن أَنا أَخْبَرتك بهَا قَالَ نعم قَالَ إِن أَخا لي قتل عليا هَذِه اللَّيْلَة فَقَالَ مُعَاوِيَة لَعَلَّه لم يقدر عَلَيْهِ فَقَالَ بلَى إِن عليا لَيْسَ مَعَه من يحرصه فَقتله مُعَاوِيَة وَقيل قطع يَده وَرجله وَأقَام إِلَى أَيَّام زِيَاد فَقتله بِالْبَصْرَةِ وَأما عَمْرو بن بكر التَّمِيمِي فَإِنَّهُ جلس تِلْكَ اللَّيْلَة لعَمْرو بن الْعَاصِ فَلم يخرج عَمْرو إِلَى الصَّلَاة لمَرض أَصَابَهُ واستناب خَارِجَة بن حذافة الْعَدوي فِي الصَّلَاة فَشد عَلَيْهِ عَمْرو بن بكر وَهُوَ يظنّ أَنه عَمْرو بن الْعَاصِ فَقتله فَلَمَّا أَخَذُوهُ وأدخلوه على عَمْرو قَالَ فَمن قتلت إِذا قَالُوا قتلت خَارِجَة بن حذافة فَقَالَ أردْت عمرا وَأَرَادَ الله خَارِجَة فأرسلها
[ ١ / ١١١ ]
مثلا وَأمر بِهِ عَمْرو فَقتل وَيرْحَم الله ابْن عبدون إِذْ يَقُول
(وليتها إِذْ فدت عمرا بخارجة فدت عليا بِمَا شَاءَت من الْبشر)
وَكَانَت وَفَاة عَليّ ﵁ صَبِيحَة الْجُمُعَة لسبع عشرَة لَيْلَة خلت من رَمَضَان سنة أَرْبَعِينَ كَمَا ذكرنَا وَكَانَت مُدَّة خِلَافَته خمس سِنِين إِلَّا ثَلَاثَة أشهر وَاخْتلف فِي مَوضِع قَبره فَقيل دفن مِمَّا يَلِي قبْلَة الْمَسْجِد بِالْكُوفَةِ وَقيل عِنْد قصر الْإِمَارَة بهَا وَقيل نَقله ابْنه الْحسن إِلَى الْمَدِينَة وَدَفنه بِالبَقِيعِ عِنْد زوجه فَاطِمَة ﵂
قَالَ أَبُو الْفِدَاء وَالأَصَح وَهُوَ الَّذِي ارْتَضَاهُ ابْن الْأَثِير وَغَيره إِن قَبره هُوَ الْمَشْهُور بالنجف وَهُوَ الَّذِي يزار الْيَوْم
وفضائل عَليّ ﵁ ومناقبه فِي الْعدْل وَحسن السِّيرَة أجل من أَن يحاط بهَا من ذَلِك مشاهده الْمَشْهُورَة بَين يَدي رَسُول الله ﷺ ومؤاخاته لَهُ وَسبق إِسْلَامه وَقَول رَسُول الله ﷺ (من كنت مَوْلَاهُ فعلي مَوْلَاهُ) وَقَوله ﷺ يَوْم خَيْبَر (لَأَبْعَثَن الرَّايَة غَدا مَعَ رجل يحب الله وَرَسُوله وَيُحِبهُ الله وَرَسُوله) وَقَوله ﷺ لَهُ (أما ترْضى ان تكون مني بِمَنْزِلَة هَارُون من مُوسَى) وَقَالَ ﷺ (أقضاكم عَليّ) وَالْقَضَاء يَسْتَدْعِي معرفَة أَبْوَاب الْفِقْه كلهَا بِخِلَاف قَوْله ﵇ (أفرضكم زيد وأقرأكم أبي) وَلم يضع ﵁ لبنة على لبنة حَتَّى لَقِي الله وَكَانَ يقسم مَا فِي بَيت المَال كل جُمُعَة حَتَّى لَا يتْرك فِيهِ شَيْئا وَدخل مرّة بَيت المَال فَوجدَ الذَّهَب وَالْفِضَّة فَقَالَ يَا صفراء اصفري وَيَا بَيْضَاء ابيضي وغري غَيْرِي لَا حَاجَة لي فِيك
وَرُوِيَ ابْن عبد الْبر فِي الِاسْتِيعَاب بِسَنَدِهِ إِلَى مجمع التَّمِيمِي أَن عليا ﵁ قسم مَا فِي بَيت المَال بَين الْمُسلمين ثمَّ أَمر بِهِ فكنس ثمَّ صلى فِيهِ رَجَاء أَن يشْهد لَهُ يَوْم الْقِيَامَة
