قد بينا مقالات الأمم في حدث العالم وقدمه وقد ذكرنا آراءهم في المبادي وكشفنا عن عوار كل من خالف الحق ودللنا على أن مأخذ هذا العالم لا يصح إلا من جهة الوحي والنبوة بما لا مزيد عليه في مقدار الشريطة التي نصبناها في كتابنا هذا والله أعلم والموفق والمعين وقد اختلفت الروايات في هذا الباب عن ابن عباس ومجاهد وابن إسحاق والضحاك وكعب ووهب وابن سلام والسندي والكلبي ومقاتل وغيرهم [٣٩] ممّن يتحرى [١] هذا العلم وينحو نحوه فلنذكر الأصح من رواياتهم والأقسط للحقّ
_________________
(١) . ل [؟] حرى Ms.
[ ٢ / ١ ]
والأشبه بالصواب ونسوق ما يحكيه أهل الكتاب ولا يكذبهم إلا فيما يتيقنه من وفاق كتابنا أو خبر نبينا ﷺ وروى أبو حذيفة عن رجال أسماءهم أن الله تعالى لما أراد أن يخلق السماء والأرض سلط الريح على الماء حتى خربته فصار موجًا ودهنا ودخأنا فأجمد الزبد فجعله أرضًا وأجمد الموج فجعله جبالًا وأجمد الدخان فجعله سماء وربما يقع تغيير في العبارة لزيادة بيان فليراع الناظر المعنى لا اللفظ وزعم محمد بن إسحاق أن أول ما خلق الله النور والظلمة فجعل الظلمة ليلًا وجعل النور نهارًا ثم سمك السماوات السبع من الدخان دخان الماء حتى استقللن ولم يحبكهن وقد أغطش في السماء الدنيا ليلها واخرج ضحاها فجرى منها الليل والنهار وليس فيها شمس ولا قمر ولا نجوم ثم دحا الأرض وأرساها بالجبال وقدر فيها الأوقات ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ ٤١: ١١ قال فحبكهن وجعل في السماء الدنيا شمسها وقمرها ونجومها وأوحى في كل سماء أمرها وقريب من هذا ما روى عن عبد الله بن سلام أنه حكى عن التوراة أن خلق البخار [١] الذي خرج من الماء والجبال والأرض من
_________________
(١) . البحار Ms.
[ ٢ / ٢ ]
الأمواج ودحا الأرض من تحت موضع الكعبة عن الكلبي والسندي أن الأرض كانت تكفأ كما تكفأ السفينة فأشمخ الله جبالها وأرساها بالأوتاد حتى استقرت وتوطدت لقول الله تعالى وَأَلْقى في الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ ١٦: ١٥ وفي صدر التوراة [١] التي في أيدي أهل الكتاب أن أول ما خلق الله السماء والأرض وكانت الأرض خربة خاوية وكانت الظلمة على الأرض وريح الله تعالى يزف على وجه الماء فقال الله ليكن [٢] النور فكان النور فرأى الله حسنًا فميزه من الظلمة وسماه نهارًا وسمى [٣] الظلمة ليلًا وقال ليكن رفيعًا وسط السماء فليحل [٤] بين الماء والسماء [٥] فكان سقفًا يميز بين الماء الذي أسفل وبين الماء الذي هو أعلى وسماه سماء وقال الله ليجمع الماء الذي تحت السماء وليكن اليبس فكان كذلك فسمى مجتمع الماء البحار وسمى اليبس الأرض وقال الله ليخرج الأرض الزهر والعشب والشجر ذا
_________________
(١) . التوراة Ms.
(٢) . ليلى Ms.
(٣) . وسمّى Ms.
(٤) . فل [؟] حل Ms.
(٥) . المساء Ms.
[ ٢ / ٣ ]
الحمل فأخرجت الأرض ذلك ثم قال الله تعالى ليكن نوران في سقف السماء ليميزا بين الليل والنهار وليكونا آيتين للأيام والشهور والسنين فكان نوران الأكبر والأصغر فالأكبر لسلطان النهار والأصغر والنجوم لسلطان الليل فرأه الله حسنًا وقال الله تعالى ليحرك الماء كل نفس حية وليطر الطير في جوف السقف وخلق الله ثمانين عظامًا وحرك الماء كل نفس حية لجنسها وكل طائر لجنسه فرأى الله ذلك حسنا فقال انموا وأكثروا واملئوا الأرض وقال الله تعالى نخلق بشرًا كصورتنا وشبهنا ومثالنا ويكون مسلطًا على سمك البحار وطير السماء ودواب الأرض فخلق آدم على صورته ومثاله وشبهه، وامّا الفرس فإنّهم يحكون عن علمائهم وموبذيهم [١] أنّ الله خلق في ثلاثمائة وخمسة وستين يومًا ووضع ذلك على أزمنة كاه انبار دين ماه [٢] وأن أول ما خلق الله السماء في خمسة وأربعين يومًا وهو كاه أنبار [دي] ماه وخلق الماء في ستين يومًا وهو كاه أنبار ارديبهشت ماه وخلق النبات في ثلاثين يوما
_________________
(١) . وموبذهم Ms.
(٢) . على ارمنه كاه انبار Ms.
[ ٢ / ٤ ]
وهو كاه أنبار ابان ماه هذا ما عليه عامة من يعرفهم [٤٠] من أهل الأرض بحدث العالم والأصدق من ذلك ما نطقت به كتب الله أو جاءت به رسله لأنه لم يشاهد الخلق أحد فيخبر عنه ولا العقل موجب كيفية ذلك ثم لا شيء أحمل للزيادة واخلط في الرواية وأكثر تشويشًا واضطرابًا من هذا الباب قال الله ﵎ خَلْقِ السَّماواتِ ٢: ١٦٤ فبدأ بذكر السماء على الأرض في غير موضع من كتابه ثمّ قال أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ في يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدادًا ٤١: ٩ [١] الآية إلى قوله ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ ٤١: ١١ [٢] وقال أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّماءُ بَناها رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها ٧٩: ٢٧- ٢٨ [٣] إلى قوله وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها ٧٩: ٣٠ [٤] فأخبر أن خلق السماء كان قبل خلق الأرض وبسط الأرض كان قبل تسوية السماء وما فيها كما ذكره ابن إسحاق،