اعلم أن الناس مختلفون في هذا الفصل بحسب اختلافهم في إحداثه وابتدائه فمن أنكر له ابتداء أنكر أن يكون له انتهاء وعلة جواز الابتداء حدوث الابتداء وقد دللنا على وجوب الابتداء للحوادث فليس بواجب وجود انتهاء لها لكن جائز عليه ذلك ثم واجب بورود الخبر الصادق فيه مع أن جميع ما دل على حدث العالم دال على تناهي ذاته ومساحته لأن دليل حدثه [٦١] قد دل على إنقطاع ما حدث منه إلى هذا الوقت وما انقطع حدوثه فهو متناهي الأجزاء لأنه لو أضيف إليه حادث كبعضه لكان زائدًا مقدار أجزائه ولكان بوجود ذلك الزائد أكثر مما كان قبل حدوثه ولو كان العالم غير متناهي الذات لكان السائر منا من وسط الأرض لو سار تلقاء
[ ٢ / ١٣٣ ]
وجهه ألف فرسخ لم يكن ما خلف وراءه من العالم أكثر مساحة مما بين يديه منه ولو كان ذلك كذلك لكان لو أحدث الله تعالى أجسامًا بمقدار ألف فرسخ لم يكن العالم بعد زيادة ذلك أكثر مساحة منه قبل تلك الزيادة ولو كان هذا جائزًا لجاز مثله في عدد الناس والدواب والشجر حتى لو خلق الله في هذا الوقت مائة ألف إنسان ودابة وشجرة لم يزد بذلك في الناس أحد ولا في الدوابّ دابّة ولا في الشجر شجرة ولكان من نظر إلى جبال يابسة وصحارى [١] ملس لا نبات فيها ولا شجر ثم نظر أيام ربيع في عشبها ولمع زهرها لجاز له أن يحكم بأنه ما زاد في هذه الجبال والصحارى شيء البتة وكذلك لو نظر إلى نخلة تولدت من نواة وإنسان تولد من نطفة بأنه لم يزد في النواة والنطفة شيء وهذا ظاهر الإحالة والفساد فدل وجود الزيادة على وجود النقصان ووجود الابتداء على وجود الانتهاء وانقطاع حادث بعد حادث على انقطاع الحوادث ومن زعم أن البارئ علة للعالم والعالم معلول لا يجوز وجود العلّة بلا معلول ولولا البارئ جل وعز لم يكن العالم موجودًا وليس لولا العالم لم
_________________
(١) . صحار Ms.
[ ٢ / ١٣٤ ]
يكن البارئ موجودًا عورض ما الفصل بينك وبين من زعم أن العالم هو العلة والبارئ هو المعلول ولولا العالم لم يكن البارئ موجودًا وليس لولا البارئ لم يكن العالم موجودًا ليعلم أن اعتلالهم عند أهل النظر مبهرج ساقط والقول في حدوث آخر العالم وأن البارئ له علة متناقض لأن العلة لا تفارق المعلول وكأن قال قديم وقديم أحدهما محدث وأدنى ما يلزمه القول بحدوث العلّة كما قال بحدوث المعلول وإن زعم أنّه لا يعقل حدوث شيء لا من شيء وإنما هو لكون الخاتم من الفضّة والسرير من الخشبة وما أشبه ذلك والحادث هيئة وصنعة لم يحدث من نفس الفضة ولا من نفس الخشبة لأن [١] نفس الفضة والخشبة قد كانت موجودة والهيئة معدومة وإنما حدثت من فاعلها الحقيقة على معنى أنه اخترعها وأوجدها بعد أن لم يكن من شيء فإذا جاز حدوث عرض لا من شيء فلم لا جاز حدوث جسم لا من شيء مع أن كثيرًا من الناس يقولون ليس الجسم غير أعراض مجتمعة وإنما النكتة في نفس ظهور الشيء أحادث أم غير حادث فإن كان غير حادث فظهوره محال لأنّ
_________________
(١) . لا Ms.
