ثمَّ خرج غَالب من قرطبة فِي آخر شَوَّال سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وثلاثمائة فاتصل خبر قدومه بالْحسنِ بن كنون فخاف مِنْهُ وأخلى مَدِينَة الْبَصْرَة وَحمل مِنْهَا حرمه وأمواله وذخائره إِلَى قلعة حجر النسْر الْقَرِيبَة من سبتة واتخذها معقلا يتحصن بهَا وَأَجَازَ غَالب الْبَحْر من الجزيرة الخضراء إِلَى قصر مصمودة فَلَقِيَهُ الْحسن بن كنون هُنَاكَ فِي جموع البربر وقاتله أَيَّامًا وسرب غَالب الْأَمْوَال إِلَى رُؤَسَاء البربر الَّذين مَعَ الْحسن بن كنون وَوَعدهمْ ومناهم فَانْفَضُّوا عَن الْحسن حَتَّى لم يبْق مَعَه إِلَّا خاصته وَرِجَاله فَلَمَّا رأى ذَلِك سَار إِلَى حجر النسْر فتحصن بِهِ وَاتبعهُ غَالب فحاصره بِهِ وَنزل عَلَيْهِ بِجَمِيعِ جيوشه وَقطع عَنهُ الْموَاد وأمده الحكم بعرب الدولة الَّذين بالأندلس وَرِجَال الثغور فوصل المدد إِلَى غَالب غرَّة الْمحرم سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وثلاثمائة فَاشْتَدَّ الْحصار على الْحسن بن كنون فَطلب من غَالب الْأمان على نَفسه وَأَهله وَمَاله وَرِجَاله وَينزل إِلَيْهِ فيسير مَعَه إِلَى قرطبة فَيكون بهَا فَأَجَابَهُ غَالب إِلَى ذَلِك وعاهده عَلَيْهِ فَنزل الْحسن بأَهْله وَمَاله وَرِجَاله وَأسلم الْحصن إِلَى غَالب فملكه واستنزل غَالب جَمِيع العلويين الَّذين بِأَرْض العدوة من معاقلهم وأخرجهم عَن أوطانهم وَلم يتْرك بالعدوة رَئِيسا مِنْهُم
وَسَار إِلَى مَدِينَة فاس فملكها وَاسْتعْمل عَلَيْهَا مُحَمَّد بن أبي عَليّ بن
[ ١ / ٢٥٧ ]
قشوش بعدوة الْقرَوِيين وَعبد الْكَرِيم بن ثَعْلَبَة بعدوة الأندلس فَلم تزل فاس بيد بني أُميَّة إِلَى أَن غلب عَلَيْهَا زيري بن عَطِيَّة المغراوي
وَانْصَرف غَالب إِلَى الأندلس وسَاق مَعَه الْحسن بن كنون وَجَمِيع مُلُوك الأدارسة وَقد وطأ جَمِيع بِلَاد الْمغرب وَفرق الْعمَّال فِي نواحيه وَقطع دَعْوَة بني عبيد من جَمِيع آفاقه ورد الدعْوَة إِلَى الأموية فَخرج بهم غَالب من فاس آخر رَمَضَان سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وثلاثمائة وَوصل إِلَى سبتة فَركب الْبَحْر مِنْهَا وَاسْتقر بالخضراء
وَكتب إِلَى مَوْلَاهُ الحكم الْمُسْتَنْصر بِاللَّه يُعلمهُ بقدومه وبمن قدم مَعَه من العلويين فَلَمَّا وصل كِتَابه إِلَى الحكم أَمر النَّاس بِالْخرُوجِ إِلَى لقائهم وَركب هُوَ فِي جمع عَظِيم من وُجُوه دولته فَتَلقاهُمْ فَكَانَ يَوْم دُخُولهمْ قرطبة يَوْمًا مشهودا وَذَلِكَ أول يَوْم من الْمحرم سنة أَربع وَسِتِّينَ وثلاثمائة وَسلم الْحسن بن كنون على الحكم فَأقبل عَلَيْهِ وَعَفا عَنهُ ووفى لَهُ بعهده وأوسع لَهُ ولرجاله فِي الْعَطاء وأجرى عَلَيْهِم الجرايات الْكَثِيرَة وخلع عَلَيْهِم الْخلْع الرفيعة وَأثبت جَمِيع أَهله وَرِجَاله فِي ديوَان الْعَطاء وَكَانُوا سَبْعمِائة رجل أنجاد يعدون بسبعة آلَاف واسكنه قرطبة وَأقَام الْحسن وعشيرته فِي كنف الحكم فِي أَمن وغبطة إِلَى أَن كَانَ مَا نذكرهُ