قال أنّ الموحّدين في معنى إيجاد الخلق مختلفون لأنّ الله خلق الخلق لا لاجتلاب منفعةٍ ولا لدفع مضرّة وكلّ فاعل من غير نفع ولا ضرّ فسفيهٌ غير حكيم قال المسلمون هذا إذا كان الفاعل يلحقه المنافع والمضارّ فأمّا إذا كان غنيًّا من احتراز منفعةً ممتنعًا من لحوق ضرر فغير سفيه ولا عابث وقد قامت الدلالة على أنّ البارئ كذلك حكيم غير سفيه ومحال وجود العَبَث من الحكيم فلا يخلو خلقه من الحكمة وإن خفي علينا وجهه لعلمنا بأنّ الحكيم لا يفعل ما هو غير حكمة واختلف آراء الناس في ما لاح لهم من الحكمة في خلقه وإن كان لا يجوز القطع على شيء منه لظنّه معظم علمه عنهم فقال قوم خلق الله الخلق لجوده ولرحمته إذ الجواد بإفاضة
[ ١ / ١١٥ ]
الجودُ على المجود عليه يظهر جوده والقادر بإظهار المقدور يظهر قدرته وقال قوم خلقهم لينفعهم وينفع بهم يعنون لتعبر [١] المتكلّفون بالمخلوق غير المكلّف وقال قوم ليأمرهم وينهاهم وقال قوم خلقهم لاستدعاء الشكر والثناء وقيل لعِلم علمّهُ أَنّه يخلقهم وقال قوم لا نقول شيئًا من ذلك خلقهم لما شاء ولا علم لنا بمشيّته هذا قول من أقرّ بحدوث العالم وأنّ له مُحدثًا سابقًا له فأمّا من أنكر ذلك فإنّه احتجّ للقِدَم والإهمال بأنّه لو كان للعالَم صانع أو مدبّر ناظر لما كان فيه تفاوت خلق ولا تعادي سباع ولا شمول بوار ولا وقوع فساد ولا اعتراض أسقام وأَوْجاع ولا هَرَم ولا موت ولا حزَن ولا فاقة وأيّة حكمة في إنشاء صورة حيوانيّة أو ناميّة ثم في إفنائها ولما استوى حال المعاند والمجيب ولما فضل العالِمَ الجاهلُ بالجاه والمال والمنزلة [٢٣] وهل لا [٢] أخبر الخلق أن كان له خالق على التناصف والتواصل ولِمَ خُلّى بينهم وبين التعادي والتظالم والتباغي والتهارج وهذا كلّه مضمحلّ متلاش بشهادة آثار الخلق
_________________
(١) . لنعبر Ms.
(٢) . هل،corr.marg. هلّا Ms.
[ ١ / ١١٦ ]
على تفاوته واختلافه في الظاهر من الاجتماع والافتراق والحركة والسكون والأعراض والمقارنة له بمعرفة كمال القدرة ووجوب العبرة في خلق الأضداد وللكاره وإعطاء الخلق القوّة والقدرة والاختيار ليستحقّوا بأعمالهم أشرف الثواب وليرتدعوا بالاعتبار عن الظلم والفساد ولو كانوا مجبورين كما يزعمون أو مجبولين على فعل واحد دون ضدّه لكانوا جمادًا مواتًا ولو كانوا على طبع واحد لما عرفوا بحواسّهم ولا وجدوا بعقولهم إلّا الشيء الواحد الّذي يلايم طبعهم فلم يصلح حينئذٍ تكليف ولا وقع منهم تمييز وترك إلحادهم على هذه الصورة أنفع لهم وأبلغ في الحكمة ولا يفعل الله إلاّ الأصلح الأحكم وأمّا فضل الجاهل العالم بالمال والجاه فالعلم أفضل من المال لأنّه السعادة اللازمة والمال من السعادة المفارقة فلو أنصف هذا الزاعم في القضيّة لفضّل الجاهل بالمال على العالم لفضّل العالم على الجاهل بأضعاف علمه لتساوي حالَيْهما وقد سُئل جعفر بن محمد الصادق ﵁ عن هذه القضيّة قال ليعلم العاقل أن ليس إليه من أمره شيء وأي لعمري هو من أدلّ دليل على مُدبّر قدير قاهر وهؤلاء المعطّلة أقلّ الناس عددًا