[ ٢ / ١٣٥ ]
الظهور حادث وإن كان حادثًا فقد تبينت المراد وبعد فلم يوجد جسم إلا من جسم ولا عرض إلا من عرض لوجب أن لا يوجد جسم ولا عرض البتة ولوجب أن لا يوجد في الرطب لون ولا طعم يخالف البسرة ولا في البسرة ما يخالف الطلع ولا في الطلع ما يخالف النخلة ولا في النخلة ما يخالف النواة ووجود خلاف ما ذكرنا دليل على حدوث تلك الألوان والطعوم وسائر الزيادات التي ليست من النواة وأنها ليست من نفس تلك النواة [٦١] وإن أنكروا الأعراض لزمهم أن ينكروا الصيف والشتاء والليل والنهار وأن يكون الليل سرمدًا والنهار سرمدًا والشتاء دائمًا والصيف كذلك فإن زعموا أن هذا لا يلزمهم لأن النهار ظهور الشمس والليل غيبوبتها والشتاء نزول الشمس بعض البروج والصيف كذلك قيل إذا كنتم لا ترجعون في ظهور الشمس وغيبوبتها وقربها وبعدها فيلزمكم أن يكون من أمر إنسانًا أو أراده منه فقد أمره بنفسه أو بنفس جسم من الأجسام وكذلك إذا حمده على شيء أو ذمه أن يكون ذلك نفسه من غير سبب أوجب فيجب أن لا يزال حامدا دائما أو يكون حمده وذمه لجسم من الأجسام وهذا كله دليل على
[ ٢ / ١٣٦ ]
حدوث الأعراض وأنها غير الأجسام وإن الأجسام لا تعرى منها وكل حادث فله ابتداء وانتهاء لا محالة وهذه المسألة قد مرت في صدر الكتاب على الإتقان والإحكام وأمّا قولهم بجوهر قديم لم يزل عاريًا من الأعراض التي هي الصور والهيئات والحركة والسكون وغير ذلك فإنّه كلام فاسد لأنه لو جاز ذلك على الأجسام فيما مضى لجاز أن يعرى منها فيما يستقبل وأن يكون بحضرتنا أجسام غير ذات طول ولا عرض ولا عمق ولا تأليف ولا تركيب ولا لون ولا رائحة ولا طعم ولا حركة ولا سكون حتى تكون مبنية موجودة [١] قائمة بلا عرض ولو جاز ذلك لجاز أن يوجد إنسان منا مخلي السرب غير ممنوع أن يخلو من الحركة والسكون والقيام والقعود والمشي والفعل والإرادات والألوان والحياة والموت وغير ذلك فهذا ظاهر الفساد فإن زعم أن ذلك كله كامن فيه بالقوة قيل وظهور هذا الكامن أزلي منه فإن زعم أنه فيه لزمه أن يكون هذه الكوامن فيه ظاهرة لم تزل وإن زعم أن ظهور الكوامن بالقوة فيه كما أن هذه الأشياء التي عددنا بالقوة
_________________
(١) . موجودا Ms.
[ ٢ / ١٣٧ ]
فيه سئل عن هذه القوة ما هي وكيف هي وأين هي ومم هي أفيه هذه القوة أم لا فإن زعم أنها فيه لزمه أن يكون العوارض التي عددناها كلها ظاهرة لم يزل لأن القوة والظهور علة لها وهي كالمعلول والعلة معها والعيان إلا ما ترى في النطفة والبيضة والنواة إذ تراها تحدث الشيء بعد الشيء وإن زعم أنها ليست فيه وإنما حدثت بعده وأحدثها محدث فقد أقر بالحدث وأن الجواهر لا تخلو من الحوادث ومن أقر بالحدث فقد أقر بالمحدث والسلام وإن زعم أن العالم حكمة بارئ وجوده وفضله وغير جائز أن يوصف بحل [١] حكمته وإبطال جوده [٢] وفضله لزمه لا يجوز على البارئ إحداث ضد لشيء من موت بعد حياة وسقم بعد صحة وليل بعد نهار وضعف بعد قوة وقبح بعد حسن لأن في هذا كله إبطال الحكمة في قولهم فإن قال ليس يكون شيء من ذلك حكمة إلا وقت وجوده دون وجود ضده قيل فكذلك يجب أن ينكروا أن يكون العالم على ما هو عليه لأنّ حكمه في وقت
_________________
(١) . [؟] حلّ Ms.
