[ ١ / ٧٧ ]
أقول أن السؤال عن المائيّة والمنيّة والهويّة محالٌ من وجه التفتيش عن ذاته لأنّ الإشارة إلى هذه الأشياء تصوّرها في الوهم ولا يتصوّر في الوهم غير محدود أو نظير محسوس وهذه من صفات الحدث فإمّا أن أراد السؤال عن إثباته وإثبات صفاته فلا وذلك كقائل يزعم أنه قد ثبت عندي وجود البارئ سبحانه فما هو فالجواب الصواب أنه هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ ٥٧: ٣ القديم الخالق حتى يُعدُّ جميع أسمائه وصفاته فإن زعم أنه سأل عن هويّة ذاته قيل غير محسوسة ولا موهومة ولا معلومة بالإدراك والإحاطة فإن زعم أن هذا من صفاته الاشيّة والبطلان فهذا من وساوس الجهل وهذيان الخطل ويكلّم في إيجاب الصنعة الصانع والفعل الفاعل بما قد سبق ذكره فإن طلب نظيرًا أو شبيهًا بهذه الصفات فهذا يكلّفنا أن نتّخذ إلهين [١] اثنين محسوسًا وغير محسوس ثمّ نشبّه الغائب بالشاهد ليتحقّقه وما من إلهٍ إلّا إله واحد وليس يجب علم ما تيقّنّاه لجهل ما جهلنا ألا ترى أنّا إذا آنَسْنا شخصًا في السواد ولم نعلم ما هو ومن هو لم يجب ان
_________________
(١) . الاهين Ms.
[ ١ / ٧٨ ]
نُبطِل علمنا في ذات الشخص بما خفي علينا من بعض هيئاته كذلك لمّا قامت الدلالة أن يستحيل وجود فعل لا من فاعل ثم وجدنا فعلًا لم نشاهد فاعله لم يجب أن نُبطل علمنا البديهيّ بجهلنا وقد سئل رسول الله ﷺ عن هويّته فنزل الجواب في صفاته قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ الله الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ١١٢: ١- ٤ [١] فأخبر أنّه أحد لا كأحدٍ وصَمَد لا كصمد لم يلد ولم يولد يعني الملائكة وسائر الناس من الخلائق الروحانيّين بقوله ولم يكن له كفؤًا أحد فنفى النظير والشبيه عنه وقال الرسول عليه السلم فيما رُوِيَ لرجل من الأعراب سأله عنه هو الذي إذا مسّك ضرٌّ فدعوتَه أجابك وإذا أصابتك سنةً فدعوتَه امطر السحاب وأنبت النبات [١٦] وإذا ضلَّتْ راحلتُك بفلاةٍ من الأرض فدعوتَه ردّها إليك فجعل يدلّ على ربّه بدلالة فعله وشهادة الكتاب تُغْنِيْ [٢] عن طلب الأسانيد لمثل هذه الأخبار بقول الله تعالى أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ ٢٧: ٦٢
_________________
(١) Qor.،sour.CXII.
(٢) . يغنى Ms.
[ ١ / ٧٩ ]
[١] وفي رواية المَقْبريّ عن أبى هريرة ﵁ أن النبي ﷺ [قال] أنّ الشيطان يأتي أحدكم فلا يزال يقول له مَنْ خَلَقَ هذا فتقول الله حتّى يقول فمن خلق اللهَ فإذا سمعتم ذلك فافزعوا إلى سورة الإخلاص فقال أبو هريرة ﵁ فبينا أنا قاعد إذ أتاني آتٍ فقال مَن خلق السماء فقلت الله قال فمن خلق الأرض قلت الله قال فمن خلق الخلق قلتُ الله قال فمن خلق الله فقُمْتُ وقلت صدقَ رسول الله ﷺ قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ الله الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ١١٢: ١- ٤ ولهذا نهى عن التفكّر فيه إذ لا مطلع للوهم والفكر عليه من طلب ما لا سبيل إليه رجع بأحد الأمرَيْن إِمّا شاكًّا وإمّا جاحدًا والجحود والشكّ فيه كُفْر وقد قيل تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق لأنّ الخلق يدلّ عليه والخالق لا يُدْرَك ولا أَعلمُ أحدًا من أصناف الخلق والأمم إلاّ وهو مقرّ بوجود شيء في الغائب خلاف الحاضر فمن ذلك قول الفلاسفة الهيولي وإنه خلاف الأجرام العلويّة والسُّفليّة ومنهم من يقول بحيٍّ ناطق لا يجوز عليه
_________________
(١) Qor.،sour.XXVII،v.٦٣.