[ ١ / ١١٧ ]
وأوهنهم عُدّةً وأفيلهم رأيًا وأوهاهم عزمًا وأنقصهم حجّةً وأخسّهم دعوىً وأدناهم منزلةً وأغربهم ذهنًا لا يظهر واحد في أمّة وجيل إلاّ في الدهر والحين لأنّه رأى مشرذل وعقيدة مهجورة وعزم مدحول لا يبدو إلّا من فَدْمٍ جاهلٍ أو معاندٍ وما أَراه انتشر في أمّة من الأمم وزَمَن من الأزمنة انتشاره في زماننا هذا وأمّتنا هذه لتستّر أهله بالإسلام وتحلّيهم تحلية شرائعهم ودخولهم في غمار أهله واحتال من احتال لهم بلطيف التمويه في تسليم الأصول الظاهرة والمصير به إلى التأويلات الباطنة فهم يرقّقون عن صَبُوح ويحتسون في إرتغاء وذلك الذي حقن دماءهم وغمد سيف الحقّ عنهم نابغ في قديم الدهر وحديثه وأبدا صفحته إلاّ عوجل بالاستئصال واحثت منه الأوصال واستنجز العدّة فيهم سنّة الله في الدين خلَو من قبل ولن تجد لسنّة الله تبديلًا زعموا أنّ هذه الدنيا قديمة لم تزل [١] على ما هي عليه ولا تزال [٢] كذلك من صيفةٍ بعد شتوةٍ وشتوةٍ بعد صيفة وليل بعد نهار ونهار بعد ليل ونطفة
_________________
(١) . يزل Ms.
(٢) . يزال Ms.
[ ١ / ١١٨ ]
من إنسان وإنسان من نطفة ووالد من ولد وولد من والد وبيض من طير وطير من بيض وكذلك جميع الأشياء الحسّاسة والنامية بعضها من بعض بلا صانع ولا مدبّر لا أوّل لها ولا آخر فإنّ هذه دعوى جائزة ومقالة باطلة ولو كان هذا المدَّعى لم يزل مع أزليّة العالم بزعمه لما ساغت له دعواه إن لم يقُمْ له دليل من غيره على أزليّته فكيف وليس هو ممّن هو لم يزل ولا هو ممّن لا يزال وإن اعتمد فيه خبر من كان قبله وإن من أخبره لهو في حاله وحدوثه لم يشاهد من ذلك إلاّ ما شاهد من كان قبله مع معارضة الخصم له [٢٣] في الكون والحدوث لأنّ الدعاوى تصحّ بالحجج لا بالصفات وإن زعم أنّه قاس ما مضى منه بما هو مُستقبَل فيما بعدُ وأنّه غير مُنْقَضٍ فهذا القضاء أجود من الأوّل وأضعف مدّة بل هو نفس دعواه التي خولف فيها والمعارضة قائمة فإن زعم الحال والوقت الذي هو فيه فإنّ هذا رأيُ مَنْ قَصُر عِلمه وسَخُفَتْ معرفته وأوجب أن يكون هو بنفسه لم يزل على ما هو عليه في الحال والوقت لم يكن قط نطفة ولا علقة ولا مضغة ولا جنينًا ولا رضيعًا ولا يتغيّر فيما بعدُ فيكتهل ويشيب ويهرم وتجرى عليه
[ ١ / ١١٩ ]
الحوادث وتنتقل به الأحوال ومعاينة هذه يضطّره إلى الإقرار ويبيّن عنه وجه العناد وإن زعم أنّ حكمه في نفسه خلاف حكم العالم قيل ولِمَ زعمتَ ذلك وهل أنت إلاّ جُزْءٌ من العالم بل قد شبّهت في جميع معانيه فسُمِيّتَ العالم الأصغر وكذلك كلّ ما يعاين من الأشخاص والأنواع العُلويّة والسُفلية من الحيوان والنبات ألا ترى أنّك لو عمدت إلى كلّ جزء من أجزاء العالم فاختصصتَه باسمٍ لحصل العالم لا شيء كما