لما كَانَت خلَافَة أَمِير الْمُؤمنِينَ عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ عزل عَمْرو بن الْعَاصِ عَن مصر وَولى عَلَيْهَا عبد الله بن سعد بن أبي سرح العامري أَخَاهُ من الرضَاعَة وَأمره بغزو إفريقية سنة خمس وَعشْرين من الْهِجْرَة وَقَالَ لَهُ إِن فتح الله عَلَيْك فلك خمس الْخمس من الْغَنَائِم ثمَّ عقد عُثْمَان لعبد الله بن نَافِع بن عبد قيس على جند وَعبد الله بن نَافِع بن الْحَارِث على آخر وسرحهما فَخَرجُوا إِلَى إفريقية فِي عشرَة آلَاف وصالحهم أَهلهَا على مَال يؤدونه وَلم يقدروا على التوغل فِيهَا لِكَثْرَة أَهلهَا ثمَّ إِن عبد الله بن أبي سرح اسْتَأْذن عُثْمَان فِي ذَلِك واستمده فَاسْتَشَارَ عُثْمَان الصَّحَابَة فأشاروا بِهِ فَجهز العساكر من الْمَدِينَة وَفِيهِمْ جمَاعَة من الصَّحَابَة مِنْهُم ابْن عَبَّاس وَابْن عَمْرو بن الْعَاصِ وَابْن جَعْفَر وَالْحسن وَالْحُسَيْن وَابْن الزبير وَقيل لحقهم مدَدا وَسَارُوا مَعَ عبد الله بن سعد سنة سِتّ وَعشْرين ولقيهم عقبَة بن نَافِع فِيمَن مَعَه من الْمُسلمين ببرقة ثمَّ سَارُوا إِلَى طرابلس فنهبوا الرّوم عِنْدهَا ثمَّ تجاوزوها إِلَى إفريقية وبثوا السَّرَايَا فِي كل نَاحيَة وَكَانَ ملكهم جرجير الفرنجي يملك مَا بَين طرابلس وطنجة تَحت ولَايَة هِرقل وَيحمل إِلَيْهِ الْخراج فَلَمَّا بلغه الْخَبَر جمع مائَة وَعشْرين ألفا من العساكر ولقيهم على يَوْم وَلَيْلَة من سبيطلة دَار ملكهم وَأَقَامُوا يقتتلون وَدعوهُ إِلَى الْإِسْلَام أَو الْجِزْيَة فاستكبر ولحقهم عبد الله بن الزبير مدَدا بَعثه عُثْمَان ﵁ لما أَبْطَأت عَلَيْهِ أخبارهم وَسمع جرجير بوصول المدد ففت ذَلِك فِي عضده وَشهد ابْن الزبير مَعَهم الْقِتَال وَقد غَابَ ابْن أبي سرح فَسَأَلَ عَنهُ فَقيل لَهُ إِنَّه سمع مُنَادِي جرجير يَقُول من قتل ابْن أبي سرح فَلهُ مائَة ألف دِينَار وأزوجه ابْنَتي فخاف وَتَأَخر عَن شُهُود الْقِتَال فَقَالَ لَهُ ابْن الزبير تنادي أَنْت بِأَن من قتل جرجير نفلته مائَة ألف وَزَوجته ابْنَته واستعملته على
[ ١ / ١٣١ ]
