قال قوم هم مضطرّون إلى أفعالهم مجبورون عليها وروي عن ابن عبّاس أنّه قال في قوله يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ ٢١: ٢٠ أن التسبيح لهم بمنزلة النفس لنا وقال آخر هم مكلّفون مجبورون لأنّ الله تعالى يقول وَمن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ من دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ ٢١: ٢٩ ولا يصحّ الوعيد على غير المقدور عليه وقد قال إِنِّي جاعِلٌ في الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها من يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قال إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ ٢: ٣٠ فدلّ هذا القول منهم على اختيارهم وقال لا يَعْصُونَ الله ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ٦٦: ٦ ولو لم يكونوا قادرين على المعصية لما كان يمدحهم بترك المعصية ومعنى قوله يسبحون الليل والنهار لا يفترون مدح لهم على المواظبة على الطاعة أو لا يقطعهم عنها ما يقطع الناس من الحوائج والأشغال وقول ابن عبّاس ﵁ أنّ
_________________
(١) . كذا في الأصل Ms.marg.
[ ١ / ١٧٧ ]
التسبيح سهل عليهم كالنفس [٣٤] في سرعة المؤاتاة والمطاوعة ويجوز أن يكون من تسبيحهم ما هو اضطرار ومنه ما هو اختيار فإن قيل إذا كانت الطاعة منهم باختيار فهل لهم على ذلك من ثواب فمن قائل أن ثوابهم تقريب المنزلة ورفع الدرجة وآخر أنه زيادة القوّة على الطاعة وتجديد الجِدّ والنشاط في العبادة وآخر أنه اخدامهم أهل الجنّة وليس الثواب كلّه المطعمُ والمشربُ لأنهم ليسوا بذوي أجسام مجوّفة فيُلجئهم الحاجة إلى ما يحتاج إليه ذوو الأجسام المجوّفة وقد قيل أنّ ثوابهم أن يستجيب دعاؤهم في الموحّدين وذلك قوله تعالى الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمن حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ به ٤٠: ٧ ويستغفرون للذين آمنوا ربّنا وسعت كلّ شيءٍ رحمة وعلما الآية فطاعتهم مذخلقوا ان يستجاب في الموحّدين ولهم مسألة وتضرّع وطاعتهم بعد ذلك بشكر وبعرف [١] واختلفوا في الملائكة وصالحي المؤمنين أيّهم أفضل فذهب كثير من المسلمين إلى تفضيل الملائكة واحتجّوا بقوله تعالى قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ الله وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ ٦: ٥٠
_________________
(١) . كذا في الأصل Indicationmarg.
[ ١ / ١٧٨ ]
وقوله تعالى فيما يحكى عن الشيطان ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا من الْخالِدِينَ ٧: ٢٠ وقول صواحب يوسف ما هذا بَشَرًا إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ ١٢: ٣١ وقوله تعالى لا يَعْصُونَ الله ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ٦٦: ٦ وقوله تعالى يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ ٢١: ٢٠ وقوله وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ في الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ من الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا ١٧: ٧٠ فلمّا لم يقُلْ على من خلقنا علمنا أن هاهنا من هو أفضل منهم قالوا وهل يستوي حال من لا يُعصى قطّ وحال من لا يتعرّى عن معصيته وكيف بفضيلة عمل مَنْ أقصى عُمره مائة سنة وفضيلة مَنْ عُمره الأبد وذهب إلى أنّ صالحي المؤمنين أفضل لمكابدتهم مشقّة الطاعة مع منازعة الشهوة وممانعة الشيطان والعمل بالغيب خوفًا وطمعًا وإنّى يقع طاعة من أُصْفِي عن شوائب الهوى وأُخْلص من مزاحمة [١] الشهوة وأُمِدّ بظلّ العصمة وحُرسَ من الوساوس من طاعة مجبول على الهوى مطبوع على الشهوات موكّل به أعداء من نفسه وجنسه وشيطانه وانّما يستحقّ
_________________
(١) . مزاج Corr.marg.
[ ١ / ١٧٩ ]
العمل تمام الفضيلة باحتمال الكدّ والعناء والمشقّة فيه قالوا وليس ينكر [١] أن الملائكة أفضل من الناس ومن كثير من أهل الإسلام حتّى تكرمنا [٢] ما تلاه خصمنا من الآيات وإنّما تفضيلنا فاضلي المؤمنين وصالحيهم وقد أسجدهم الله لصفيّه آدم عم فهلاّ كان ذلك على سَبْقه بالفضيلة وقال جلّ وعزّ وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ الله هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ ٦٦: ٤ فقدّم صالحي المؤمنين بالذكر لفضيلتهم على كثير من الملائكة وليس في وجوب الإيمان بهم أكثر فضيلة من وجوب الإيمان بالمؤمنين قال الله ﷿ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ٩: ٦١ ثم هم مع ذلك خَوَلٌ لبني آدم وحفظة عليهم وقد رُوي في الحديث أنّ الملائكة سألوا الجنّة فقال الله سبحانه لا أجعل صالح من خلقتُ بيديّ كمن قلتُ له كن فكان ورُوينا عن كعب أنّه قال ركب الله في الملائكة العقل بلا شهوة وفي البهائم الشهوة بلا عقل وفي ابن آدم كليهما فمن غلب عقله
_________________
(١) . [؟] نكر Ms.
(٢) . [؟] كرمنا Ms.
[ ١ / ١٨٠ ]
شهوتَه فهو خير [٣٤] من الملائكة ومن غلب شهوتُه عقلَه فهو شرٌّ من البهائم واحتجّ بعضُ المتأخّرين بقول شاعر يمدح ابن موسى الرضا ويقال هي لأبى نواس [خفيف] قيل لي أنت أوحد النّاس في كلّ مقالٍ من الكلام النَبيهِ
لك من جيدَ الكلام نظامٌ يُجتَنَى الدُرُّ من يَدَي مُجْتَنِيهِ
فلماذا تركتَ مَدْحَ ابن موسى والخصالَ الّتي يجمعْنَ فيهِ
قُلْتُ لا أَهتدي لمدح إمامٍ كان جبرئيل خادمًا لأبيهِ