أنّك لو فرقت الجوارح والأعضاء لحصل الإنسان لا شيء فهذا يدُلّك أنّ الكلّ اجتماع الجزء لا غير فإن قال لا يقوم في الوهم ولا يتصوّر في النفس حدوث هذا العالم ولا فناؤه وانقضاؤه عُورض بأنّه لا يقوم في الوهم ولا يتصوّر في النفس قدم العالم ولا بقاؤُه مع أنّ القضاء عليه بالحدث والانقضاء أقرب إلى الأوهام وأشدّ ارتباطًا لنفوس لقيام الدلائل الواضحة والبراهين الشافية فإن قال كيف يمكن اعتقاد حدوث هذا العالم لا من شيء ولا في زمان ولا مكان فإنّ هذا اشتطاطٌ في المطالبة وجَوْرٌ في القضيّة لأنّه تكليف تمثيل ما لا مثل له وإحساس شيء غير محسوس وليس نعلم
[ ١ / ١٢٠ ]
كالدنيا دُنيًا غيرها فنشبّه هذه بهذه وإنما نحكم بحدوثها لشهادة أَثَر الحدوث بها والعامّي الّذي لا رأى له ولا نظر عنده يطلب الدلائل الظاهرة على الأشياء الخفيّة وذلك مُحال بمنزلة مَنْ يجب أن يرى ما لا يُرى وأن يَسمع ما لا يُسمع أو يسمع ما يُرى ويُرى ما هو مسموع ومن أنصف نفسه أنزل المعلومات منازلها واكتفى من الموهوم بالوهم ومن المحسوس بالحسّ ومن المدلول عليه بالدلالة وقد لعمري لا يتصوّر في الوهم إحداث هذه الجواهر والأعراض لا من غير سابق ثمّ لا يتصور وجود حدث لا من مُحدث فإذا تكافأت الصورتان لزم المصير إلى أشيعهما دلالةً وأدناها إلى الحقّ درجةً فإنّ الدلائل شاهدة بآثار الحدث والقدم موهوم وقضيّة الدلالة عليه من قضيّة الوهم والدليل على أنّ العالم حادث غير قديم كما يزعمون وأنّه لا أوّل له ولا حركة إلاّ وقبلها حادثة لو كان كذلك لما جاز وجود ما هو حاضر في الحال من حركة أو ليل أو نهار أو شخصٍ ما لأنّ ما لا نهاية له في وجوده وعدمه فمحال أن يوصف بأنه قد تناهى وانقضى حدوثه وفُرِغ منه ولأنّ ما لا أوّل له فغير جائز وجود ثانيه
[ ١ / ١٢١ ]
ولا وجود ثالثٍ ما لا ثاني له ولا وجود رابعٍ ما لا ثالثَ له على هذا القياس كما أنّ ما لا غاية له ولا نهاية في المستقبل [٢٤] محال أن يُوصَف بأنّه ينقضي أو ينقطع يومًا كذلك من زعم من الحوادث لم يزل يحدُثُ بلا أوّل فهذا الحادث في الحال والوقت المشاهد لا يخلو من وجود ثلاثة [١] إمّا أن يكون هو الأوّل أو بعد الأوّل ولا أوّل ولا بعد الأوّل فإن كان هو الأوّل وإن كان بعد الأوّل فقد ثبت الأوّل وإن كان لا أوّل ولا بعد الأوّل فهذا فسادة ظاهرة فكأنّه قال شيء لا شيء ولو جاز وجود ما لا أوّل له لجاز وجود العشرات من غير تقدّم الآحاد ووجود المئين من غير تقدّم العشرات ووجود الألوف من غير تقدّم المئّين [٢] لأنّ بالأحد يتمّ الاثنان وبالاثنين يتم الثلاثة ألا ترى أنّ قائلًا لو قال لا تُنبِت الأرض حتّى تمطر السماء ولا تمطر السماء حتّى تتغيّم ولا تتغيّم حتّى يثور البُخار ولا يثور البخار حتى تهبّ الرياح ولا تهبّ الرياح حتّى يحرّكها الفلك ولا يحركها الفلك حتى تكون كذا ويمدّ
_________________
(١) . بلبه Ms.
