تقدم إلى الملك العادل ﵀، بالتجهيز للمسير إلى الملك العادل نور الدين ﵀، وقال " تأخذ معك مالًا وتمضي إليه لينازل طبرية، ويشغل الفرنج عنا لنخرج من ها هنا نخرب غزة ". وكان الإفرنج خذلهم الله قد شرعوا في عمارة غزة ليحاصروا عسقلان قلت " يا مولاي، فإن اعتذر أو كان له من الأشغال ما يعوقه أي شيء تأمرني "؟ قال " إن نزل على طبرية، فأعطه المال الذي معك وإن كان له مانع، فديون من قدرت عليه من الجند وأطلع إلى عسقلان أقم بها في قتال الإفرنج، واكتب إلي بوصلك لآمرك بما تعمل ".
ودفع إلي ستة آلاف دينار مصرية، وحمل جمل ثياب
[ ١٠ ]
دبيقي وسقلاطون ومسنجب دمياطي وعمائم. ورتب معي قوما من العرب أدلاء وسرت وقد أزاح علة سفري بكل ما أحتاجه من كثير وقليل.
فلما دنونا من الجفر لي الادلاء " هذا مكان لا يكاد يخلو من الإفرنج ". فأمرت اثنين من الأدلاء ركبا مهرين وسارا قدامنا إلى الجفر. فما لبثا أن عادا والمهاري تطير بهما، وقالا " الفرنج على الجفر "! فوقفت وجمعت الجمال التي عليها ثقلي ورفاقا من السفارة كانوا معي وردتهم إلى الغرب. وندبت ستة فوارس من مماليكي وقلت " تقدمونا، وأنا في إثركم " فساروا يركضون وأنا أسير خلفهم، فعاد إلي واحد منهم وقال " ماعلى الجفر أحد، ولعلهم أبصروا عربانًا ". وتنازع هو الأدلاء، فنفذت من رد الجمال وسرت. فلما وصلت الجفر، وفيه مياه وعشب وشجر، فقام من ذلك العشب رجل علية ثوب أسود فأخذناه، وتفرق أصحابي فأخذوا رجلًا آخر وامرأتين وصبيانًا فجاءت امرأة منهن مسكت ثوبي وقالت " يا شيخي أنا في حسبك ". قلت " قلت " أنت آمنة مالك "؟
قالت قد أخذ أصحابك لي ثوبًا وناهقًا ونابحًا وخرزه قلت لغلماني من أخذ شيئًا يرده
[ ١١ ]
فأحضر غلاما قطعه كساء لعلها طول ذراعين. قالت هذا الثوب. وأحضر آخر قطعه سند روس. قالت هذه الخرزة قلت فالحمار والكلب قالوا الحمار قد ربطوا يديه ورجليه، وهو مرمي في العشب، والكلب مفلوت يعدو من مكان إلى مكان فجمعتهم ورأيت بهم من الضر أمرًا عظيمًاقد يبست جلودهم على عظامهم قلت أيش أنتم؟ قالوا نحن من بني أُبي وبنو أبي فرقة من العرب من طيء لا يأكلون إلى الميتة ويقولون نحن خير العرب، ما فينا مجذوم ولا أبرص ولا زمن ولاأعمى. وإذا نزل بهم الضيف ذبحوا له وأطعموه من غير طعامهم. قلت ما جاء بكم إلى ها هنا؟ قالوا لنا بجسمى كثول ذرة مطمورة جئنا نأخذها. قلت وكم لكم علينا. من عيد رمضان لنا ها هنا، ما رأينا الزاد بأعيننا. قلت فمن أين تعيشون قالوا من الرمة يعنون العظام الباليه الملقاة ندقها ونعمل عليها الماء وورق القطف شجر بتلك الأرض ونتقوت به قلتفكلابكم وحمركم؟ قالوا الكلاب نطعمهم من عيشنا، والحمر تأكل الحشيش. قلت فلم لا دخلتم إلى دمشق؟ قالوا خفنا الوباء ولا وباء أعظم مما كانوا فيه! وكان ذلك بعد عيد الأضحى. فوقفت حتى جاء الجمال، وأعطيتهم من الزاد الذي كان معنا. وقطعت فوطة كانت على رأسي أعطيتها للمرأتين، فكادت عقولهم تزول من فرحهم بالزاد وقلت لا تقيموا ها هنا يسبوكم الإفرنج
[ ١٢ ]