[ ١ / ٨٠ ]
الموت وهو لم يشاهده حيًّا ناطقًا إلاّ ميتًا ومنهم من قال بأنّ جوهرَ الأفلاك من غير الطبائع الأربع وهو لم يشاهد شيئا من عين الطبائع ومن قال بمواضع من الأرض يبلغ طول النهار بها أربعة وعشرين ساعة ومواضع يغيب الشمس عنها ستّة أشهر وهو لم يشاهدها ومن قال بأنّ النطفة تنقلب علقةً والعلقة تنقلب مضغةً ولم يشاهدها عيانًا ومن قال بأرض لا بتركب منها حيوان ولا نبات ومن قال من الثنويّة بنور خالصٍ في الغائب وظلمة خالصة غير مماسَّيْن ولا ممتزجّيْن وهو لم يشاهد جسمًا إلاّ مؤلّفًا مركّبًا في أَشْباهٍ لهذا يطول الكلام بذكرها حتّى تعلم ان قول القائل لا شيء غير ما يعاينه [١] ولا شيء غاب عنه إلاّ كما يشاهده محال باطل وبعد فانّا نجدُ الحركة والسكون والاجتماع والافتراق والفَرَح والحُزْن واللذّة والكراهية والحبّ والبُغض وغير ذلك من كثير من الأعراض ولا يمكن صفتها بطول ولا لون ولا عَرْضٍ ولا ريح ولا طعم أو صفة من الصفات ثمّ لم يجب إبطالها لعدم صفاتها وكذلك العقل والفهم والنفس والروح
_________________
(١) . يعانيه Ms.
[ ١ / ٨١ ]
والنوم لا شكّ أنّها أشياء ثابتة ولها ذوات قائمة من الأعراض ثم لا يُحاط بكميتها ولا بكيفيتها غير وجودها فإذا كانت هذه الأشياء قُربها منّا وتمكّنها فينا ونعجز عن الاحاطة بها ولم يجز إنكارها لوجوهها وكيف بمُبْدِعها ومُنْشئها ومُقيمها على مراتبها وكلّ صانع لا شكّ أَعْلى رتبةً من مصنوعاته وأَرفع درجةً فإن قال قائل سَوَّيْتَ بين صفات العقل والروح والنفس وسائر ما ذكرت وبين البارئ الذي يدعونا إليه وتساوي الصفات يوجب تساوي الموصوفات فما ينكر ممّن يزعم أنه هو النفس أو العقل لا من الناس من يقول هو نفس [١٧] الخلائق ومنهم من يقول هو عقولهم قيل إنما يجب تساوي الموصوفات إذا تساوت حدود الصفات فأمّا الألفاظ فمشتركة والمعاني مختلفة ألا ترى أنّا نقول له هو ولغيره هو ونقول هو واحد ولغيره ممّا يتميّز من الأعداد واحد ونقول ذاته ولغيره من الحيوان والنبات ذواتها ونقول قال الله وفعل الله فقال فلان وفعل فلان لأنّ الألفاظ سِمَاتٌ للمعاني لا يمكن العبارة إلاّ بها فإذا جِئْنا إلى التفصيل قلنا فِعْلُ الإِنسان بجارحةٍ وفِعْله ليس بجارحة وفعل
[ ١ / ٨٢ ]
الإنسان بآلةٍ وفِعْله ليس بآلةٍ وفعل الإنسان في زمان ومكان وفعل الله قبل الزمان والمكان فهَلْ بقى بين الفعلَيْن من التشابه غير سمة اللفظ وهكذا سائر الأوصاف ثمّ من الدلائل على أنّ البارئ ﷻ ليس بالنفس ولا بالعقل ولا بالروح كما ذهب إليه من ذهب أن الأنفس متجزّئة قد فرّقت بينها الهياكل والأشخاص والتجزّي تفرُّق والتفرُّق عارض ولا متفرّق إلاّ ومتوهّم تجمعه والتجمّع عارض وقد يعيش عائش ويموت مائت ولا يخلو [١] من أن تبطُل نفسٌ بموت صاحبها أو ترجع إلى كلّيتها أو تنتقل إلى غيره والبطلان والرجوع كلّها أعراض وقد أَوضَحْنا الدلالة على حدث الأعراض وهكذا القول في الأرواح على السواء وكذلك تفاوت العقول واختلافها وما يعرِضُ فيها من الخلل والنقص والسهو والغلط كلّها من دليل الحدث وما العقل في قصور المعرفة إلاّ بمنزلة سَمْع الأذن وبصر العين وشمّ الأنف كلّها موجودة غير معلومة الكيفيّة والكميّة فإن قيل أَلَهُ هُويّة وإن لم نعلمها قيل الهويّة إضافة هو الى
_________________
(١) . [؟] لي Ms.