(٢) . المائين Ms.
[ ١ / ١٢٢ ]
في هذا الاشتراط شيئا قبل شيء أبدًا إلى غير نهاية ولا غاية لم يجز وجود نبت ولا مطر ولا غيم ولا ريح لأنّه مُعلّق بشرط ما قبله غير جائز وجوده لأنّه غير متناهٍ وكذلك من زعم أنّه لم يكن حركة إلاّ وقبلها حركة ولا إنسان إلاّ وقبله إنسان ولا نَبْت ألاّ وقبله نبت إلى ما لا غاية ولا نهاية فمحال وجود هذا الإنسان والنبت لأنّ وجوده كان معلّقًا بشرائط لا أوّلها وما لا غاية له لا يُوجد ولا يُعلم ولا يُوهم وكذلك لو قال قائل لا أدخلُ هذه الدار حتّى يدخلها زيد ولا يدخل زيد حتّى يدخل عمرو ولا يدخلها عمرو حتى يدخلها فلان ثم كذلك إلى غير غاية لم يجز دخول زيد ولا غيره أبدًا وكذلك لو قال لا آكل تفّاحًا حتى آكل قبلها تفّاحة لم يصحّ له اكل تفاحة ابدا لأنّه كلّما ضرب يده الى تفّاحة يأكلها منعه شرط أكل تفاحة قبلها، ومن الدليل على حدث العالم أو أنّ له أوّلًا أنّا لو توهَمنا عند كلّ حركة مضَتْ من حركات الجسم حدوث حَدَثٍ أو ظهور شخص لكان ذلك أجسامًا حاضرةً يحضرها العَدَدُ ويأتي عليها الحسابُ وكذلك لو توّهمنا هذا العالم حيًّا عالمًا لجاز أن يُعدّ حركاته
[ ١ / ١٢٣ ]
وسكناته فيكون ذلك عددًا قائمًا معروفًا لمبلغ وما له مبلغ وأتى الحساب عليه فمتناه وكلّ متناه له أوّل وإن لم يتناه ومن الدليل على حدث العالم وأن له أولًا أن ما مضى من حركات الفلك لا يخلو من أن يكون مثل سكناتها متساوية أو أكثر منها أو أقل فإن كانت مثلها فالمثل كالنصف وما له نصف فمتناه والأكثر والأقل تدل الكثرة على تضاعف أجزاء الأكثر على الأقل فإذا ثبت تقدم إحدى الحركات على الأخرى وما له تقدم فمتناه وله أول وهذا من الحجج الواضحة التي يفهمها كلّ سامع وللموحدين في هذا الباب من دقائق النظر بما ألهمهم الله من توفيقه ما لا يظهر عليها إلا اللقن الفطن ولها موضعها من كتابه فإن قيل أليس الحوادث عندكم في المستقبل لا تزال إلى الآخر وإن كان لها أول يريدون قول أهل التوحيد ببقاء الآخرة على الأبد فما أنكرتم أن ما مضى من الحوادث لا أول لها وإن كان لها آخر قيل أنا لا نزعم أن ما له أول لا يجوز أن يكون له آخر وإن الحوادث غير متناهية [٢٤] ولكنّا نقول أن الحوادث لا يزال يحدث منها حادث بعد حادث لا إلى غاية ولا يخرج كلها إلى
[ ١ / ١٢٤ ]
الوجود حتى يرى موجودًا لم يبق منه شيء لم يوجد وليس أول الشيء بموقوف على صحة وقوع آخره كما أن آخره موقوف على صحة وقوع أوله لأنه يستحيل وقوع آخر لا أول له ولا يستحيل وقوع آخر بعد آخر أبدًا كما يستحيل وقوع فعل لا من فاعل متقدم ثم لا يجب وجود الفاعل بعد فعله باقيًا أبدًا أو كما أن الأعداد مفتقرة أبدًا إلى أول تنشؤ منه وتبتدئ ثم لم يجب وجود تناهيها لتناهى أولها ومن الفرق بين المستقبل