أقول أنّ اسم العلم قد يطلق في الجملة على الفهم والوهم والذهن والفطنة واليقين والخطرة
[ ١ / ٢٠ ]
والمعرفة وكلّ ما يحصل منه إدراك شيء ظاهرًا أو باطنًا ببديهة عقل أو مباشرة حاسّة أو استعمال آلة كالاستدلال والفكرة والبحث والتمييز والقياس والاجتهاد لأنّ هذه الخصال كلّها آلات ادراك العلم وطُرُق التوصّل إليه وممّا يصاب من هذه الجهة فروع بالإضافة إلى علم البدائه والحواسّ [أ] لا ترى أن الإنسان العاقل المميّز مضطرّ إلى شواهد عقله وحسّه غير مضطّر إلى استدلاله وبحثه أو لا ترى أن لا سبيل إلى البحث والاستدلال لمن عرى من عقله أو أصيب بحسه فأوّل العلم الخطرة الصادقة وهو كالبديهة مثلا بل بقوة البديهة وآخره اليقين وهو استقرار الحقّ وانتفاء الشك والشبهة عنه وإنما اشترطنا في الخطرة الصدق لأنه قد يخطر النفس والهوى والطبع والعادة بما لا حقيقة له فلا يجوز أن يعدّ من آخر العلم اليقين الذي يُحيط بالأشياء على وجهها ويدركها بكنهها والمعرفة ادراك أينية [١] الشيء وذاته فمن قائل انّها ضرورة وآخر أنّها [٦] مكتسبة والفرق بينها وبين العلم إن العلم الإحاطة بذات الشيء عينه وحده والمعرفة ادراك ذاته
_________________
(١) . أبنية MS.
[ ١ / ٢١ ]
وثباته وإن لم يدرك حدّه وحقيقته فالعلم اعمّ وابلغ لأن كلّ معلوم معروف وليس كلّ معروف معلومًا ألا ترى أنّ الموحّدين يعرفون ربّهم ولا يعلمونه إلا بالإثبات لأنَّ الكيفيّة والكميّة عنه منفيتانِ، والوّهْم اعتقاد صورة شيء محسوس أو مظنون وان كان منفيًا وجودُه في الظاهر لأنَّ قوة الوهم في انبساطها تضعُف فلذلك [ترى] ما لا تراه العيون وكذلك العين إذا امتدت قوّة بصرها وبعدت مسافة المرئيّ عنها رأته على خلاف ما هو به من الصغَر والعظم والصورة واللون وغير ذلك من الهيئات وما خلا عن الهيئات والصفات والحدود كلّها فلا يمسّها الوهم ولا يتصوّر في النفس والفهم هو المعرفة وقوّة الذهن قريبة من قوّة العقل غير أنّ الذهن والفهم تطبّع والفطنة قريبة المعنى من الذهن وانّما احتجنا إلى هذا لأن كثيرًا من الناس يولعون بالبحث عن هذه الأسامي ويستفرقون بينها وأما الأسباب التي يتوصّل بها إلى ما خفى من العلم فالفكرة وهي البحث عن علّة الشيء وحدّه الرأي والرويّة والاستنباط انتزاع ما في طي المعقول والمحسوس والاستدلال والاجتهاد وقد عدّ قومٌ ميل العادة والطبع إلا ما يميلان إليه
[ ١ / ٢٢ ]
أو ينفران منه علمًا فهذه جملة أصول العلم وطُرقها ومحصولها راجع إلى ثلاثة أصناف إلى المعقول بديهةً والمحسوس ضرورة لأن ما يدرك بهما يدرك بلا واسطة ومقدّمات والثالث المستدلّ عليه المستنبط بالبحث والإمارة فهذه يقع فيها الاختلاف والإضطراب لخروجه عن حيّز الحاسة والبديهة وتفاوت قُوى المستدلّين والناظرين وتفاوت أرائهم وعقولهم.
وهذا يكثر حدًّا وفيه صُنفت الكتب ودُونت الدواوين من علمي الحكمة والملّة مُذ قامت الدنيا على ساقها ولا يزال كذلك إلى انقضاء الدهور وتخرُّم الأيام وكثير من الناس أبوا أن يسمّوا علم البديهة والحسّ علمًا على الحقيقة لاشتراك الناس كلّهم فيه واستواء درجاتهم في ذلك ثم هو غير مستفاد ولا مكتسب بل أوجبه الطبع العزيزة وقوّة التمييز والخلقة،