أقول أن الشيء اسم عام يطلق على الجوهر والعرض وما يدرك بالبديهة والحاسة والاستدلال من جميع ما مضى وانقضى وما هو ثابت في الحال وما سيكون فيما بعد وحدّ الشيء ما يصح أن يعلم أو يذكر أو يوجد أو يخبر عنه فإذا كان هذا حد الشيء فقد ثبت أن المعدوم شيء لأنه يصح الخبر عنه وأنكر قوم أن يكون المعدوم شيئًا وجعلوا حد الشيء أن يكون مثبتًا موجودًا لأن الموجود والمثبت يعمان الأشياء كما يعم الشيء ولا نقيض لهما قالوا فلو كان حدّ الشيء المعلوم لوجد له [٩] نقيض وهو المجهول وزعم بعضهم أن حد الشيء المثبت لا غير ولا شيء منفي والمعدوم غير مثبت واحتج بعضهم بكتاب الله ﷿ أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ من قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا ١٩: ٦٧ [١] فنفى أن يكون الإنسان قبل ان يخلق شيئا وبقوة تعالى هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ من الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا ٧٦: ١ [٢] والشيء يذكر قبل الوجود ولو لم يكن شيئا غير المثبت الموجود
_________________
(١) (sic) . [١] أو لم ير Qor.،s.XIX،v.٦٨.Ms. Qor.،ch.LXXVI،v.١.
[ ١ / ٣٧ ]
أوجب أن يكون ما يخبر عنه من أخبار العالم والقرون مذ قامت الدنيا باطلًا هذرًا فإن قيل أن ذلك قد خرج مرة إلى الوجود قيل وما يدريك أن ما هو كائن بعد غير خارج إلى الوجود وقيل إذا خرج إلى الوجود فهو شيء قيل فما خرج عن الوجود فلا شيء فإن قيل محال تقدم الاسم على المسمى قيل ذلك في الخواصّ فامّا العامّ فغير ممتنع لأنا نقول سيكون في الدنيا أمور وأسباب وحيوان فتقدم أسماءها قبل وجود شخصها وقد كان أبو الهذيل يغايظهم بقوله في المعدوم أنه جسم خياط على رأسه قلنسوة يرقص ونقيض الموجود المعدوم ونقيض المثبت المنفي وليس نقيض الشيء لا شيء لأن المنفي والمعدوم شيئان قد نفى وعدم ولا شيء لا يوصف بالعدم والنفي فإن قيل فجسم هو أم عرض أم حركة أم سكون قيل هو شيء معلوم مقدور عليه لا غير وحد الجسم أن يكون طويلًا عريضًا عميقًا مؤلفًا مركبًا من أجزاء وأبعاض شاغلًا للمكان حاملًا للأعراض ولا يوجد بتة خاليًا منها أو من بعضها فإن أنكر منكر أن يكون الموصوف بهذه الصفات جسمًا سلم له وسوهل في التسمية بما شاء وطولب بالفرق
[ ١ / ٣٨ ]
بينه وبين ما لا يوجد بهذه الصفات وكان هشام بن الحكم يزعم في حد الجسم أنه ما قام بنفسه لأنه كان يقول البارئ جل وعز عن قوله جسم فالجسم في اللغة ما غلظ وكثف وكذلك يقولون للجثة العظيمة جسيمة وإنما أطلق هذا الاسم على ما الموصوف به معناه فإن غير اسمه لم يتغير معناه وإنما يتبين الفرق عند تفصيل الأسماء والأشخاص وحد العرض أن لا يقوم بنفسه ولا يوجد إلا في جسم فإن أنكره منكر قوبل بما يقابل به منكر الجسم وطولب بالفرق بينه وبين غيره ثم كلم على ما أشار إليه من المعنى وقد زعم قوم أن لا عرض في العالم وأن الأشياء كلها أعراض مجتمعة متفرقة وحد الجوهر حد بعينه لأنه جسم ولأن ما خلا عن حدود الجسم والعرض والجزء لم يضبطه الوهم ولا يتصور في الظن الذي هو اضعف أجزاء العلوم ودخل في خبر الامتناع وقد يسمى الجوهر الطينة والمادة والهيولى والجزء والعنصر والاسطقس واختلف الناس في الجزء الذي لا يتجزأ من الأجسام فقال كثير من الناس أنه لا يزال مجزأ حتى يصير في الصغر الى حيث
[ ١ / ٣٩ ]
لا يجوز أن يتجزأ ولا يكون له ثلث ولا ربع ولا نصف قالوا ولولا ذلك لما كان للأجسام تناه ولما كان شيء أكبر من شيء ولا أصغر منه ولما جاز لقائل أن يقول أن الله قادر على أن يرفع من الجسم كل اجتماع خلقه فيه فأقلّ الاجتماع بين جزءين قال ابن بشار النظام وهشام بن الحكم انه يتجزّأ تجزّؤا بلا نهاية ولم يتهيأ بالفعل فأنه موهوم واحتجوا بأنه كما لا يجوز أن يخلق الله شيئًا لا شيء أكبر منه فكذلك لا يجوز [٩] أن يخلق شيئًا لا شيء أصغر منه وقالوا لو كان قول من قال أن الجزء لا يتجزأ صحيحًا كان في نفسه لا طول له ولا عرض فإذا حدث له ثان حدث لهما طول فلن يعدوا الطول أن يكون لأحدهما دون الآخر أو لهما معًا فلما ثبت أنه لهما [١] علم أنه يتجزأ وقال الحسين النجار الجزء يتجزأ حتى يعود إلى جزء لا يقبله الوهم فيبطل حينئذ وقال قوم لا ندرى كيف القول فيه واختلفوا في جواز الرؤية عليه وحلول الأعراض فيه من اللون والحركة والسكون وغير ذلك فأجازه