وروى أَيْضا بِسَنَدِهِ عَن عَاصِم بن كُلَيْب عَن أَبِيه قَالَ قدم على عَليّ مَال من أَصْبَهَان فَقَسمهُ سَبْعَة اسباع وَوجد فِيهِ رغيفا فَقَسمهُ سبع كسر وَجعل على
[ ١ / ١١٢ ]
كل جُزْء كسرة ثمَّ أَقرع بَينهم أَيهمْ يُعْطي أَولا قَالَ ابْن عبد الْبر وأخباره ﵁ فِي مل هَذَا من سيرته لَا يحيى ط بهَا كتاب وَيرْحَم الله من قَالَ
(أحسن من عود وَمن ضَارب وَمن فتاة ناهد كاعب)
(وَمن مدام فِي قواريرها يسْعَى بهَا سَاق إِلَى شَارِب)
(وَمن جِيَاد الْخَيل فِي مهمه وضارب يَسْطُو على ضَارب)
(أحسن من ذَاك وَهَذَا وَذَا حب عَليّ بن أبي طَالب)
(لَو فتشوا قلبِي لألفوا بِهِ سطرين قد خطا بِلَا كَاتب)
(الْعلم والتوحيد فِي جَانب وَحب آل الْبَيْت فِي جَانب)
(إِن كنت فِيمَا قلته كَاذِبًا فلعنه الله على الْكَاذِب)
وَلما توفّي عَليّ ﵁ بَايع النَّاس ابْنه الْحسن ﵁ وَأول من بَايعه قيس بن سعد بن عبَادَة قَالَ لَهُ ابْسُطْ يدك على كتاب الله وَسنة رَسُوله وقتال الْمُلْحِدِينَ فَقَالَ الْحسن على كتاب الله وَسنة رَسُوله ويأتيان على كل شَرط ثمَّ بعد ذَلِك نزل لمعاوية عَن الْأَمر فِي خبر طَوِيل نذْكر مِنْهُ مَا فِي الصَّحِيح فَعَن الْحسن الْبَصْرِيّ ﵀ قَالَ اسْتقْبل وَالله الْحسن بن عَليّ مُعَاوِيَة بكتائب أَمْثَال الْجبَال فَقَالَ عَمْرو بن الْعَاصِ إِنِّي لأرى كتائب لَا تولي حَتَّى تقتل أقرانها فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَة وَكَانَ وَالله خير الرجلَيْن أَي عَمْرو إِن قتل هَؤُلَاءِ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاء هَؤُلَاءِ فَمن لي بِأُمُور النَّاس من لي بنسائهم من لي بضيعتهم فَبعث إِلَيْهِ رجلَيْنِ من قُرَيْش من بني عبد شمس عبد الرَّحْمَن بن سَمُرَة وَعبد الله بن عَامر بن كريز فَقَالَ اذْهَبَا إِلَى هَذَا الرجل فاعرضا عَلَيْهِ وقولا لَهُ واطلبا إِلَيْهِ فَأتيَاهُ فدخلا عَلَيْهِ فتكلما وَقَالا لَهُ وطلبا إِلَيْهِ فَقَالَ لَهما الْحسن بن عَليّ ﵄ إِنَّا بني عبد الْمطلب قد أصبْنَا من هَذَا المَال وَإِن هَذِه الْأمة قد عاثت فِي دمائها قَالَا فَإِنَّهُ يعرض عَلَيْك كَذَا وَكَذَا وَيطْلب إِلَيْك ويسألك قَالَ فَمن لي بِهَذَا قَالَا نَحن لَك بِهِ فَمَا سَأَلَهُمَا شَيْئا إِلَّا قَالَا نَحن لَك بِهِ فَصَالحه قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ ﵀ وَلَقَد سَمِعت أَبَا بكرَة يَقُول رَأَيْت
[ ١ / ١١٣ ]
رَسُول الله ﷺ على الْمِنْبَر وَالْحسن بن عَليّ إِلَى جنبه وَهُوَ يقبل على النَّاس مرّة وَعَلِيهِ أُخْرَى وَيَقُول (إِن ابْني هَذَا سيد وَلَعَلَّ الله أَن يصلح بِهِ بَين فئتين عظيمتين من الْمُسلمين)