بِلَاده فخاف جرجير أَشد مِنْهُ ثمَّ أَشَارَ ابْن الزبير على ابْن أبي سرح أَن يتْرك جمَاعَة من أبطال الْمُسلمين الْمَشَاهِير متأهبين للحرب وَيُقَاتل الرّوم بباقي الْعَسْكَر إِلَى أَن يضجروا فيركبهم بالآخرين على غرَّة قَالَ لَعَلَّ الله ينصرنا عَلَيْهِم وَوَافَقَ على ذَلِك أَعْيَان الصَّحَابَة فَفَعَلُوا وركبوا من الْغَد إِلَى الزَّوَال وألحوا عَلَيْهِم حَتَّى أتعبوهم ثمَّ افْتَرَقُوا وأركب عبد الله الْفَرِيق الَّذين كَانُوا مستريحين فكبروا وحملوا حَملَة رجل وَاحِد حَتَّى غشوا الرّوم فِي خيامهم فَانْهَزَمُوا وَقتل كثير مِنْهُم وَقتل ابْن الزبير جرجير وحيزت ابْنَته سبية فنفلها ابْن أبي سرح ابْن الزبير ثمَّ حاصر ابْن أبي سرح سبيطلة فَفَتحهَا وخربها وَكَانَ سهم الْفَارِس فِيهَا ثَلَاثَة آلَاف دِينَار وَسَهْم الراجل ألفا وَبث جيوشه فِي الْبِلَاد إِلَى قفصة فَسبوا وغنموا وَبعث عسكرا إِلَى حصن الأجم وَقد اجْتمع بِهِ أهل الْبِلَاد فحاصره وفتحه على الْأمان ثمَّ صَالحه أهل إفريقية على ألفي ألف وَخَمْسمِائة ألف دِينَار
وَأرْسل ابْن الزبير بِخَبَر الْفَتْح وبالخمس إِلَى الْمَدِينَة فَاشْتَرَاهُ مَرْوَان بن الحكم بِخَمْسِمِائَة ألف دِينَار وَبَعض النَّاس يَقُول أعطَاهُ إِيَّاه عُثْمَان ﵁ وَلَا يَصح وَإِنَّمَا أعْطى ابْن أبي سرح خمس الْخمس من الْغَزْوَة الأولى وانحاز الفرنجة وَمن مَعَهم من الرّوم بعد الْهَزِيمَة وَالْفَتْح إِلَى حصون إفريقية وانساح الْمُسلمُونَ فِي البسائط بالغارات وَوَقع بَينهم وَبَين أهل الضواحي من البربر زحوف وَقتل وَسبي حَتَّى لقد أَسرُّوا يَوْمئِذٍ من مُلُوك البربر صولات بن وزمار الزناتي ثمَّ المغراوي جد بني خزر مُلُوك تلمسان فَرَفَعُوهُ إِلَى عُثْمَان ﵁ فَأسلم على يَده فَمن عَلَيْهِ وَأطْلقهُ وعهد لَهُ على قومه وَيُقَال إِنَّمَا وَصله وافدا فَأكْرم وفادته وَالله أعلم
ثمَّ رغب الفرنج والبربر فِي السّلم وسألوا الصُّلْح وشرطوا لِابْنِ أبي سرح ثَلَاثمِائَة قِنْطَار من الذَّهَب على أَن يرحل عَنْهُم بالعرب وَيخرج من بِلَادهمْ فَفعل وَرجع الْمُسلمُونَ إِلَى الْمشرق بعد مقامهم بإفريقية سنة وَثَلَاثَة أشهر وَلما بلغ هِرقل ملك الرّوم أَن أهل إفريقية صَالحُوا الْمُسلمين بذلك المَال
[ ١ / ١٣٢ ]
الَّذِي أَعْطوهُ غضب عَلَيْهِم وَبعث بطريقا يَأْخُذ مِنْهُم مثل ذَلِك فَنزل قرطاجنة وَأخْبرهمْ بِمَا جَاءَ لَهُ فَأَبَوا وَقَالُوا قد كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَن يسعدنا فِيمَا نزل بِنَا فَقَاتلهُمْ البطريق وَهَزَمَهُمْ وطرد الْملك الَّذِي ولوه عَلَيْهِم بعد جرجير فلحق بِالشَّام وَقد اجْتمع النَّاس على مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان ﵁ فاستجاشه على إفريقية فَبعث مَعَه مُعَاوِيَة بن حديج السكونِي على مَا نذكرهُ