أقول أنّ العقل قوّة إلهية ممّيزة بين الحقّ والباطل والحسن والقبيح وأمّ العلوم وباعث الخطرات الفاضلة وقابل اليقين وقد قيل إنما سمّى عقلًا لأنه عقال للمرء عن التخطّى إلى ما خُطر عليه وقد أكثرت الفلاسفة الاختلاف في ذكره ووصفه قال ارسطاطاليس في كتاب
[ ١ / ٢٣ ]
البرهان أن العقل هو القوة التي بها يقدّر الإنسان على الفكرة والتمييز وبها يلتقط المقدّمات من الأشياء الجزئيّة يؤلف منها القياسات وقال في كتاب الأخلاق أن العقل هو ما يحصل في الإنسان بطريق الاعتياد من أنواع الفضائل حتّى يصير له ذلك خُلقًا وملكة متمكنة في الناس وقال في كتاب النفس بخلاف هذا وقسّمه إلى ثلاثة أقسام إلى العقل الهيولاني والعقل الفعّال والعقل المستفاد وفسّره لاسكندر [١] فقال إن العقل الهيولاني هو ما يوجد في شخص الإنسان من إمكان التهيؤ لتأثير العقل الفعّال وان العقل المستفاد [٦] هو المصوَّر والعقل الهيولاني بمنزلة العنصر وان العقل الفعّال هو المخرج للعقل المستفاد على الوجوه بالفعل وزعم بعضهم أن العقل هو النفس وبعضهم يقول هو البارئ ﷻ مع تخليط كثير منهم في هذا الباب وممّا توارثناه عن الأسلاف قولهم العقل مولود والأدب مستفاد وإنما سمّاه بعضهم باسم أفعاله فلا يضايقه بعد أن أتى المعنى المطلوب منه ألا ترى انه يقال لكتب المتّصفين أخبار الأوائل والأشعار أنها عقولهم والمعنى نتائج
_________________
(١) . الإسكندر Ms.
[ ١ / ٢٤ ]
عقولهم وأذهانهم وقيل ظن الرجل قطعة من عقله فكل هذا على التمثيل والاستعارة ولا يختلف قول القدماء في أن العقل الهيولاني أصفى جوهر النفس وحسّه فوق حسّ النفس ورتبته على رتب الجواهر ودون رتبة البارئ ﷻ وهو أقرب الأشياء منه المسلمون لا يعلمون من العقل إلا ما هو مركب في الإنسان خاصّةً دون سائر الحيوان في العالم السُفلي فأما ما يحكى عن غيرهم فموقوف على الجواز ما لم يردّه العقل أو كتاب الشريعة وقد ذهب قوم أن حجّة الطبع فيما يوجبه ويسلبه أولى من حجّة العقل وادعوا ذلك من جهة اشتياق إلى ما وافقه ويلائمه وإنقباضه عمّا يعافه وينافره وان الله ﷿ خلقه إذ خلقه كذلك ولا يجوز ان يخلق شيئًا عبثًا أو لغير حكمة وفائدة والعقل مستحسن وهو يستحسن الشيء ثم يستقبحه ويستصوبه ثمّ يستحطئه والطبع لا يستحلى مُرًا ولا يستمر حلوًا ولا يجد الشيء عن خلاف ما هو به فأجابهم مخالفوهم أن الطباع لا تعرف إلا ما يحسّ وتباشر وقد تغيرها العادات والعوارض عن أصل جبلّتها فتميل في بعض الأوقات إلى ما كانت تنفر عنه وينفر عمّا كانت تميل إليه وليس من قوّتها التمييز بين
[ ١ / ٢٥ ]
الحسن والقبيح بالاستدلال كما في قوّة العقل وقد صحّت طبائع البهائم وسلمت أخلاطها ثم لم يحسن خطابها وامتناع الطبع عن استحسان الحسن واستقباح القبيح غير محلى له من الحكمة ولا موجب العبث في خلقه كما أنّ الموات لا تحسّ بشيء من الأعراض ثمّ لم يخلُ من الحكمة بل دلالته وما تحويه من المنافع والمضار الذي خصّ به جنسه فائدته وحكمته فدلّنا ان موجب العقل هو المعوّل عليه في الاعتبار والاستدلال لإسقاط التكليف ووضع الامتحان على البهائم التي سلمت طباعها وأخلاطها فإن قيل بمّ عرفتم العقل قيل بنفس العقل لأنه الأصل والبديهة وأمّ علوم الاستدلال كما عرفنا الحسّ نفس الحسّ لأنه الطبع ولو كنَّا عرفنا العقل بعقل لأفضى الأمر إلى ما لا نهاية له ولمّا كان العقل أصل العلوم ورأسه فإن قيل فَبِمَ يفرقون بين دلالة العقل ودلالة الهوى والعادة قيل بالرد إلى الأصل لأن الفرع يشاكل الأصل ولو لم يشاكله لم يكن فرعاَ له ومن الدليل على وجوب حجّة الطبع تعظيم الناس كلّهم العقل وتبجيلهم إيّاه وتفضيلهم مراتب العقلاء ورفعهم أقدارهم واستنامتهم إلى
[ ١ / ٢٦ ]
آرائهم واعتمادهم على إشارتهم وتمنّيهم درجاتهم والاستخفاف بمن ذلّ عقله وبدا سخفه ولم يفعلوا [٧] ذلك بمن استقامت طباعه وكملت أخلاطه فعلمنا أنه معنى غير معنى الطبع وهو العقل