[ ١ / ٨٣ ]
معناه [١] وهو إشارة فإما معنى الهويّة فالذات وأي لعمري له ذات عالمة سميعة بصيرة قادرة حيّة غير معلومة كيفيّتها فإن قيل فهو عالم بذاته قيل له ليس هو غير ذاته فتكون معلومة له غير علمه ويكون له من ذاته علم ومعلوم وقد قال قوم أنه هو الطبائع ومنه حّدّثُ العالم وتركّبه فالطبائع أشياء متنافرة متضادّة مقهورة مجبورة وهذه هي علامات الحدث ثمّ هي غير حيّة ولا عالمة ولا مختارة ولا قادرة فيصحّ منها هذه الأفعال المحكمة المُتْقَنَة فإن أطلقوا عليها هذه الصفات فهي البارئ بزعمهم وإنّما غلطوا في التسمية وإن أَبَوْا في الفعل لا يصحّ إلاّ ممّن هذه صفاتُه واختلف أهل الإسلام في أشياء من هذا الباب فأنكر كثير منهم القول بالأَيْنيّة والمائيّة ولا يخلوان من أن يكونا إياه أو غيره أو بعضه فإن كانا غيره أو بعضه انتقض التوحيد وإن كانا إيّاه فهو إذًا أشياء كثيرة وقال ضرار بن عمرو وأبو حنيفة ﵄ له أينيّة ومائيَة لأنّه لا يكون شيء موجود إلاّ وله أينيّة ومائيّة وعلّة الأينيّة غير علّة
_________________
(١) . معناها Corr.marg.،ms.
[ ١ / ٨٤ ]
المائية وذلك أنك تسمع الصوت فتعلم أنّ له مُصوّتًا وتجهل ما هو ثمّ تراه بعد ذلك فتعلم ما هو فعِلْمُك ما هو غير علمك بأينيّته ومعنى المائية عندهما أنه يعلم نفسَه بالمشاهدة لا بدليل كما نعلمه واختلف المُشبّهة فزعمت النصارى أنه جوهر قديم وزعم هشام بن الحكم وابو جعفر الأحول الملقّب بشيطان الطاق انه جسم محدود متناهٍ وقال هشام هو جسم مُصْمَتٌ له قدر من الأقدار من العَرْض كأنه [١٧] سبيكة تلأْلأْ كالدُرّة من جميع أطرافها واحدة ليس بمجوّف ولا متخلخل وحُكى عن مُقاتل أنه قال على صورة إنسان لحمٍ ودمٍ وسُئل هشام كيف معبودُك فأوقد سراجًا وقال هكذا إلاّ أنّه لا ذُبالة له وقال قومٌ جسم فضاء مكان الأشياء كلّها وأكبر من كلّ شيء وقال قوم هو الشمس بعينها وزعم قوم إنه المسيح وقال قوم هو علي بن أبي طالب وذهب قومٌ إلى أشياء كثيرة متبعّضة مختلفة القوى والفعل إلاّ أنّ بعضها متّصل ببعض وبعضها أعلى من بعض فأعلاها البارئ سبحانه ويزعمون أنه لا جسم له ولا صفة ولا يُعرف ولا يعلم ولا يجوز أن يُذْكَر ودونه العقل
[ ١ / ٨٥ ]
ودون العقل النفس ودون النفس الهيولي ودون الهيولي الأثير ثم الطبائع ويرون كلّ حركة أو قُوّة حسّاسة أَو نَامية منه وسيمرّ بك النقض عليهم مجملًا في باب التوحيد إن شاء الله وأحسن ما أختاره في هذا الفصل أَلاّ يخوض الإنسان في شيء منه إلاّ بإثبات الذات بدلائل الصفات فإمّا ما سِوَى ذلك فيسكت عنه وليقتَدِ نبيّ الله موسى حيثُ قال له الكافر وَما رَبُّ الْعالَمِينَ قال رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ ٢٦: ٢٣- ٢٤ [١] هذا طريق السلامة فإن سأل بعضُ مَنْ لا يعلم كيف هو وأين هو وكم هو فإنّ كيف يوجب التشبيه ولا شبه له وكم استخبار عن العدد وهو واحد وأين طلب المكان وليس بجسم فيُشْغِل الأماكن،