وكانا رحمهما الله من أشجع قومهما، ولقد شهدتهما يوما وقد خرجا إلى الصيد بالبزاة نحو تل ملح وهناك طير ماء كثير، فما شعرنا إلا وعسكر طرابلس قد أغار على البلد ووقفوا عليه، فرجعنا وكان الوالد من أثر المرض، فأما عمي فخف بمن معه من العسكر وسار حتى عبر المخاض إلى الإفرنج وهم يرونه، وأما الوالد فسار والحصان يخب به وأنا معه صبي وفي يده سفرجله يمتص منها، فلما دنونا من الإفرنج قال لي أمض أنت أدخل من السكر وعبر هو من ناحية الإفرنج.
[ ٥٥ ]
ومره أخرى شاهدته وقد أغارت علينا خيل محمود بن قراجا، ونحن على فسحه من البلد، وخيل محمود أقرب إليه منها، وأنا قد حضرت القتال ومارست الحرب، فلبست كزاغندي وركبت حصاني وأخذت رمحي، وهو ﵀ على بغله. فقلت يا مولاي ما تركب حصانك! قال بلى وسار كما هو غير منزعج ولا مستعجل، وأنا لخوفي عليه ألح عليه في ركوبه حصانه إلى أن وصلنا إلى البلدة وهو على بغلته، فلما عاد أولئك وأمنا قلت يا مولاي ترى العدو قد حال بيننا وبين البلد وأنت لا تركب بعض جنائبك وأنا أخاطبك فلا تسمع! قال يا ولدي، في طالعي أنني لا ارتاع. وكان ﵀ له اليد الطولى في النجوم مع ورعه ودينه وصومه الدهر وتلاوة القرآن، وكان يحرضني على معرفة علم النجوم فآبى وأمتنع، فيقول فاعرف أسماء النجوم ما يطلع منها ويغرب. وكان يريني النجوم ويعرفني أسماءها.