أقولُ أنّه لما صحّ وجود البارئ بالدلائل العقليّة وجب ان ينظر أواحد هو أم أكثر لأنّ الفعل قد يفعله الواحد والاثنان وقد يشترك الجماعة في بناء دار ورفع منار ونظرنا فإذا الدلائل على وحدانيّته بإذاء الدلائل على إثباته وذلك أنّه
_________________
(١) Qor.،sour.XXVI،v.٢٢ -٢٣.
[ ١ / ٨٦ ]
لو كانا اثنّيْن لم يخلُ من أن يكونا متساوِيَيْن في القوّة والقُدرة والعِلم والإرادة والقِدَم والمشيَّة حتَّى لا يُفْرق بينهما بصفةٍ من الصفات فإن كانا كذلك فهذه صفة الواحد لا يثبت في العقول غيره أو يكون أحدُهما أَقْدم من الآخر وأَقدر فَالإِْلَهُ إِذًا القديمُ القادر إِذ العاجز الحادث لا يستحقّ الإلهيّة أو يكونا معا متقاومين مُتضادَّيْن فأذَنْ لا يجوز وجود خَلقٍ ولا أمرٍ لأنّه لو كانا كذلك لم يخلُقْ أَحدُهما خَلْقًا إلاّ أفناه الآخر ولم يُحْيِ حيًّا إلاّ أماته الآخر فلمّا وجدنا الأمر بخلافه علمنا أنّه واحد قدير وهذا ضمْنُ قول الله تعالى لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ (إِلَّا الله) لَفَسَدَتا ٢١: ٢٢ ف سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ٤٣: ٨٢ [١] وقال قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا ١٧: ٤٢ [٢] ولو كانا اثنين لكانا قادرَيْن على التمانع والتقاوم أو عاجزَيْن عن ذلك فإن كانا قادرَيْن لم يتّصل تدبير ولم يتم وجود خَلْق وإنْ كانا عاجزَيْن فوجود الخَلْق عن العاجز
_________________
(١) Qor.،sour.XXVI،v.٢٢.
(٢) . سبيلا Qor.،sour.XXVII،v.٤٤.Lisez
[ ١ / ٨٧ ]
مُحالٌ أَو كان أحدهما عاجزًا والآخر قادرًا فهو كما قلناه آنفًا ولو جاز القول باثنين لوجود الشيء وضدّه لجاز القول بعدد أعيان الموجودات لاختلاف أجناسها وأنواعها وأنّها تمام القُدرة جوازها على الشيء وضدّه ففاعل الشيء إذا كان عاجزًا عن ضدّه غير كامل القُدرة والبارئ ﷿ دلّ على كمال قُدرته بإيجاد الشيء وضدّه ومن هاهنا تفرّقت المجوس والثنويّة والدَهْرية وسائر فرق الضلالة فزعمت المجوس بأنّ فاعل الخير لا يفعل الشرّ وأنّ الشرّير لا يفعل الخير لأنّ الجنس الواحد لا يَقَعُ منه إلا الفعل الواحد كالنّار لا يكون منها إلاّ التسخين والثلج لا يكون منه إلّا التبريد [١٨] فسمّوا الإله الخير هرمز والشرّير الخبيث آهرمَن وأَضافوا كلّ حُسْنٍ وجميل وفعل حميد إلى الخير [١] وكل قبيح وذميم إلى الشرّير الخبيث المضادّ له ثمّ اختلفوا بعد إجماعهم على أنّ الخير منهما قديم لم يزل وزعم بعضهم أن الشرّير قديم أيضًا كقول الثنويّة بقدم الكونين من النور والظلمة وزعمت طائفةٌ أُخرى انّه حادث ثم اختلف الذين قالوا بحدوث الشرير الخبيث كيف
_________________
(١) . الخير Ms.
[ ١ / ٨٨ ]
كان حدوثه فزعمت فرقة منهم أنّ القديم الخير تفكّر فكرةً رديئة فاسدة فحدث من فكرته هذا الخبيث الشرير وهذا نقض أصلهم بأنّ جوهر القديم جوهرٌ خير لا يشوبه شيء من الشرور والآفات وزعم آخرون أنّ الخير هفا هَفْوةً فحدث منه هذا الضدّ بلا إرادةٍ منه ولا مشيّة فجعلوا الخير كالمغود الجاهل الذي لا يملك نفسه وأمره وقد أقرّ هذان الصنفان بوقوع الشرّ من الخير المحمود ووجود جنسَيْن مختلفَيْن منه فما حاجتهما إلى إثبات فاعلَيْن مختلفَيْن فإذا جاز وقوع الشرّ من هذا الخير المحمود فما يؤمنهم وقوع الخير من هذا الشرّير المذموم وزعمت فرقة ثالثة منهم أنه لا يدري كيف حدث هذا الشرّير المنازع [١] للخير القديم فأفصحوا بالحَيْرة ونادوا على أنفسهم بالشبهة وبم ينفصون ممّن يعارضهم إذا جاز حدوث شرير فاعل للشرّ لِمَ لَمْ يُجْز حدوث خير فاعل للخير حتّى يكون خالقهم اثنين حادثَيْن وقد زعموا جميعًا أنّ هذا الشرير كايدَ الخير ونازعه الأمر وجمع الخير جنوده من النور والشرير جنوده من أبعاض الظلمة فاقتتلا مدَةً من
_________________
(١) . والمنازع Ms.
