أقول أنه إذا ثبت وجود البارئ ﷿ وثبتت وحدانيته بالدلائل التي قامت وجب أن ينظر في صفاته وما يليق به أن يضاف إليه ويعرف به فنظرنا فإذا من صفاته خاص وعام فالخاص ما لا يجوز أن يوصف بضده كالحياة والعلم والقدرة ولا أن يوصف بالقدرة عليها ألا ترى أنه لا يصح القول بأنّه يقدر أن يحيا أو يقدر أن يعلم أو يقدر أن يقدر ولا القول بأنه يعلم كذا ولا يعلم كذا أو يقدر على كذا ولا يقدر على كذا لأن ما كان موصوفًا بنفسه ثم وصف بضدها كان الضد راجعًا إلى نفسه ولا تستقيم الإلهية بغير حياة وقدرة وعلم وهذه تسمى صفات الذات والعام ما يجوز أن يوصف
[ ١ / ٩٥ ]
بضدها ويوصف بالقدرة عليها كالإرادة والرزق والخلق والرحمة وهي صفات الفعل وللمسلمين ومن قبلهم في هذا الفصل تشاجر كثير واختلاف يدعو إلى ضلال من خالف صاحبه في ذلك فقال بعض الناس لا اسم للبارئ ولا صفة ولا ذكر وإنما ينبغي أن ينسب كل عدل ورحمة وفضل وجود إليه بمعرفة القلوب أنه منه وقالت المعتزلة أن صفات الله أقوال وكنايات وهي كلها من قول القائلين ووصف الواصفين وقال قوم لا معنى لصفات الفعل وإنما المعنى لصفات الذات والصفة ما قامت في الموصوف ولا تباينه ولا يجوز أن يوجد الموصوف مع عدمها قالوا فلم يزل الله خالقًا بارئًا رازقًا مريدًا متكلّما رحيما حتى أتوا على آخر صفاته وفرق ناس منهم بين الوصف والصفة فجعلوا الصفة ما يلاصق الموصوف كالعرض للجوهر والوصف قول الواصف تلك الصفة فصفات الله غير مخلوقة لأنه بها موصوف وهو غير مخلوق وهو واحد بصفاته كلّها وصفاته لا هو ولا بعضه ولا غيره واحتجوا بأنها ليست هو ولو كانت هو لكان صفة ولدعي فقيل يا علم يا قدرة يا سمع يا بصر ولما قام بذاته
[ ١ / ٩٦ ]
كما أن الصفات لا تقوم بأنفسها ولا هي غيره لأن حد المتغايرين جواز وجود أحدهما مع عدم الآخر [١٩] فلو كان علمه وقدرته وسمعه وبصره غيره لجاز عدم العلم والقدرة وغيرها مع وجود البارئ فيحصل بلا علم ولا قدرة ولاهى بعضه لأن التبعيض من دلائل الحدث والله لا يوصف بالابعاض والأجزاء وقالت المعتزلة في صفات الذات أنها ليست من غير الذات شيئًا فذات البارئ عالمة حكيمة قادرة سميعة بصيرة وهو عالم بذاته قادر بذاته سميع بذاته بصير بذاته وإنما الصفات ما وصف الله به نفسه أو وصفه العباد بها قالوا ولا يجوز أن يكون علمه وقدرته هو ولا غيره لأنها لو كانت هو لكان أشياء كثيرة مختلفة ولعبدت ودعيت فلو كانت غيره لكانت قدماء كثيرة وإن لم يزل مع البارئ وإن كانت محدثة فكان قبل أحداث العلم غير عالم وقبل أحداث القدرة غير قادر وكذلك سائر الصفات فثبت أن ذاته عالمة قادرة إن كان له علم به يعلم وقدرة بها يقدر ولم يخل من أن يكون هي هو أو غيره وقالوا لا فصل بين من زعم أنه هو أو غيره أو بعضه قالوا وقول
[ ١ / ٩٧ ]
القائل لا هو هو نفي وقوله لا غيره رجوع عن ذلك النفي وإثبات له فهولاء يزعمون أنه لو كان له علم لكان معه غيره ومخالفوهم يزعمون ان لو لم يكن له علم لكان جاهلًا قالوا وهو موصوف بالقدم والقدرة والعلم فلو كان عالمًا بنفسه قديمًا لما جاز أن يوصف بنفسه كما لا يصور المصور بنفسه ولا يكتب المكتوب بنفسه ولا يشتم المشتوم بنفسه وإنما يشتم المشتوم بشتم ويصوّر المصوّر بصورة فصح أنه موصوف بصفات والصفات يشتق منها الأسامي فالقديم من القدم والقدير من القدرة والعالم من العلم كما أن الحمرة للأحمر والصفرة صفة للأصفر ثم هولا هي ولا غيرها قالوا ولو لم يشاهد عالمًا إلا بعلم ولا قادرًا إلا بقدرة فكذلك ما غاب عنا فقال لهم مخالفوهم أليس الحمرة والصفرة عرضان في الأحمر والأصفر أو ليس العالم منا بعلم علمه عارض فيه فهل [١] إلى تمثيل البارئ بجسم ذي عرض وبم ينفصلون ممن يزعم أنه جسم أو عرض لوجود الفعل منه لأنه لا يظهر الفعل فيما يشاهد إلا من جسم حدث فهل يجب علينا القضاء
_________________
(١) . كذا في الأصل LacuneMs.
[ ١ / ٩٨ ]
بأنه جسم ذو أعراض وأبعاض إذا لم نشاهد الفعل إلا من جسم ذي أعراض وأبعاض كذلك لا يجب القضاء بأنه عالم بعلم إذا لم نشاهد عالمًا إلا بعلم فإن قيل إذا أجزت عالمًا لا يعلم فأجز جسمًا لا بصفات الجسم قيل لو لزم ذا للزمك هو بعينه في إجازتك عالما بعلم لا هو ولا غيره ولا بعضه وأما قولهم أن المصور لا يصور بنفسه والمكتوب لا يكتب بنفسه وإنما يصور بصورة ويكتب بكتابة والصورة والكتابة لا شكّ غيرهما وقولهم من الصفات يشتق الأسامي فالصفات هي الأسامي بعينها ليست أنها أشياء كامنة فيه كالأعراض في الجواهر ولكنه إذا أبدى فعلًا من أفعاله تسمى به أو سماه العباد به والكلام يطول في هذا ويمتد ومتى اعمل الناظر فكره في هذا المقدار [٢٠] تبين له وجه الصواب بحول الله وقوته