وَلما بلغ الرشيد وَفَاة يزِيد بن حَاتِم وَكَانَ أَخُوهُ روح واليا على فلسطين وَكَانَ أسن من يزِيد استقدمه وَعَزاهُ فِي أَخِيه وولاه على الْمغرب فَقدم القيروان منتصف سنة إِحْدَى وَسبعين وَمِائَة وَكَانَ يزِيد قبْلَة قد أذلّ الْخَوَارِج ومهد الْبِلَاد كَمَا قُلْنَا فَكَانَت أَرض الْمغرب سَاكِنة ايام روح وَرغب فِي موادعته عبد الْوَهَّاب بن عبد الرَّحْمَن بن رستم صَاحب تاهرت فوادعه
قَالَ ابْن خلدون وَفِي أَيَّام روح انخضذت شَوْكَة البربر واستكانوا للغلب وطاعوا للدّين فَضرب الْإِسْلَام بجرانه وَأَلْقَتْ الدولة المضرية على البربر بكلكلها اه كَلَام ابْن خلدون
وَفِي أَيَّام روح أَيْضا اجتاز الإِمَام إِدْرِيس بن عبد الله بِبِلَاد مصر وإفريقية ناجيا من وقْعَة فخ الَّتِي كَانَت بِمَكَّة لآل الْعَبَّاس على آل عَليّ بن أبي طَالب ﵃ وَدخل مَدِينَة وليلى من الْمغرب الْأَقْصَى سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَمِائَة كَمَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله
قَالَ ابْن خلكان كَانَ روح بن حَاتِم من الكرماء الأجواد ولي لخمسة من الْخُلَفَاء السفاح والمنصور وَالْمهْدِي وَالْهَادِي والرشيد وَيُقَال إِنَّه لم يتَّفق مثل هَذَا إِلَّا لأبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ ﵁ فَإِنَّهُ ولي لرَسُول الله ﷺ وللخلفاء الْأَرْبَعَة ﵃ قَالَ وَكَانَ روح واليا على السَّنَد ولاه عَلَيْهَا الْمهْدي بن الْمَنْصُور فَلَمَّا مَاتَ أَخُوهُ يزِيد بالقيروان وَدفن بِبَاب سلم قَالَ أهل إفريقية مَا أبعد مَا يكون بَين قَبْرِي هذَيْن الْأَخَوَيْنِ فَإِن أَخَاهُ بالسند وَهَذَا
[ ١ / ١٩٠ ]
هُنَا فاتفق أَن الرشيد عزل روحا عَن السَّنَد وسيره إِلَى مَوضِع أَخِيه يزِيد فَدخل إفريقية أول رَجَب سنة إِحْدَى وَسبعين وَمِائَة وَلم يزل واليا بهَا إِلَى أَن توفّي بهَا لإحدى عشرَة لَيْلَة بقيت من رَمَضَان سنة أَربع وَسبعين وَمِائَة وَدفن مَعَ أَخِيه يزِيد فِي قبر وَاحِد فَعجب النَّاس من هَذَا الِاتِّفَاق بعد ذَلِك التباعد رحمهمَا الله
ثمَّ ولي الْمغرب من قبل الرشيد حبيب بن نصر المهلبي ثمَّ عَزله سنة سبع وَسبعين وَمِائَة
وَولي على الْمغرب الْفضل روح بن حَاتِم وَقَتله عبد الله بن الْجَارُود منتصف سنة ثَمَان وَسبعين وَمِائَة وانقرضت بانقراضه دولة آل الْمُهلب من الْمغرب
ثمَّ ولى الرشيد على الْمغرب هرثمة بن أعين فَبنى الْقصر الْكَبِير بالمنستير وَبنى السُّور على طرابلس من جِهَة الْبَحْر وَلما رأى هرثمة مَا بالمغرب من كَثْرَة الثوار وَالْخلاف استعفى الرشيد من ولايتها فأعفاه لِسنتَيْنِ وَنصف من ولَايَته
ثمَّ ولى الرشيد على إفريقية مُحَمَّد بن مقَاتل العكي وَكَانَ رضيعا لَهُ فاضطربت عَلَيْهِ إفريقية وَبلغ الرشيد ذَلِك
وَطلب أهل إفريقية من إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب وَكَانَ من عُمَّال مُحَمَّد بن مقَاتل أَن يكْتب إِلَى الرشيد فِي الْولَايَة عَلَيْهِم فَكتب إِلَى الرشيد فِي ذَلِك على أَن يتْرك الْمِائَة ألف دِينَار الَّتِي كَانَت تحمل من مصر إِلَى إفريقية إِعَانَة
[ ١ / ١٩١ ]
للولاة بهَا وعَلى أَن يحمل هُوَ من إفريقية إِلَى الْخَلِيفَة أَرْبَعِينَ ألفا وَبلغ الرشيد غناؤه وكفايته فَاسْتَشَارَ فِيهِ أَصْحَابه فَأَشَارَ هرثمة بن أعين بولايته فَكتب لَهُ بالعهد على إفريقية منتصف أَربع وَثَمَانِينَ وَمِائَة فَقَامَ إِبْرَاهِيم بِالْأَمر وَضبط الْبِلَاد فسكنت واستراحت من الْفِتَن وابتنى مَدِينَة العباسية قرب القيروان وانتقل إِلَيْهَا بجملته وأورث بإفريقية ملكا لِبَنِيهِ من بعده
وَفِي هَذِه الْمدَّة انقسم الْمغرب إِلَى ثَلَاث ممالك فَكَانَ بَنو الْأَغْلَب بإفريقية والقيروان وَبَنُو خزر المغراويون بالمغرب الْأَوْسَط وتلمسان وَبَنُو إِدْرِيس بالمغرب الْأَقْصَى
وَقبل أَن نفرد الْكَلَام عَلَيْهِ نذْكر فصلا نشِير فِيهِ إِلَى مَذَاهِب أهل الْمغرب ونحلهم على الْجُمْلَة وَالله الْمُوفق