وَهَا هُنَا فَائِدَتَانِ الأولى هَذِه الحروب الَّتِي وَقعت بَين الصَّحَابَة ﵃ محملها الإجتهاد كَمَا قدمنَا والذب عَن الدّين وَكَانَ النَّاس من السذاجة فِي الدّين والتمسك بِهِ على مَا عهد مِنْهُم فَكَانُوا إِذا رَأَوْا مَا يَظُنُّونَهُ مُنْكرا غيروه وَلَو بِإِتْلَاف مهجهم إِلَّا أَنهم كَانَ مِنْهُم الْمُجْتَهد الْمُصِيب وَهُوَ ذُو الأجرين كَمَا فِي الحَدِيث وَمِنْهُم الْمُجْتَهد المخطىء وَهُوَ ذُو الْأجر الْوَاحِد كَمَا فِي الحَدِيث أَيْضا وَكَانَ عَليّ ﵁ مصيبا فِي جَمِيع أمره من أَوله إِلَى آخِره فعلى الْعَاقِل المحتاط لدينِهِ أَن يظنّ بصحابة رَسُول الله ﷺ الظَّن الْجَمِيل وَيعْمل بوصيته فيهم إِذْ قَالَ ﵊ (الله الله فِي أَصْحَابِي لَا تتخذوهم غَرضا بعدِي فَمن أحبهم فبحبي أحبهم وَمن أبْغضهُم فببغضي أبْغضهُم) الحَدِيث وإياي وإياه أَن يجرح من زكاهم الله تَعَالَى بقوله ﴿كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس تأمرون بِالْمَعْرُوفِ وتنهون عَن الْمُنكر وتؤمنون بِاللَّه﴾ وزكاهم رَسُول الله ﷺ زمرتهم وأمتنا على سنتهمْ وطريقتهم يَا أكْرم الأكرمين وَيَا أرْحم الرَّاحِمِينَ رَبنَا اغْفِر لنا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذين سبقُونَا بِالْإِيمَان وَلَا تجْعَل فِي قُلُوبنَا غلا للَّذين آمنُوا رَبنَا إِنَّك رؤوف رَحِيم
الْفَائِدَة الثَّانِيَة أطبق السّلف على أَن تَرْتِيب الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة ﵃ فِي الْفضل على حسب ترتيبهم فِي الْخلَافَة وَذهب بعض السّلف إِلَى تَقْدِيم عَليّ على عُثْمَان وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ سُفْيَان الثَّوْريّ لَكِن قيل إِنَّه رَجَعَ عَنهُ وَقَالَت الشِّيعَة وَكثير من الْمُعْتَزلَة الْأَفْضَل بعد النَّبِي ﷺ عَليّ بن أبي طَالب وَالْحق هُوَ القَوْل الأول وَهل التَّفْضِيل بَين الْخُلَفَاء قَطْعِيّ أَو ظَنِّي فَالَّذِي مَال إِلَيْهِ الْأَشْعَرِيّ هُوَ الأول وَالَّذِي مَال إِلَيْهِ القَاضِي أَبُو بكر الباقلاني وَاخْتَارَهُ
[ ١ / ١١٤ ]
إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي الْإِرْشَاد هُوَ الثَّانِي وَعبارَته لم يقم عندنَا دَلِيل قَاطع على تَفْضِيل بعض الْأَئِمَّة على بعض إِذْ الْعقل لَا يدل على ذَلِك وَالْأَخْبَار الورادة فِي فضائلهم متعارضة وَلَكِن الْغَالِب على الظَّن أَن أَبَا بكر أفضل الْخَلَائق بعد الرَّسُول ﷺ ثمَّ عمر أفضلهم بعده وتتعارض الظنون فِي عُثْمَان وَعلي
وَهَا هُنَا انْتهى بِنَا القَوْل فِيمَا قصدناه من التَّبَرُّك بِذكر رَسُول الله ﷺ وَذكر خلفائه الْأَرْبَعَة ﵃ ولنرجع إِلَى مَا نَحن بصدده من ذكر أَخْبَار الْمغرب الْأَقْصَى مقدمين القَوْل أَولا فِي نسب البربر وَبَيَان حَالهم قبل الْإِسْلَام وَبعده على الْجُمْلَة لنتخلص بعده للمقصود وَالله تَعَالَى يعصمنا من الزلل بمنه وَكَرمه
[ ١ / ١١٥ ]