والمستدير أنه يجوز وجود ما لا يزال يتحرك ولا يجوز وجود ما لم يزل يتحرك كما أنه يجوز وجود من لا يزال يعتذر من ذنب ولا يجوز وجود من لم يزل معتذرًا لأن الاعتذارات لا بدّ لها من أول وقد يجوز أن يكون لا آخر لها كذلك الأفعال لا بدّ أن لها أولًا ولا يجب أن يكون لها آخر ومن هاهنا التزم بعض الموحدين بأن الحوادث لها آخر آخر العلة الحدث وإن زعم أن هذا العالم وما فيه من فعل الطبائع وما أوجبته ذواتها فالطبائع مركّبة من البسائط والتركيب عرض وهو دلالة الحدث فالطبائع إذًا محدثة ثم هي جماد وموات كالحجر والشجر ثم هي مسخرة مقهورة بدلالة أن من شأنها
[ ١ / ١٢٥ ]
التنافر والتضادّ فلمّا رأيناها متواطئة متوافقة علمنا أنه بقهر قاهر وضبط ضابط ثم هي غير عالمة ولا مميزة وإذا كان هذا هكذا استحال وجود هذه الصنعة المحكمة المتقنة العجيبة البديعة من مسخر غير عالم وليس ننكر فعل الطبائع وتأثيراتها في المطبوعات من الحرّ والبرد في الفصول والأرباع لأن الله تعالى وضعها على ذلك وركب فيها تلك القوة وسخرها لما أراد أن يصرفها عليه وجعلها سببًا لتلك المسببات ومتى شاء سلبها تلك القوة وأبطل فعلها كما جعل الطعام مشبعًا والماء مرويًا وكثير من الناس يأتون القول بما أطلقناه تحرزًا لمذهبهم وأن يصح فعل من حي قادر فأما الاختيار والتدبير فغير جائز إلا من قادر حكيم وكذلك على من يزعم أن هذا العالم وما فيه من فعل الفلك والنجوم وغيرها فإن قيل إذا لم تروا حيًا قادرًا فعل إنسانًا وصورة وركب فيه العقل والقوة والسمع والبصر ثم قضيتم بأن في الغائب حيًا قادرًا يفعل ذلك ما أنكرتم أن يكون الطبائع تصور مثل هذا الإنسان وإن لم تروا مثل هذا في الشاهد قيل وما سواء لأنّا وإن لم نشاهد حيّا قادرًا فعل إنسانًا فقد شاهدنا
[ ١ / ١٢٦ ]
حيًا قادرًا فعل شيئًا وأبدعه فدلنا أنه لا يجوز فعل في الغائب إلا من حي وليست الطبائع بحية ولا قادرة فإن قيل أليس النار تحرق والماء يرطب قيل فقد يقولون فلان يحرق ويبرد ويضيفون الفعل إلى المختار الحي والموات المضطر ولو كانت الطبائع بذاتها لما جاز عليها الاتفاق مع تضادها فإن قيل شيء تعلمونه خاليًا من الطبائع أو غير متولد منها قيل الطباع نفسها متولدة منها وأكثر القدماء على أن الأفلاك ليست من جنس الطبائع وهل يصح القول بأن الحركة والسكون والصوت والعجز والقدرة [٢٥] والعلم والجهل والحبّ والبغض والألم واللذّة والكراهة والإرادة وغير ذلك من الأضداد والأشكال من الطبائع أو أنها ليست بشيء لخروجها من أنواع الطبائع وأما احتجاجهم بالاستحالة فذلك محال إلا بمحيل [١] لأنه لو جاز أن يستحيل الشيء بنفسه لجاز أن يتلاشى بنفسه ولو جاز أن يتلاشى بنفسه لجاز أن يتركب ويخرج إلى الوجود من العدم وهو عدم فلما لم يجز هذا لم يجز ذاك وباللَّه التوفيق، ومن الدليل على حدث العالم أنّه لا يخلو