_________________
(١) . وMs.ajoute
[ ١ / ٤٠ ]
قوم ونفاه آخرون والقدماء مختلفون في هذا الفصل على خلاف قول أهل الإسلام فيزعم بعضهم أنه يرى قبل الاسطقسات الأربعة اسطقسات آخر صاغر الأجزاء غير متجزئة في غاية الصغر منها تركيب الاسطقسات التي منها تركيب العالم وأما ارسطاطاليس يقول أما التجزئة بالقوة فإنها [١] بلا نهاية وأما بالفعل فلها نهاية وقال بعضهم لا يتجزأ لا يقبل الانفعال مع اختلاف كثير بينهم، وحد الزمان حركة الفلك ومدى ما بين الأفعال هذا قول المسلمين وحكى عن افلاطن أنه يرى الزمان كونًا في الوهم وحكى ارسطاطاليس في كتاب السماع الطبيعي أن جميع القدماء كانوا يقولون بسرمدية الزمان ألا رجلًا واحدًا يعنى افلاطن وروى عنه افلوطرخس [٢] أنه قال جوهر الزمان هو حركة السماء هذا وفاق قول المسلمين وبعضهم يقول أن الزمان ليس بشيء مع اختلاف كثير بينهم وإنما ذكر ما ذكر من مذاهبهم لتطمئن نفس الناظر إلى خلاف القائلين بالعقل والتمييز وليستفيد يقينا بما
_________________
(١) . فإنه MS.
(٢) . افلوطوخس MS.
[ ١ / ٤١ ]
يعضده من وفاق قولهم لأن في الإجماع قوة وهو من أوكد أسباب الاستظهار [١] عليهم، وحدّ المكان ما اعتمد عليه الجسم أو أحاط به أو حله العرض وهذا أراده ارسطاطاليس حيث قال المكان نهاية المحتوى الذي يماس ما يحتوي عليه واختلفوا في الخلاء والفضاء فقال قوم العالم لا خلاء فيه وإن الهواء جسم منتشر بسيط ويمتحن بالآلة التي هي على هيئة [٢] الرطل في أسفلها نقب فإذا شدّ اعلاها لم يخرج الماء من أسفلها وإذا فتح سال فعقل أن الماء دفعة دافع وهو الهواء الداخل في الكوز وقال آخرون لا يخلو الأجسام من خلاء وهو الفرج بين الأجزاء واستدلوا بالماء الذي يصب على الأرض فيغوص فيها وفرق قوم بين الفضاء والخلاء فقالوا الخلاء هو الفراغ من الجسم والفضاء هو المحتوى على الخلاء بلا نهاية ويزعم قوم أن الخلاء والفضاء شيء واحد ويقول آخرون أنه ليس بشيء وحد المتغايرين ما جاز وجود أحدهما مع عدم الآخر وقال بعضهم حدهما ما اختلف أوصافهما وحدّ
_________________
(١) . الاستطهار MS.
(٢) . هيأة MS.
[ ١ / ٤٢ ]
الضدين ما لا يجوز وجود أحدهما إلا مع عدم الآخر وحد الموجود ما ثبت علما أو حسّا أو وهما وهو معنى الشيء وحدّ الاسم ما دلّ على المسمّى بالتمييز من جنسه والصفة كالاسم في بعض الأحوال إلا أن خاصية حدها الأخبار عما في الشيء كالعلم في العالم وقد يفرق قوم بين الوصف والصفة فيجعلون الصفة ما هو ملازم للموصوف والوصف قول الواصف ذلك وحد الإرادة ما يضطمره الإنسان [١٠] في قلبه من فعل أو قول أو حركة وحد القول ما يبديه القائل بلسانه وقد يقال للإشارة قول على المجاز وحد المعنى عقد القلب على ما أبدى بلفظه فزعم ابن كلاب أن معنى القول نفس القول ولو كان كذلك ما سأل السامع القائل ما معنى قولك وحد الحركة زوال وانتقال وهي على ضروب فمنها الحركة الذاتية والمكانية وقد قيل الحركة اختلاف وتغيير وحد السكون لبث واستقرار وزعم بعضهم أن السكون ليس بشيء وحد الجنس ما يجمع أشياء مختلفة الصور كالحيوان والنبات وقد قيل الجنس ما استوعب الأنواع وحد النوع تخصيص النظائر من الجنس والشخص تمييز الذات من النوع والشخص تحت النوع
[ ١ / ٤٣ ]
والنوع تحت الجنس وهذا المقدار من هذا الباب لإغناء بأحد عن مطالعته فانّه كالمادّة للنظر والآلة للجدل،