ونزل علينا عسكر إنطاكية في بعض الأيام منزلًا كان ينزله كلما نزل علينا. ونحن ركاب مقابلهم وبيننا النهر، فلم يقصدنا منهم أحد، وضربوا خيامهم ونزلوا فيها ورجعنا نحن نزلنا في دورنا ونحن نراهم من الحصن، فخرج من جندنا نحو من عشرين فارسًا إلى بندرقنين، قريه بالقرب من البلد يرعون خيلهم، وقد تركوا رماحهم في دورهم، فخرج من الإفرنج فارسًا سار إلى القريب من أولئك الجند الذين يرعون خيلهم فصادفا رجل على الطريق يسوق بهمة فأخذوه وبهيمته ونحن نراهم من الحصن، وركب أولئك
[ ٦٣ ]
الجند ووقفوا ما معهم رماح. فقال عميابصروا الساعة ما يعمل، فلما دنا من الفارسين وهو يركض كفء رأس فرسه وسار خلفهم سترة فلما رأى عمي توقفه عنهما، وهو على روشن في الحصن يراه، دخل من الروشن مغضبًا وقالهذا خذلان! وكان توقف جمعة من جورة كانت في يدي الفارسين لا يكون لهم فيها كمين، ولما وصل إلى تلك الجوره وما فيها أحد أغار على الفارسين، خلص الرجل وبهيمته وطردهما إلى الخيام. وكان ابن ميمون صاحب إنطاكية يرى ما جرى، فلما وصل الفارسان أنفذ أخذ ترسيهما جعلهما معالف لدواب ورما خيمتهما وطردهما وقالفارس واحد من المسلمين يطرد فارسين من الإفرنج! ما انتم رجال أنتم نساء. وأما جمعة فوبخه وحرد عليه لوقوفه عنهما أول ما وصلهما، فقال يا مولاي خفت لا يكون لهم في الجورة رابيه القرامطة كمين يخرج علي، فلما كشفتها وما رأيت فيها أحدًا استخلصت الرجل والبهيمة وطردتهما حتى دخلا عسكرهما. فلا والله ما قبل عذره ولا رضي عنه.