_________________
(١) . كذا في الأصل Notemarginale:
[ ١ / ١٢٧ ]
من أحد الأمرين إما أن قد كان وإمّا أن لم يكن فكان فإن كان قد كان فهذه الحوادث المقارنة له شاهدة بأنه ما كان فدل أنّه لم يكن فكان ثمّ لم يخل هذا من أحد الأمرين إما أنه كان بنفسه وإما أنه كان بمكون غيره فإن كان بنفسه فمحال أن يكون العدم وجودًا لعجز الكائن عن تكوين مثله فكيف يقدر على تكوين ذاته وهي معدوم بقي الوجه الآخر وهو أنه كونه مكون ومن الدليل على حدث العالم أنه لا يخلو أن يكون قديمًا أو حادثًا أو قديمًا حادثًا أو لا قديمًا ولا حادثًا فاستحال القول بأنه لا قديم ولا حادث لمشاهدتنا إياه فاستحال أن يكون قديمًا حادثًا لاستحالة اجتماع الضدين بقي القول بالقديم والحدث والدعوى يتساوى فيه لأنه ليس قول من زعم أن العلم كان أولى من قول من زعم بأنّه لم يكن ولا جواب من قال لِمَ لَمْ يكن بأسعد من قول مَنْ قال لِمَ كان فنظرناه فإذا دلائل الحدث يشهد بما لا يشهد دلائل القدم ومتى أراد الملحد أن يعارضك في قولك بالقديم فطالبه بصفات القديم فإن أعطاك فقد أقرّ بالمعنى وبقي الخلاف في التسمية وهذه مناظرة
[ ١ / ١٢٨ ]
جرت بين الموحد والملحد من أوضح المسائل وأنفعها لا بد لكل مسلم من تحفظها، إن سأل سائل فقال ما الدليل على حدث العالم قيل الدليل على حدثه أنه جواهر وأعراض والجواهر لا تخلو من أن تكون مجتمعة أو متفرقة أو ساكنة أو متحركة إلا في حال واحدة ولن يجتمع المجتمع بالاجتماع ولا يفترق المفترق بالافتراق وكذلك المتحرك والساكن والاجتماع والافتراق والحركة محدثة وهو إذا كان كذلك ولم تخل الجواهر منها فهي محدثة لأن ما لم يسبق الحوادث ولم يتقدمها فحادث مثلها مثال ذلك أن فلانًا لو قال أنّ عمروا لم يوجد قطّ في هذه الدار إلّا وزيد معه ثم قال وإنّما وجد فيها زيد أمس فوجب أن عمروا إنما أوجد فيها أمس فإن قيل ليس قد وجدتم الباقي الذي ليس بمنتقض لا يخلو مما لا يبقى وينقضي ولا يوجد بعده متعريًا منه فما أنكرتم أن القديم الذي لم يزل لا يخلو من حادث ولا يوجد سابقا له متعرّيا منه قيل المعارضة فاسدة من قبل أنه ليس مما لا يبقى وينقضي عروضًا للحدث أو المحدث وإنما عروض ذلك لم يبق وانقضى وذلك أن قولك لا يبقى
[ ١ / ١٢٩ ]
وينقضي الحالة على وقت يأتي به يستحق الحكم بأنه منقض غير باق فلم يكن منكرًا لأن يقارن الباقي حتى لا يخلو منه إذ لم يسبق الوصف المضاد لوصفه وقولك قد حدث حكم قد وجب له في وقته لا ينتظر وجوبه في وقت فاستحال أن يقارن القديم حتى لا يكون [٢٥] القديم سابقًا له فإن قيل فأوجبوا أن يكون الباقي متغربًا ممن لم يبق وانقضى كما أوجبتم أن يكون القديم سابقًا للمحدثات