فكان وصولي إلى مصر يوم الخميس الثاني من جمادى الآخر سنة تسع وثلاثين وخمس مائة. فأقرني الحافظ لدين الله ساعة وصولي، فخلع علي بين يديه، ودفع لي تخت ثياب ومائه دينار وخولني دخول الحمام، وأنزلني في دار من دور الأفضل بن أمير الجيوش في غاية الحسن وفيها بسطها وفراشها ومرتبة كبيرة آلتها من النحاس، كل ذلك لا يستعاد منه شيء، وأقمت بها مدة إقامة في إكرام واحترام وإنعام متواصل وإقطاع زاج. فوقع بين السودان، وهم في خلق عظيم، شر وخلف بين الريحانية، وهم عبيد الحافظ، وبين الجيوشية والإسكندرية والفرحية، فكان الريحانية في جانب، وهؤلاء كلهم في جانب متفقين على الريحانية وانضاف إلى الجيوشية قوم من صبيان الخاص. فاجتمع من الفريقين خلق عظيم، وغاب عنهم الحافظ، وترددت إليهم رسله، وحرص
[ ٦ ]
على إن يصلح بينهم. فما أجابوا إلى ذلك، وهم معه في جانب البلد، فأصبحوا التقوا في القاهرة فاستظهرت الجيوشية أصحابها على الريحانية فقتلت منهم في سويقة وأمير الجيوش ألف رجل حتى سدوا السويقة ونحن نبيت ونصبح بالسلاح خوفًا من ميلهم علينا، فقد كانوا فعلوا ذلك قبل طلوعي إلى مصر.
وظن الناس لما قتل الريحانية أن الحافظ ينكر ذلك ويوقع بقاتليهم، وكان مريضًا على شفى، فمات ﵀ بعد يومين، وما انتطح فيها عنزان.