هُوَ أَبُو الْحسن عَليّ بن أبي طَالب واسْمه عبد منَاف بن عبد الْمطلب جد النَّبِي ﷺ واسْمه شيبَة وَفِيه يجْتَمع مَعَ النَّبِي ﷺ بُويِعَ بعد مقتل عُثْمَان ﵁ بِاتِّفَاق من يعْتَبر أهل الْحل وَالْعقد بعد امْتِنَاعه من ذَلِك
قَالَ ابْن خلدون لما قتل عُثْمَان اجْتمع طَلْحَة وَالزُّبَيْر والمهاجرون وَالْأَنْصَار وَأتوا عليا يبايعونه فَأبى وَقَالَ أكون وزيرا لكم خير من أَن أكون أَمِيرا وَمن اخترتم رضيته فألحوا عَلَيْهِ وَقَالُوا لَا نعلم أَحَق مِنْك وَلَا نَخْتَار غَيْرك حَتَّى غلبوه فِي ذَلِك فَخرج إِلَى الْمَسْجِد وَبَايَعُوهُ وَأول من بَايعه طَلْحَة ثمَّ الزبير بعد أَن خيرهما وَيُقَال أَنَّهُمَا ادّعَيَا الْإِكْرَاه بعد ذَلِك بأَرْبعَة أشهر وتخلف عَن بيعَة عَليّ ﵁ نَاس من الصَّحَابَة وَغَيرهم فَلم يبغضهم وَقَالَ أُولَئِكَ قوم قعدوا عَن الْحق وَلم يقومُوا مَعَ الْبَاطِل وَلما ولي الْخلَافَة ﵁ أحيى السّنة وأمات الْبِدْعَة وأوضح منار الْحق وأخمد نَار الْبَاطِل وَلم تَأْخُذهُ فِي الله لومة لائم
وَلما دخلت سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ فرق عماله على النواحي فَبعث إِلَى الْكُوفَة عمَارَة بن شهَاب وَكَانَ من الْمُهَاجِرين وَولى على الْبَصْرَة عُثْمَان بن حنيف الْأنْصَارِيّ وعَلى الْيمن عبيد الله بن عَبَّاس وَكَانَ من الأجواد وعَلى مصر قيس بن سعد بن عبَادَة الْأنْصَارِيّ وَكَانَ من أهل الْجُود والشجاعة والرأي وعَلى الشَّام سهل بن حنيف الْأنْصَارِيّ فَلَمَّا وصل سهل إِلَى تَبُوك لَقيته خيل فَقَالُوا من أَنْت قَالَ أَمِير على الشَّام فَقَالُوا إِن كَانَ بَعثك غير عُثْمَان فَارْجِع فَرجع إِلَى عَليّ وَمضى قيس بن سعد إِلَى مصر فوليها واعتزلت عَنهُ فرقة كَانُوا عثمانية وأبوا أَن يدخلُوا فِي طَاعَة عَليّ حَتَّى يقتل قتلة عُثْمَان وَمضى عُثْمَان بن حنيف إِلَى الْبَصْرَة فَدَخلَهَا واتبعته فرقة وخالفته اخرى وَمضى عمَارَة بن شهَاب إِلَى الْكُوفَة فَلَقِيَهُ طَلْحَة بن خويلد الْأَسدي الَّذِي
[ ١ / ٩٩ ]
كَانَ ادّعى النُّبُوَّة زمَان الرِّدَّة فَقَالَ لَهُ إِن أهل الْكُوفَة لَا يستبدلون بأميرهم أحدا وَكَانَ عَلَيْهَا أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ من قبل عُثْمَان رَحمَه الله تَعَالَى فَرجع عمَارَة إِلَى عَليّ وَمضى عبيد الله بن عَبَّاس إِلَى الْيمن فوليها وَكَانَ الْعَامِل بهَا من قبل عُثْمَان يعلى بن منية فَأخذ مَا كَانَ بهَا من المَال وَلحق بِمَكَّة وَمَعَهُ سِتّمائَة بعير وَصَارَ مَعَ عَائِشَة ﵂ وَذَلِكَ أَن عَائِشَة كَانَت خرجت إِلَى مَكَّة زمَان حِصَار عُثْمَان فقضت نسكها وانقلبت تُرِيدُ الْمَدِينَة فلقيها