موجودًا قبلها قيل ذلك يفعل وهو الواجب كما أنه سابق للحوادث فكذلك يجب أن يكون باقيًا متأخرًا عنها ومتى ما لم يكن كذلك لم يكن باقيا كما أنّه لو لم يسبقها لم يكن قديمًا فإن قال إذا زعمتم أن المقارن للحوادث حوادث فما ينكرون أن يكون المقارن للحوادث أمس حادثًا أمس قيل لأنا نقول أن الذي يقارن للحوادث حادث بالإطلاق ولكن نقول ما لم يسبقها فحادث مثلها والجسم فإن قارن الحوادث أمس كان موجودًا قبله فلذلك لم يجب أن يكون حادثًا معه وهذه يؤكد ما قلنا له كما وجب أن يكون ما لم يسبق الحادث أمس حادثًا أمس فكذلك يجب أن يكون ما لم يسبق الحوادث
[ ١ / ١٣٠ ]
بإطلاق حادثًا بالإطلاق فإن قيل أليس لم نشاهد والأجسام مقارنة لحوادث إلا وقد كانت موجودة قبلها مقارنة لحوادث غيرها فهلا زعمتم أن ذلك سبيلها وأنها لم تزل كذلك قبل هذا غير واجب لأنا وإن كنا حكمنا بأن الأجسام التي شاهدناها كانت متقدمة للحوادث المقارنة لها مقارنة لغيرها فلم نحكم بذلك من طريق الوجوب ولا لأن الجسم إنما كان جسمًا موجودًا لأنّه لا بدّ من أن يكون متقدمًا للحوادث المقارنة لها مقارنًا لغيره لأن هذا حد [١] الجسم وحقيقته بل إنما حكمنا بذلك لأنا لم نشاهد جسمًا حدث في وقت مشاهدتنا له ولأنه صح عندنا بالخبر والدليل أن هذه الأجسام التي شاهدناها قد كانت موجودة قبل مشاهدتنا لها وصح أن الجسم لا يخلو من حادث ولو أنا شاهدنا جسمًا في وقت لم نشاهده قبله ثم لم يقم لنا دليل على أنه كان موجودًا قبل تلك الحال ولا خبر صادق بذلك لما حكمنا بأنه قد كان موجودًا قبل الحوادث المقارنة له مقارنًا لغيرها بل كنا نخبر [٢] ذلك ونخبر [٣] ان لا يكون سبق ما
_________________
(١) . أحد Ms.
(٢) . بحير Ms.
(٣) . بحر Ms.
[ ١ / ١٣١ ]
هو موجود معه منها، فإن قيل ولم جوزتم هذا وهلا قضيتم على كل جسم غاب أو حضر ورد فيه خبرًا ولم يرد قام على تقدمه دليل أو لم يقم بمثل [١] ما شاهدتم عليه هذه الأجسام وقضيتم بها عليها من تقدمها الحوادث الموجودة منها ومقارنتها [٢] لغيرها وإلا فكيف تزعمون [٣] أنكم تقضون بالشاهد على الغائب قيل ليس القضايا بالشاهد على الغائب على ما ظننتموه لأنه ليس يجب إذا شاهدنا جسمًا على صفة من الصفات أن تقضي كل جسم غاب عنا كذلك إنما يجب إذا شاهدناه على صفة ما أن ينظر هل هو عليها من جهة الوجوب الذي هو حده وحقيقته أم لا فإن كان كذلك قضينا على كل جسم غاب عنا بحكمه وإلا فلا كما قلتم أن لا جسم في الشاهد إلا مركبًا من الطبائع الأربع ولا مركبا من الطبائع إلّا جسما ثم قلتم بأن الأفلاك من طبيعة خامسة ولم يشاهدوا ذلك فكذلك إذا لم نر إنسانًا إلا أبيض لم يجب القضاء بأنّ كلّ إنسان
_________________
(١) . بمثل Ms.
(٢) . مقاربتها Ms.
(٣) . يزعمون Ms.