(٢) . وجوده Ms.
[ ٢ / ١٣٨ ]
وجوده دون وقت فنائه وانتقاله من حال إلى أخرى أو ليس ينسج الإنسان الثوب ثم يقطعه خرقًا لضرب من المصلحة ويهيئ المائدة وينضد عليها الألوان من الأطعمة ثم يشوشها ويفسدها بالأكل والتكسير ولا يكون ذلك قبيحًا ولا إبطالًا للحكمة بل هو من أحسن الأشياء وأولاها بالحكمة فمن أين أنكرتم أن ينقض البارئ هذا العالم في الوقت الذي يكون [٦٢] نقضه [١] أولي بالحكمة وأبين في التدبير وأن يعيد الناس في دار سوى هذه الدار ليجازيهم على أعمالهم فإن قيل أن الأجسام باقية والباقي لا يجوز فناؤه إلا بضد يحله وذلك الضد لا يخلو من أن يكون جسمًا أو عرضًا فإن كان جسمًا فحيزه غير حيز هذا الجسم وكيف يضاده وإن كان عرضًا وجب أن يقوم فيه وكيف يقوم فيه في حال [٢] يكون الجسم فيها فانيًا معدومًا قيل لهم كيف جاز لكم أن تتطرقوا إلى إبطال القوة لفناء الأجسام مع قول من يقول من المسلمين أن فناء الجسم عرض لا يحتاج إلى محل وأن في حال وجوده انتقال الجسم
_________________
(١) . نقصه Ms.
(٢) . حلل Ms.
[ ٢ / ١٣٩ ]
وعدمه ومن يقول منهم أن الجسم يفنى بفقد بقائه وأن لا يحدث الله بقاء ومن يقول منهم أن فناء الجسم يوجد في الجسم فيصير فائتًا في الحال الثانية وبعد فما معنى إنكاركم فناء الأجسام وإنما ينكرون حياة الموتى وامر الموتى وخبر الجنة والنار وهذا كله غير ممتنع كونه مع بقاء الأجسام وتبديل صورها ونقض بنيتها [١] إلى بنية [٢] أخرى يكون منها جنة ونار ودار على خلاف سبيل هذه الدار وإن كنا نخالفكم في أشياء منها وقد يشاهدون الاستحلال [٣] والفساد في الأركان فيما يؤمنكم إشاعة الفساد في كلياتها وأجزائها كما زعمتم في أجزائها وأبعاضها وأن يكون طبيعة العالم موجبة للإنقاض بعد مدة من المدد والتغيير من هيئة إلى هيئة كالإنسان مثلًا إذا بلغ أقصى ما في طبيعته في بلوغه تفرقت عناصره ولحق كل نوع من جسده بشكله ثم يتركب أجزاؤه بعد ذلك على ضرب آخر فيكون كذلك العالم على هذا الترتيب إذا بلغ أقصى مدّته انتقض
_________________
(١) . ونقص منتها Ms.
(٢) . [؟] نية Ms.
(٣) . الاستخلال Ms.
(٤) . انتقص Ms.
[ ٢ / ١٤٠ ]
وانقلب إلى هيئة أخرى يكون منه جنة ونار بل يلزمكم أعظم من هذا وهو إجازة فناء العالم وعدم ذاته ثم عوده ورجوعه بعد ذلك وتكونه وتكون طبيعته هو الذي يوجب له ذلك إذا كان ليس موجب وجوب بقائه من وجوب فنائه بطبعه فإن زعموا أن هذا لا يصح لنا على مذهبنا لأنا نقول بتركيب الأجسام من هذه الأركان وانحلالها إليها وكذلك الأركان من الأسطقسات غير المركبة البسائط من الهيولى قيل وأجود لنا أن يكون مناقضتكم من نفس مذهبكم وقد أريناكم فساد مذهبكم في الهيولى وفي فساد ذلك وجوب صحة القول بحدث الأجسام وكل حدث غير مستنكر له الانحلال والدثور والعود إلى حال التلاشي والبطلان وإذا فنى وبطل فأعاده خلق كابتدائه بل هو أهون،