الْخَبَر بمقتل عُثْمَان فأعظمت ذَلِك ودعت إِلَى الطّلب بدمه وَلحق بهَا طَلْحَة وَالزُّبَيْر وَعبد الله بن عمر وَجَمَاعَة من بني أُميَّة وَاتفقَ رَأْيهمْ على الْمُضِيّ إِلَى الْبَصْرَة للاستيلاء عَلَيْهَا وَكَانَ عبد الله بن عمر قد قدم مَكَّة من الْمَدِينَة فَدَعوهُ إِلَى الْمسير مَعَهم فَأبى وَأعْطى يعلى بن منية عَائِشَة الْجمل الْمُسَمّى بعسكر وَكَانَ اشْتَرَاهُ بِمِائَة دِينَار فركبته وَسَارُوا فَمروا فِي طريقهم بِمَاء يُقَال لَهُ الحوأب فنبحتهم كلابه فَقَالَت عَائِشَة أَي مَاء هَذَا فَقيل مَاء الحوأب فصرخت بِأَعْلَى صَوتهَا وَقَالَت إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول وَعِنْده نساؤه لَيْت شعري أيتكن تنبحها كلاب الحوأب ثمَّ ضربت عضد الْجمل فأناخته وَقَالَت ردوني أَنا وَالله صَاحِبَة مَاء الحوأب وَقَامَت بهم يَوْمًا وَلَيْلَة إِلَى أَن قيل النَّجَاء فقد أدرككم عَليّ بن أبي طَالب وغلبوها على رأيها فارتحلوا نَحْو الْبَصْرَة فاستولوا عَلَيْهَا بعد قتال مَعَ أميرها عُثْمَان بن حنيف وَلما بلغ عليا ﵁ مسير عَائِشَة وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر إِلَى الْبَصْرَة سَار نحوهم فِي أَرْبَعَة آلَاف من أهل الْمَدِينَة فيهم أَرْبَعمِائَة مِمَّن بَايع تَحت الشَّجَرَة وَثَمَانمِائَة من الْأَنْصَار وَكَانَت رايته مَعَ ابْنه مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة وعَلى ميمنته الْحسن وعَلى ميسرته الْحُسَيْن وعَلى الْخَيل عمار بن يَاسر وعَلى الرجالة مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق وعَلى مقدمته عبد الله بن الْعَبَّاس وَكَانَ مسيره فِي ربيع الآخر سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ
وَلما وصل عَليّ إِلَى ذِي قار لقِيه أَمِير الْبَصْرَة عُثْمَان بن حنيف وَأخْبرهُ الْخَبَر فَقَالَ عَليّ إِن النَّاس وليهم قبلي رجلَانِ فعملا بِالْكتاب وَالسّنة ثمَّ
[ ١ / ١٠٠ ]
وليهم ثَالِث فَقَالُوا فِي حَقه وفعلوا ثمَّ بايعوني وبايعني طَلْحَة وَالزُّبَيْر ثمَّ نَكثا وَمن الْعجب انقيادهما لأبي بكر وَعمر وَعُثْمَان وخلافهما عَليّ وَالله إنَّهُمَا ليعلمان أَنِّي لست بِدُونِ رجل مِمَّن تقدم ثمَّ سَار عَليّ يؤم الْبَصْرَة فِيمَن مَعَه من أهل الْمَدِينَة وَأهل الْكُوفَة وانضم إِلَى عَائِشَة وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر جمع آخر والتقوا بمَكَان يُقَال لَهُ الخريبة عِنْد مَوضِع قصر عبيد الله بن زِيَاد يَوْم الْخَمِيس النّصْف من جُمَادَى الْآخِرَة من السّنة الْمَذْكُورَة وَلما ترَاءى الْجَمْعَانِ خرج طَلْحَة وَالزُّبَيْر وجاءهم عَليّ حَتَّى اخْتلفت أَعْنَاق دوابهم