[ ١ / ١٣٢ ]
أبيض أو لم نر رمّانا إلّا حلوا لم يلزم أن لا يكون رمّان إلّا حلو وكذلك إذا لم نر جسما مقارنا لحادث إلاّ وقد كان عندنا متقدّمًا له مقارنًا لحادث غيره فلم يكن جسمًا لأنّه كذلك ولا ذلك حدّه بل حدّه أن يكون طويلًا عريضًا عميقًا فلمّا لم يكن جسمًا لأنّه يسبق الحوادث فيُوجد مع غيرها لم يجب أن يكون ذلك [٢٦] حال كلّ جسم في كلّ وقت وهذا أيضًا جواب قولهم إذا لم يروا أرضا إلاّ ومن ورائها أرض ولا بيضة إلاّ من دجاجة ولا دجاجة إلاّ من بيضة فكيف قضيتم بخلاف ما شاهدتم فيقال ليس حدّ البيضة أن تكون من الدجاجة ولا حدّ الدجاجة أن تكون من البيضة وإنّما الدلائل قامت على حدثها فإن قال ولِمَ زعمتم أن الجواهر لا تخلو من أن تكون مجتمعة أو متفرّقة قيل هذا من أوائل العلوم التي تُعرف بالبديهة ولا يعترض عليها بالشبه فإن قال ما الدليل على المجتمع اجتماعًا به كان مجتمعًا وللمفترق افتراقًا دونَ أن يكون مفترقًا ومجتمعًا بنفسه قيل لو كان مجتمعًا بنفسه لما جاز وجوده مفترقًا ما دام نفسه موجودة وكذلك المفترق فدلّ أنّ المجتمع مجتمع باجتماع وكذلك
[ ١ / ١٣٣ ]
الافتراق، فإن قيل وما الدليل على الاجتماع والافتراق مُحدَثان قيل الدليل على ذلك أنّا نقصد الجسم المجتمع مفترقة فيُوجد فيه افتراق فلا يخلو ذلك الافتراق من أن كان موجودًا فيه قبل ذلك أو لم يكن فحدث فإن كان موجودًا فيه فقد كان مجتمعًا مفترقًا وهذا محال فثبت أنه حدث عند الافتراق وبطل أن يكون الاجتماع والافتراق كامنين في الجسم فإن قال ما أنكرتم أن يكون الاجتماعات والافتراقات لا نهاية لها وأنّه لا اجتماع إلاّ وقبله اجتماع ولا افتراق إلاّ وقبله افتراق قيل هذا فاسد لأنّه لو كان كذلك لما جاز أن يوجد واحدٌ منهما كما أنّ قاصدًا لو قصد إلى جماعة فقال لا يدخلنّ هذا البيت أحدٌ منكم حتّى يدخله قبله آخر ما جاز أن يوجد واحدٌ منهم في ذلك البيت ولو وجد كان في ذلك انتقاض الشرط فإن قيل فما تنكرون أن يكون الاجتماع والافتراق خمسين قيل لو كانا كذلك لم يخلُ من أن يكونا مجتمعين أو مفترقين باجتماع وافتراق هما هما أو غيرهما فإن كانا مجتمعين باجتماع هو هما استحال وجود الافتراق فيهما ما دامت أعيانهما قائمةً وإن كانا مجتمعين باجتماع هو غيرهما
[ ١ / ١٣٤ ]
احتاج ذلك الاجتماع إلى اجتماع إلى ما لا نهاية له ولا غاية وكلّ ما لا نهاية له ولا غاية فغير جائز وجود ما في الحال منه وهذه مسألة جارية منذ قديم الزمان ولقد رأيتُ أهل النظر يقحّمون أمرها ويرفعون من شأنها ووجدتها في عدّة كتب بألفاظ مختلفة فلم أجدها أكمل وأتمّ من قول أبي القاسم الكعبي في كتاب أوائل الادلّة فانبثّ بها على وجهها وقد ثبت حدث العالم كما ترى فيجب أن يُنظر أَأَحدث جملةً واحدةً وضربة واحدة أم شيئًا بعد شيء لأنّ ذلك كلّه مجوز في العقل فإن أوجد كما هو فابتداؤه حدوثه وإن أوجد منه شيء بعد شيء فابتداؤه ما أوجد منه وليس ذلك إلى العقل فيُعتمد ولكن سبيله السمع والخبر والناس مختلفون فيه القدماء ومَنْ بعدهم من أهل الكتاب والمسلمون وأنا ذاكر من ذلك ما رُوى ومُرجّح ما وافق الحقّ إن شاء الله ﷿،