يدل على أن أول ما أوجده الله تعالى القلم واللوح على رواية أبي ظبيان عن ابن عباس ثم العرش والكرسي على رواية مجاهد وقد قال قائل أن أول ما خلق الروح والعقل على رواية الحسن لأن في رواية ابن عباس أنه قال للقلم اكتب فقال أي رب وما اكتب والأمر في الحقيقة والجواب لا يصح إلا من حي عاقل قال ثم الحجب ومنها الغمام والنور والملائكة ثم الرحمة والعذاب يعني الجنة والنار والصراط والميزان وغير ذلك مما ذكر وأول ما خلق في العالم السفلي من الحيوانات الماء والهواء كما قال مجاهد وخلقت الأرض من الماء فهذه أركان العالم ثم النور والظلمة ومن الناس من يفرق بين النور العلوي
[ ١ / ١٥٦ ]
والنور السفلي بأن هذا جسم لطيف وذلك روح خالص مع اختلافهم في الروح أجسم هو أم غير جسم وسيمر بك في بابه مشروحًا مفسرًا إن شاء الله ﷿ فإذا سأل سائل مم خلق الخلق قيل أن الخلق أجزاء مختلفة فعن أي جزء من أجزاء الخلق سؤالك ولن يجاب حتى يشير إلى ما أردنا فإن سأل عن الأرض قيل من زبد الماء كما جاء في الحديث والخبر وان سأل سائل عن السماء قيل من دخان الماء وإن سأل عن الكواكب قيل من ضوء النهار وإن سأل عن الأركان المركبة قيل من البسائط المفردات وإن سأل عن البسائط قيل يمكن أن يكون خلقت مما خلق قبلها ويمكن أن يكون خلقت لا من شيء لأنا نرى الله يخلق الشيء من الشيء ويخلق من لا شيء وقد دللنا على أن لا شيء غير الله تعالى إلا مخلوق وأن الله ابتدعه بدئًا لا من شيء كما شاء ما لا حاجة إلى إعادة القول فيه بقول الله تعالى بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ٢: ١١٧ وقال الله خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ من ماءٍ ٢٤: ٤٥ وقال الله خَلَقَكُمْ من نَفْسٍ واحِدَةٍ ٤: ١ وقال خَلَقَ الْإِنْسانَ من صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ وَخَلَقَ الْجَانَّ من مارِجٍ
[ ١ / ١٥٧ ]
من نارٍ ٥٥: ١٤- ١٥ مع سائر ما وصفت أنه خلقه من خلق خلقه قبله [٣٠] وكذلك يفعل الشيء بسبب ويفعله بلا سبب موجب قال الله تعالى وَأَنْزَلَ من السَّماءِ ماء فَأَخْرَجَ به من الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ ٢: ٢٢ فأخبر ﷿ أنه جعل سبب إخراج الثمر والنبات إنزال الماء وكذلك جعل سبب كون الإنسان النطفة وسائر ما يوجده ويحدثه وقد أوجد أمهات هذه الأسباب بغير سبب موجب لها بل بقدرته وحكمته وإن سأل سائل فيم خلق قيل فيم سؤال عن المكان ولا مكان ألا وهو مفتقر إلى مكان وقد سبقت الدلالة على فساد الحلول بما ليست له نهاية فلو قال القائل أن العالم لا في مكان لكان قولًا لأنه ليس بأعجب من إقراره بإيجاد الأعيان لا من غير سابقة وقد قيل أنه في خلاء وهو مكان له وزعم آخرون أن العالم بعضه مكان لبعض وفي كتاب وهب بن منبه أن السموات والجنة والنار والدنيا والآخرة والريح والنار كلها في جوف الكرسي فإن صحت الرواية كان الكرسي مكانًا لهذه الأشياء والله اعلم وأحكم،
[ ١ / ١٥٨ ]
وإن سأل كيف خلق قيل كيف سؤال يقتضي التشبيه في الجواب وليس نعلم العالم مثلًا غيره فنشبهه به ولكنا مشاهدين له عند أحداثه ولا فعل الله تعالى بحركة ولا معالجة والكيفية منتفية عن فعله كما هي منتفية عنه سبحانه فإن أردت كيف أوجده من عدم فكيف تراه أجسامًا وجواهر حاملة للأعراض قال له كن فكان كما أخبرنا عنه وإن أردت شكلًا وهيئة لفعله فهذه من حالات الأعراض التي تتعاقب على المخلوقين فإن سأل سائل متى خلق قيل متى سؤال عن المدة والوقت من الزمان والمدة عندنا من حركات الفلك ومدى ما بين الأفعال وقد قامت الدلالة على حدث الفلك ولا يطلق المسلمون القول بأن الله تعالى لم يزل يفعل لأن ذلك يوجب أزلية الخلق ويؤدي إلى قول من يرى المعلول مع العلة حتى يكون بين فعل سابق له إلى أن فعل العالم مدة وقد زعم بعض الناس أنه أحدث زمانًا أوجد فيه العالم كمن قال أنه أحدث مكانا أوجد فيه العالم فقال قوم الزمان ليس بشيء وإن سأل سائل لم خلق قيل لم سؤال عن العلة الموجبة للفعل وفاعل ذلك مضطر غير مختار والمضطر مقهور مغلوب ولا يجوز ذلك في
[ ١ / ١٥٩ ]
صفة القديم فإن أردت بالعلّة الغرض المقصود في الخلق فهو ما ذكرناه في أول هذا الفصل أنه خلق الخلق لرأفته ورحمته وجوده وقدرته لينفعهم وليأكلوا من رزقه وليتقلبوا في نعمته ويستحقوا شرف الثواب بطاعته،
[ ١ / ١٦٠ ]