فَقَالَ عَليّ لقد أعددتما سِلَاحا وخيلا ورجالا إِن كنتما أعددتما عِنْد الله عذرا ألم أكن أخاكما فِي دينكما تحرمان دمي وَأحرم دمكما فَهَل من حدث أحل لَكمَا دمي قَالَ طَلْحَة ألبت على عُثْمَان قَالَ عَليّ ﴿يَوْمئِذٍ يوفيهم الله دينهم الْحق﴾ فلعن الله قتلة عُثْمَان يَا طَلْحَة أما بايعتني قَالَ وَالسيف على عنقِي ثمَّ قَالَ الزبير أَتَذكر يَوْم قَالَ لَك رَسُول الله ﷺ (لَتُقَاتِلنَّهُ وَأَنت لَهُ ظَالِم) قَالَ اللَّهُمَّ نعم وَلَو ذكرت ذَلِك قبل مسيري مَا سرت وَوَاللَّه لَا أقاتلنك أبدا وافترقوا وَكَانَ عَليّ ﵁ قد بعث إِلَيْهِم قبل اللِّقَاء الْقَعْقَاع بن عَمْرو التَّمِيمِي وَأمره أَن يُشِير بِالصُّلْحِ مَا اسْتَطَاعَ فَقدم الْقَعْقَاع على عَائِشَة أَولا وَقَالَ أَي أُمَّاهُ مَا أشخصك قَالَت أُرِيد الْإِصْلَاح بَين النَّاس قَالَ فابعثي إِلَى طَلْحَة وَالزُّبَيْر فاسمعي مني ومنهما فَبعثت إِلَيْهِمَا فجاءا فَقَالَ لَهما القعقعاع إِنِّي سَأَلت أم الْمُؤمنِينَ مَا أقدمها فَقَالَت الْإِصْلَاح فَقَالَ طَلْحَة وَالزُّبَيْر كَذَلِك هُوَ قَالَ الْقَعْقَاع فأخبراني مَا هُوَ قَالَا قتلة عُثْمَان فَإِن تَركهم ترك لِلْقُرْآنِ قَالَ فقد قتلتم مِنْهُم عددا من أهل الْبَصْرَة يَعْنِي حِين قتلوا أميرها عُثْمَان بن حنيف قَالَ وَغَضب لَهُم سِتَّة آلَاف واعتزلوكم وطلبتم حرقوص بن زُهَيْر فَمَنعه سِتَّة آلَاف فَإِن قاتلتم هَؤُلَاءِ كلهم اجْتمع ربيعَة وَمُضر على حربكم فَأَيْنَ الْإِصْلَاح قَالَت عَائِشَة فَمَاذَا تَقول أَنْت قَالَ هَذَا الْأَمر دواؤه التسكين فَإِذا سكن الْأَمر اختلجوا أَي أخذُوا على غرَّة فَقَالُوا قد أصبت وأحسنت فَارْجِع إِلَى عَليّ فَإِن كَانَ على مثل رَأْيك
[ ١ / ١٠١ ]
صلح الْأَمر فَرجع الْقَعْقَاع إِلَى عَليّ فأعجبه وأشرف الْقَوْم على الصُّلْح وَعلم بذلك جمَاعَة مِمَّن كَانَ سعى فِي قتل عُثْمَان أَو رَضِي بِهِ فَقَالُوا إِن يصطلح هَؤُلَاءِ فعلى دمائنا يصطلحون ثمَّ تعاقدوا على أَنهم إِذا الْتَقَوْا بِجَيْش عَائِشَة وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر أنشبوا الْقِتَال حَتَّى يشْتَغل النَّاس عَمَّا عزموا عَلَيْهِ من الصُّلْح فَكَانَ كَذَلِك فَإِنَّهُ لما كَانَت صَبِيحَة اللَّيْلَة الَّتِي اجْتمع فِيهَا عَليّ بطلحة وَالزُّبَيْر علس أُولَئِكَ المتعاهدون على إنشاب الْحَرْب وَمَا يشْعر بهم أحد وصمدت مِنْهُم مضرإلى مُضر وَرَبِيعَة إِلَى ربيعَة واليمن إِلَى الْيمن فوضعوا فيهم السِّلَاح على حِين غَفلَة فثار النَّاس وتسابقوا إِلَى خيولهم وزحف الْبَعْض إِلَى الْبَعْض واشتبكت الْحَرْب فَكَانَت الْوَقْعَة الْعُظْمَى الْمَعْرُوفَة بوقعة