لما استقام أَمر الْمغرب لإدريس بن إِدْرِيس وتوطد ملكه وَعظم سُلْطَانه وَكَثُرت جيوشه وَأَتْبَاعه وفدت عَلَيْهِ الْوُفُود من الْبلدَانِ وَقصد النَّاس حَضرته من كل صقع وَمَكَان فاستمر بَقِيَّة سنة ثَمَان وثنانين يصل الْوُفُود ويبذل الْأَمْوَال ويستميل الرؤساء والأقيال
وَلما دخلت سنة تسع وَثَمَانِينَ وَمِائَة وفدت عَلَيْهِ وفدت عَلَيْهِ وُفُود الْعَرَب من إفريقية والأندلس نازعين إِلَيْهِ وملتفين عَلَيْهِ فَاجْتمع لَدَيْهِ مِنْهُم نَحْو خَمْسمِائَة فَارس من قيس والأزد ومذحج ويحصب والصدف وَغَيرهم فسر إِدْرِيس بوفادتهم وأجزل صلتهم وَأدنى مَنْزِلَتهمْ وجعلهم بطانة دون البربر فاعتز بهم وَأنس بقربهم فَإِنَّهُ كَانَ غَرِيبا بَين البربر فاستوزر مِنْهُم عُمَيْر بن مُصعب الْأَزْدِيّ الْمَعْرُوف بالملجوم من ضَرْبَة ضربهَا فِي بعض حربهم وسمته على الخرطوم
وَكَانَ عُمَيْر من فرسَان الْعَرَب وسادتها ولأبيه مُصعب مآثر بإفريقية والأندلس ومواقف فِي غَزْو الفرنج واستقضى مِنْهُم عَامر بن مُحَمَّد بن سعيد القيشي وَكَانَ من أهل الْوَرع وَالْفِقْه وَالدّين سمع من مَالك بن أنس وسُفْيَان الثَّوْريّ وروى عَنْهُمَا كثيرا وَكَانَ قد خرج إِلَى الأندلس برسم الْجِهَاد ثمَّ أجَاز إِلَى العدوة فوفد بهَا على إِدْرِيس فِيمَن وَفد عَلَيْهِ من الْعَرَب فاستقضاه واستكتب مِنْهُم أَبَا الْحسن عبد الله بن مَالك الخزرجي
وَلم تزل الْوُفُود تقدم عَلَيْهِ من الْعَرَب والبربر حَتَّى كثر النَّاس لَدَيْهِ وَضَاقَتْ بهم مَدِينَة وليلى
[ ١ / ٢١٩ ]
وانْتهى إِلَى ابْن الْأَغْلَب مَا عَلَيْهِ إِدْرِيس من الإستفحال فأرهف عزمه للتضريب بَين البربر واستفسادهم على إِدْرِيس فَكَانَ مِنْهُم بهْلُول بن عبد الْوَاحِد المضغري من خَاصَّة إِدْرِيس وَمن أَرْكَان دولته فكاتبه ابْن الْأَغْلَب واستهواه بِالْمَالِ حَتَّى بَايع الرشيد وانحرف عَن إِدْرِيس واعتزله فِي قومه فَصَالحه إِدْرِيس وَكتب إِلَيْهِ يستعطفه بقرابته من رَسُول الله ﷺ فَكف عَنهُ وَكَانَ فِيمَا كتب بِهِ إِدْرِيس إِلَى بهْلُول الْمَذْكُور قَوْله
(أبهلول قد حملت نَفسك خطة تبدلت مِنْهَا ضلة برشاد)
(أضلك إِبْرَاهِيم مَعَ بعد دَاره فَأَصْبَحت منقادا بِغَيْر قياد)
(كَأَنَّك لم تسمع بمكر ابْن أغلب وقدما رمى بالكيد كل بِلَاد)
(وَمن دون مَا منتك نَفسك خَالِيا ومناك إِبْرَاهِيم شوك قتاد)
ثمَّ أحس إِدْرِيس من إِسْحَاق بن مُحَمَّد الأوربي بانحراف عَنهُ وموالاة لِابْنِ الْأَغْلَب فَقتله سنة ثِنْتَيْنِ وَتِسْعين وَمِائَة وَصفا لَهُ الْمغرب وَتمكن سُلْطَانه بِهِ وَالله غَالب على أمره