أقول أنّ المسلمين ومن قبلهم اختلفوا في هذا الباب اختلافًا كثيرًا فزعمت طائفة أنّ الوحي إلهام وتوفيق وزعم آخرون أنّه قوّة الروح القُدسيّ وعند الفلاسفة النبوّةُ علم وعمل والمسلمون يقولون الوحي على وجوه فمنه الإلهام ومنه الرويا ومنه تلقين ومنه تنزيل وهذه مسألة من فصل الصفات أغفلناها في موضعها فحرّرناها في هذا الفصل وهي كيفيّة القول والفعل من الله لأنّ أهل الإسلام في ذلك مختلفون فزعم بعضهم أنّ كلام الله فعل منه فهو به متكلّم وكذلك إرادته ومشيّته وحبّه وبُغضه وقوله كُنْ فَيَكُونُ ٢: ١١٧ تكوين منه للشيء والقول زيادة قالوا لأنّ هذه الأشياء أعراض تحلّ في مواضع لها معلومة وليس هو بمحلّ الأعراض وقال عامّتهم أن الفعل تكوين [٢٢] وإيجاد من غير معالجة بجارحةٍ إلاّ مَنْ شَذّ فزعم أنّه يخلق بيدَيْه والأفعال على وجوه كثيرة فمنه الفعل بالقصد والاختيار ومنه الفعال من غير قصد على السَهْو ومنه الفعل بالاتّفاق والبحث
[ ١ / ١١٣ ]
وكلّها حركات ومنه فعل التولّد كما ينفعل الشيء بطبعه وفعل الله تعالى غير مُشبّه بشيء ممّا ذكرنا وزعم قوم أنّ كلامه ليس من أفعاله وفرقوا بين القول والفعل ولقد امتدّ بنا القول إلى هذه وما كان قصدُنا أن نبلغ كلّه ولكن لما رجونا من الخير وأمّلناه من هُدَاتِهِ الناظر في كتابنا واهتدائه به ولمّا نرى من فساد الزمان وأهله وتحرم طالع الإلحاد والنفاق وإعجاب كلّ ذي حرفين بنفسه لانتقاض العلماء ودروس آثارهم وما قدّمت من عمل هو أَوْكَدَ في نفسي أم لا [١] وأوثق عُدّة من جميع هذا الكلام والاجتهاد في شرحه وأسئل الله الذي منّ وأعان أن يعصم من نزعات الشيطان وينفع به الناظرين والمستفيدين وإن يرحم من عذرنا في تقصير إن كان منّا وقام بتقويم أَوَدِهِ وإصلاح غلطة مشاركًا لنا في ثوابه وأجره فلم يتعمّد فيه خطاءً وتحريفًا ولا حملتنا الحميّة والتعصّب على تزيّد أَو إبطال أو تغيير رواية أو حكاية بل سُقناها على وجهها وأدّيناها بأوجز لفظها لعلمنا بعموم الحاجة إليه من الأعاجم والأمّيّين مبتدئ المتعلّمين،
_________________
(١) . املا Ms.
[ ١ / ١١٤ ]