[ ١ / ٨٩ ]
الدهر طويلة ثمّ توسّطت الملائكة بينهما ودعَوهما إلى الهُدْنة والموادعة إلى أن يضع بينهما مدّة سبعة آلاف سنة وهي مدّة قوام العالم فاصطلحا على أنْ يكون أكثر الأمر والحكم والغلبة في هذه المدّة المضروبة للجوهر الشرّير فإذا انقضت المدّة أفضى الأمر إلى القديم الخير فأخذ الشرّير يستوثق منه إلى أن ينقضي عالم الشرّ والفتنة والفساد ويصير الحكم إلى الخير المحض وهذا ظاهر الانتقاض والاختلاف وكيف تطمئن النفس إلى عبادة عاجز مغلوب على أمر وكيف يؤمن الشرير الخبيث على الوفاء بالعهود والمواثيق وهل هي منه ألا أفضل الخير وأتم الإحسان فقد وجد من جوهره الخير وهو من غير جنسه كما وجد من جوهر الخير العجز والغلبة وهو شر وليس من جنسه واختلفت الثنوية فزعم ماني وابن أبي العوجاء أن النور خالق الخير والظلمة خالق الشر وأنهما قديمان حيان حساسان وأن فعلهما في الخلق اجتماعهما وامتزاجهما بعد أن لم يكونا ممتزجين فحدث هذا العالم من نفس الامتزاج فأقرّا بحادث حدث في القديم من غير سبب أوجبه ولا إرادة منه فضاهيا المجوس في قولهم أن الخير حدث منه الشر بلا
[ ١ / ٩٠ ]
إرادة منه ولا مشية وزعم ديصان أن النور حىّ والظلمة موات فأحال أشدّ الإحالة إذ أجاز من الموات الفعل في خلق الشرور والآفات فناقضوا بأجمعهم في نفس الامتزاج لأنه لو كان بدأبه النور فقد أساء في مخالطة الظلام وإن كان بدوه من الظلام فقد غلب النور وأفسده وعندهم أن النور لا يكون منه ألا الخير والظلمة لا يكون منها [١] إلا الشر فكل خير منسوب إلى النور وكل شر منسوب إلى الظلمة واكتفى من جوابهم بما يومض عن مناقضاتهم كفاء ما يشاكل [١٨] كتابنا هذا بعد أن نستقصيه في كتاب المعدلة ونشبع القول فيه بمشية الله وقد سألهم جعفر بن حرب عن مسألة قليلة الحروف عظيمة الخطر فقال لهم أخبرونا عن رجل قتل رجلا ظلما فسئل أقتلته قال نعم من القائل نعم قالوا النور قال فقد كذب النور والنور عندكم لا يفعل الشر قالوا فهو الظلمة قال فقد صدقت والظلمة لا تفعل الخير وقال هل اعتذر أحد من شيء قط قالوا نعم والاعتذار حسن جميل قال فمن المعتذر قالوا
_________________
(١) . منه Ms.
[ ١ / ٩١ ]
النور قال فصنع شيئًا يجب الاعتذار منه قالوا فالظلمة قال فقد أحسنت إذا اعتذرت فقطعهم واستعظم قوم القول بإيجاد أعيان لا من سابق فقالوا بقدم البارئ وشيء قديم معه أم الأشياء وآخر الهويات ومادة العالم والأصل الذي حدثت منه الأجسام والأشخاص فأنه جوهر بسيط عار من الأعراض ثم أحدث الصانع فيه أعراضًا من الحركة والسكون والاجتماع والافتراق فتركب من حركاته العالم بأجزائه فهولاء قد أجبوا شيئين قديمين مختلفين إلى الذات والصفة أحدهما حي والآخر ميت ودخلوا في مذاهب الثنوية وناقضوا أصلهم بأن البارئ لم يزل يصنع فيه فأبطلوا قولهم بأنه علة والعلة لا تفارق المعلول وجملة القول في الإعتقاد في المعدوم والموجود أن الموجود ما يعقل أو يعلم أو يحس أو يعرف أو يصح منه تأثير أو فيه أو معه أو به فإذا خلا من هذه المعاني فهو المعدوم ولولا ذلك لكان كيف يعتقد المعتقد المعدوم من الموجود فإن قيل فقد اعتقدتم القديم أفعدم هو وأنتم لا تصفونه بشيء من الحدوث والأعراض قيل افتسوون أنتم بينه وبين الهيولى في المعنى أم لا وأنتم لا تصفونها بشيء من
[ ١ / ٩٢ ]
الحدود والأعراض ونحن إنما نعتقد وجود البارئ بدلائل صنعه وآثاره وليس يصح الهيولى أثر ويوجب اعتقاده موجودًا بل لو وصفتموه بأفعال خاصية وجب اعتقاده وسنزيد إيضاحا لهذه المسألة في فصل ابتداء الخلق إن شاء الله تعالى،