الْجمل يَوْم الْخَمِيس لعشر بَقينَ من الشَّهْر الْمَذْكُور أَعنِي جُمَادَى الْأَخِيرَة سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَقتل طَلْحَة فِي المعركة وَالزُّبَيْر وَهُوَ رَاجع إِلَى الْمَدِينَة وعقر الْجمل الَّذِي كَانَت عَلَيْهِ عَائِشَة وَأمر عَليّ ﵁ بِنَقْل هودجها إِلَى دَار عبد الله بن خلف الْخُزَاعِيّ ونادى مُنَادِي عَليّ يَوْم الْجمل وَكَذَا يَوْم صفّين الْآتِي أَن لَا تتبعوا مُدبرا وَلَا تجهزوا على جريح وَلَا تدْخلُوا الدّور ثمَّ صلى على الْقَتْلَى من الْجَانِبَيْنِ وَأمر بالأطراف فدفنت فِي قبر عَظِيم وَجمع مَا كَانَ فِي الْعَسْكَر من الأثاث وَبعث بِهِ إِلَى مَسْجِد الْبَصْرَة وَقَالَ من عرف شَيْئا فليأخذه إِلَّا سِلَاحا عَلَيْهِ ميسم السُّلْطَان وأحصى الْقَتْلَى من الْجَانِبَيْنِ فَكَانُوا عشرَة آلَاف مِنْهُم من ضبة ألف رجل وَبلغ عليا أَن بعض الغوغاء عرض لعَائِشَة ﵂ بالْقَوْل السىء فأحضر الْبَعْض مِنْهُم وأوجعهم ضربا ثمَّ جهزها إِلَى الْمَدِينَة بِمَا احْتَاجَت إِلَيْهِ وَبعث مَعهَا أخاها مُحَمَّد بن أبي بكر فِي أَرْبَعِينَ امْرَأَة من نسَاء الْبَصْرَة اختارهن لمرافقتها وَجَاء يَوْم ارتحالها فودعها واستعتب لَهَا واستعتبت لَهُ وَمَشى مَعهَا أميالا وشيعها بنوه مَسَافَة يَوْم وَذَلِكَ غرَّة رَجَب فَذَهَبت إِلَى مَكَّة وأقامت بهَا حَتَّى حجت تِلْكَ السّنة ثمَّ رجعت إِلَى الْمَدِينَة وَاسْتعْمل عَليّ ﵁ على الْبَصْرَة عبد الله بن عَبَّاس وَسَار إِلَى الْكُوفَة فَنزل بهَا وانتظم لَهُ الْأَمر بالعراق ومصر
[ ١ / ١٠٢ ]
واليمن والحرمين وَفَارِس وخراسان وَلم يبْق خَارِجا عَن طَاعَته إِلَّا أهل الشَّام وأميرهم مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان فَبعث إِلَيْهِ عَليّ ﵁ جرير بن عبد الله البَجلِيّ يَأْمُرهُ بِالدُّخُولِ فِيمَا دخل فِيهِ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَار فَلَمَّا قدم جرير على مُعَاوِيَة ماطله حَتَّى قدم عَلَيْهِ عَمْرو بن الْعَاصِ من فلسطين فَاسْتَشَارَهُ فَأَشَارَ عَلَيْهِ بترك الْبيعَة والطلب بِدَم عُثْمَان وَأَن يُقَاتل مَعَه على أَنه ظفر ولاه مصر فاجابه مُعَاوِيَة إِلَى ذَلِك وَرجع جرير إِلَى عَليّ ﵁ بالْخبر فَسَار عَليّ من الْكُوفَة قَاصِدا مُعَاوِيَة وَمن مَعَه بِالشَّام وَقدم عَلَيْهِ عبد الله بن عَبَّاس وَمن مَعَه من أهل الْبَصْرَة فَقَالَ عَليّ ﵁
(لأصبحن الْعَاصِ وَابْن الْعَاصِ سبعين ألفا عاقدي النواصي)
(مجنبين الْخَيل بالقلاص مستحقبين حلق الدلاص)
وَسَار مُعَاوِيَة وَمَعَهُ عَمْرو بن الْعَاصِ وَأهل الشَّام من دمشق يُرِيد عليا وتأنى مُعَاوِيَة فِي مسيره
[ ١ / ١٠٣ ]