أقول أن منكري الرسل صنفان أحدهما المعطلة الذين ينكرون إثبات البارئ سبحانه فلا وجه للكلام معهم إلا بعد إقرارهم بالتوحيد والثاني البراهمة أقروا بالصانع وأنكروا الرسالة واحتجوا بأن الرسول لا يأتي إلا بما في العقل أو بخلافه فإن كان يأتى بموجب العقل فما في العقل كاف مما يجب للَّه تعالى على العباد من معرفته وتوحيده وشكره وعبادته واستعمال الحسن واستقباح القبيح وأن كان يأتي بخلافه فلا وجه لقبوله لأن الخطاب وقع على نوى العقول والقضيّة لها والتمييز اودعتاها فأجابهم المسلمون بأن الرسول أبدًا لا يأتي إلّا بما في العقول إيجابه أو تجويزه وحاشا للَّه ولرسوله أن يأتوا بخلاف ما في العقول ولكن من الأشياء مما يغمض ويلطف حتى يخطئه العقل أو يخفى ويحتجب حتى
[ ١ / ١٠٩ ]
يقصر دونه العقل كانتفاع الإنسان بما ينزع إليه نفسه ويشتاق إليه طبعه من ملاذ الاغذية والملاهي المقوّية فإنه حسن في العقل الأخذ منها بقدر الحاجة بل واجب وغير حسن إذا كان لا يملكها الإنتفاع بشيء منها إلا بعد الإذن من مالكها فصار فعل العقل في حال خلاف فعله في حال فدل أن العقل لا يستغني بنفسه ولم يضامه شيء من السمع مع أن العقل محتاج إلى الرياضة والتمييز والسمع والتجارب لا غير موهوم لو أن أكمل الخلق عقلًا وأوفاهم فطنة غيب عن الناس وليدًا حتى لم يسمع شيئًا إلى أن بلغ فأدرك أنه يمكنه استخراج علم الفلسفة والهندسة والطبّ والتنجّم وغير ذلك فدل هذا كله أن العقل غير مكتف به ولا بد من معلم ومعرف وهاد ومذكر ولا يجوز أن يقع العلم بهذه الأشياء إلهامًا ضروريًا لأنا ليس نشاهد ذلك في أجناسها وأمثالها وأن لا يكون كلها بالاستخراج والاستنباط من غير مقدمة وأصل سابق فإن قيل إذا كان البارئ مريدًا لصلاح خلقه غير بخيل [١] ولا عاجز ولا يمسه تكلف ولا علاج فيما يفعله فهلا جعل خلقه رسلا وألهمهم من
_________________
(١) . بحيل Ms.
[ ١ / ١١٠ ]
العلم ما استغنوا به على الرسل أو حبس طباعهم عن التخطي إلى محظور قيل لو فعل ذلك لم ينزلهم دار البلوى والامتحان ولا عرضهم لشرف الثواب وما هو إلا كقول من يزعم لم خلق الله الخلق وأسقط عنهم التكليف وابتدأهم في الجنة وهذا باب التجويز [٢٢] والتعديل وليس كتابنا هذا بنينا له [١] ولكن لو فعل كان له ما فعل فإذا لم يفعل فنقول أساء أو جهل أو عجز وهذا الظن نقض التوحيد وإبطال الدين فيعاد الكلام فيه وتقرر بأنه عادل حكيم لا يفعل إلا الأصلح بخلقه والأعود عليهم ولو جعلهم كلهم رسلًا لوجب أن يسوى بينهم في الفضل والعقل والجاه والمال والقوة ولو فعل لما عرف فاضل فعله ولا قوى قوته ولما شكر وحمد في إسقاط موجبات الشكر والحمد وإباحة الفكر والذم وهذا قبيح في العقل فدل أنه لم يجز التسوية بين الخلق لا في الحال ولا في المال ولا في الرسالة فإن طعنوا في الرسالة بما يوجد فيها من سفك الدماء وذبح البهائم وإيلام الناس فإن العقل لا يرد شيئًا من ذلك إذا كان فيه ضرب من الصلاح كما
_________________
(١) . لهذا بنيناه Corr.marg.
[ ١ / ١١١ ]
يكره الإنسان على شرب الأدوية الكريهة وعلى الفصد والحجامة وقطع بعض الجوارح عند انتظار مخوفة وتأديب الأطفال وغير ذلك فيوجب عليه أن لا يردع ظالمًا ولا يفتص من جارحة وهذا قبيح وترخيص في الفساد ومن أعظم الدلائل على وجوب الرسل هذه اللغات المختلفة التي تلفظ الناس بها ويتعارفون بها ما يحتاجون الى معرفته ولا بدّ من معرف ومعلم لها أسماء المسميات باختلاف اللغات وكذلك الصناعات والآلات التي يتوصل بها إليها وليس في وسع الناس استخراج لغة ووضع لفظ يتفقون عليه إلا بكلام سابق به يتداعون ويتواضعون ما يريدون وليس في المعقول معرفة ذلك ولا بدّ من معلّم قال الله ﷿ وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ٢: ٣١ ثمّ إذا صحّت النبوّة ووجبت الرسالة بقى أن يُعلم الفرق بين النّبي وبين المتنبّي لأنّ الأشخاص متساوية متماثلة ففرّق الله تعالى لما أراد من أقامه حجّته وإظهار دعوته بين الصادق والكاذب منهم بما خصّه به من الآيات الباهرة والعلامات المعجزة الخارجة عن العادة والحسّ وذلك معروف معدود كما
[ ١ / ١١٢ ]
يُحكى عن موسى وعيسى ومحمّد عليهم السلم وغيرهم من الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين