فإما الذين يرون [٥١] أن العالم لا كون له فإن كون الحيوان عندهم من استحالة بعضه إلى بعض لأنه أجزاء العالم وكذلك يرى فيثاغورس وأما الفسمد فيرى أن الحيوان
_________________
(١) . بال Ms.
[ ٢ / ٧٤ ]
تولد من الرطوبة وأن كان يغشاه [قشر] مثل قشور السمك ولما أتت عليه السنون صارت إلى الجفاف واليبس فانقشر عنها ذلك القشر وصار حياتها زمانًا يسيرًا وأما ديمقرطيس فيرى أن الحيوانات تولدت وأن كونها من جوهر حارّ وأنّ أوّل ما أحياها هي الحرارة وأما انباذقليس فيرى أن لحون الحيوان والنبات لم يكن في أول الأمر دفعة واحدة لكنها شيء بعد شيء كأنها كانت أعضاء غير مؤتلفة ولا متصلة ثم صارت بعد ذلك متصلة في كون ثان في صورة التماثيل وفي كون ثالث كان بعضها في بعض وفي كون رابع بالاجتماع والتكاثف وكثرة الغذاء فهذا جملة قولهم في ظهور الحيوانات وآدم حيوان فعند بعضهم أن آدم تولد من رطوبة الأرض كما يتولد سائر الهوام وكان جلده كقشر السمك ثم لما أتى الزمان عليه جف وسقط عنه وعند آخر لم يظهر بكماله وأنها ظهر شيئًا بعد شيء ثم تركبت واتصلت على مرور الزمان وصار إنسانًا تامًا واختلف المنجمون في ذلك فمنهم من يزعم أن الفلك دار كذا وكذا ألف سنة فكلما دار على استقامة ظهر نوع من الخلق إلى أن دار على أتمّ
_________________
(١) . أ [؟] م Ms.
[ ٢ / ٧٥ ]
الاستقامة وأكمل الاعتدال فظهر هذا الإنسان الذي لا شيء أكمل ولا أفضل منه ومنهم من يزعم أن الكواكب السبعة لما اجتمعت كلها في أول درجة من الحمل ظهر جنس البهائم ثم لما اجتمعت في أول درجة من الجوزاء ظهر جنس الناس ولما اجتمعت كلها في أول درجة من الثور ظهر جنس من النبات ومنهم من يزعم أن الفلك لما دار على استقامة ظهرت البهائم ثم دار على أعدل من ذلك فأظهر القرد وكاد يكون إنسانًا ولا شيء أشبه به منه ثم دار على غاية العدل فأظهر الإنسان واختلف سائر الأمم في ذلك فزعمت فرقة من الهند أن أول ما كان من ظهور الإنسان أن السماء ذكر والأرض أنثى وأنه مطرت السماء فقبلت الأرض ماءها بمنزلة قبول المرأة ماء الرجل في رحمها وأجلها الفلك بسرعة جريه ودورانه فبدأ أول ما بدأ هذا النبت الشبيه بالإنسان الذي يسمى يبروح [١] الصنمي ثم ألح عليه الفلك بدورانه حتى أقلع من منبته وأفاده حركة مكانته فصار إنسانًا يسعى كما ترى وفي كتاب الفرس أن الله خلق الخلق في ثلاثمائة
_________________
(١) . [؟] بروح Ms.
[ ٢ / ٧٦ ]
وستين [١] يومًا ووضع ذلك على أزمنة الكاه انبار فخلق السماء في خمسة وأربعين يومًا والماء في ستين يومًا والأرض في خمسة وستين يومًا والنبات في ثلاثين يومًا وخلق الإنسان في سبعين يومًا وسماه كيومرث وأنه كان في جبل يسمى كوشاه ولم يزل يعمل الخير والعبادة وكان في سياحته ثلاثين سنة ثم طعنه إبليس فقتله فسال من طعنته دمه وصار ثلاثة أثلاث فثلث منه أخذته الشياطين وثلث أمر الله روشنك الملك أن يأخذه ويصونه وثلث قبلته الأرض فصارت محفوظة أربعين سنة ثم أنبت الله منه نباتًا كهيئات الريباس وظهر في وسط ذلك النبات صورتان ملتفان بورق ذلك النبات [٥١] أحدهما ذكر والآخر أنثى واسم الذكر منها ميشي [٢] واسم الأنثى ميشانه [٣] ومرتبة هذين عند الفرس مرتبة آدم وحواء عند أهل الكتاب وسائر الأمم قالوا ثم ألقى الله في قلوبهما شهوة المباضعة بعد ما أجرى فيهما روح الحياة فاجتمعا وتوالدا وصار نسل الناس
_________________
(١) . ستّون Ms.
(٢) . مبشى Ms.
(٣) . مبشانه Ms.
[ ٢ / ٧٧ ]
منهما وقال قوم أن الفلك لحركاته ابتداء وتوسط وغاية فظهر من ابتداء حركته النبات وفيه أدنى القوى ثم انضمت إلى القوتين قوة الغاية والتمام فظهر الإنسان قالوا ولا قوّة في الفلك أتم وأبلغ من هذه القوة التي أظهرت الإنسان ولا صورة أتم وأكمل منه ولذلك اجتمعت فيه القوى كلّها قوّة النماء وقوة الحس والحركة وقوة النطق والتمييز ومن هاهنا قالوا الإنسان ثمرة العالم وقالوا هو العالم الأصغر إذ لا يوجد في العالم شيء إلا وجد له شبيه في الإنسان لأن فيه ظاهرًا هو جسمه وباطنًا هو روحه وأربع طبائع من اسطقساته فالسوداء باردة يابسة من طبع الأرض والصفراء حارة يابسة من طبع النار والبلغم بارد رطب من طبع الماء والدم حار رطب من طبع الهواء ولحمه كالأرض وعظامه كالجبال وشعره كنبات الأرض وأعضاءه كالأقاليم وعروقه كالأنهار ومنافذه [١] ومفاوز [٢] عرقه كالعيون ورأسه الفلك محيط به وفيه نيّرانه كنجوم الفلك وظهره كالبر وبطنه كالبحر وفي بطنه ألوان مختلفة
_________________
(١) . ومنافده Ms.
(٢) . ومفاور Ms.
[ ٢ / ٧٨ ]
من المياه والحيوان كنحو ما في بطن الأرض وفي يديه الدوابّ المتولّدة كالدواب المتولدة في الأرض وفيه النماء كما في النبات والحركة الكامنة كالبهائم والغضب كما في السباع وفيه عقله وحيوته كالإله المدبر له المعرف له قالوا ولا متفرق لو جمع كان منه إنسان إلا العالم ولا مجتمع لو فرق كان منه [العالم] إلا الإنسان [١] والعالم الأكبر عالم بالفعل إنسان بالقوة فالإنسان إنسان بالفعل وهو العالم بالقوة [٢] وفي النبات امتزاج ضعيف فلذلك لم يبلغ درجة الحساسة وفي البهائم امتزاج أقوى من ذلك فلذلك تحركت وأحست وفي الإنسان امتزاج على تعديل ونظام قالوا وقد صح حكم الحكماء أن آخر العمل أول الفكرة وأول الفكرة آخر العمل فلما كان الإنسان آخر عمل الصانع صح أنه أول فكرة الصانع وهذا رأي أكثر الفلاسفة وقال بعضهم في تفصيل الإنسان وقسمة أجزاء الحيوان فالعالم فيه يداه جناحاه وأظفاره مخالبه وعيناه شمسه وقمره ورجلاه قوائمه ورأسه سماؤه ومثانته بحاره
_________________
(١) dditionmarginale. [١] dditionmarginale.
[ ٢ / ٧٩ ]
وأضراسه طواحنه ومعدته خزانته حتى عد جميع أجزائه وأعضائه الظاهرة والباطنة وهذا كله سهل يسير لأنا لا ننكر خلق الإنسان في هذا العالم من العالم والكلام فيه حرفان إما أن كان هو بنفسه من غير مكون فهو محال وإما أن كان كونه غيره مكون فهو الذي يقطع الشغب بيننا وبينهم وإما أن يكون هو لم يزل فأثر الحدث فيه يرد هذا القول وقد سبق من الحجة في الفصل الأول ما يدل على فساد هذه الدعوى بقي الكلام في كيف أوجد وليس ممكن مشاهدة الخبر في مثله إلا عن وحي أو رسالة فانتصر إلى ما في كتب الله وأخبار رسله صلوات الله عليهم وروى ابن إسحاق أنّ أهل التوراة يدرسون فيها أن خلق [الله] آدم على صورته لما أراد يسلطه على الأرض وما فيها [٥٢] وقد روى هذا الحديث أن النبي ﷺ قال خلق الله آدم على صورته ثم اختلفوا في التأويل وقرأت في نسخة زيادة على ما ذكره ابن إسحاق فقال بعد ذكر خلق السماوات والأرض فال الله يخلق إنسانًا بصورتنا وشبهنا ومثلنا فيكون مسلطًا على سمك البحار والطير والأنعام وكل ماشية على الأرض فخلق آدم على صورته ومثاله ونفخ في وجهه
[ ٢ / ٨٠ ]
نسمة الحياة وسلطه على ما في الأرض وذلك يوم الجمعة واستراح يوم السابع وهو يوم السبت وفسر لي يهودي بالبصرة فزعم في خلق آدم أن الله صوره على الأرض ثم نفخ فيه والله أعلم وروى ابن إسحاق قال بينا آدم يمشي منتصبًا ولم يكن مشى في الأرض حيوان مثله إذ جاء النسر إلى البحر فقال للسمكة إني رأيت خلقًا يمشي على القدمين وله يدان يبطش بهما في يده خمس أصابع فقالت السمكة إني أراك تنعت خلقًا ما أراه يدعك في جو السماء ولا يدعني في قعر البحار وهذا تمثيل والله أعلم وفي كتاب الله الذي لم يلحقه تغيير ولا تحريف وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ من سُلالَةٍ من طِينٍ ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ ٢٣: ١٢- ١٣ يعني ولده وقال عز ذكره إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ الله كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ من تُرابٍ ثُمَّ قال لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ٣: ٥٩ وقال تعالى حكاية عن الشيطان خَلَقْتَنِي من نارٍ وَخَلَقْتَهُ من طِينٍ ٧: ١٢ فأخبر عن ابتداء خلق آدم أنه كان من التراب ثم ضم إليه الماء فكان طينًا ثم سل خلاصة الطين بدلالة قوله تعالى وَإِذْ قال رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَرًا من صَلْصالٍ من حَمَإٍ مَسْنُونٍ ١٥: ٢٨ ثم ترك حتى جف وصلصال كما قال خَلَقَ الْإِنْسانَ من صَلْصالٍ
[ ٢ / ٨١ ]
كَالْفَخَّارِ ٥٥: ١٤ وهذه أحوال كان الله تعالى يحولها على الإنسان تصفيه لطينته وإخلاصًا لنيته إذ لم يخلق كل طين كما يتولد منه الحيوان وينبت منه النبات ولا جعله في جميع الأحوال والهيئات كما يوجد منه ذلك ولو شاء لأوجده ولكن لم يدع حكمته وتدبيره في إظهار قدرته وإبداء حكمته في كل جزء من أجزاء ترتيبه كما يخلق تنسله من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة ولو شاء لأتم خلقه من غير النطفة مع أن أسرار حكمته وعلمه لا مطلع عليها للعباد وجاء فيها من الأحاديث والأخبار ما لو تكلفناها لطال الكتاب بها وخرج عن الغرض المقصود له ولا من بعضها لما فيه من التقريب والتمثيل فزعم بعضهم أنه إنما سمى آدم لأنه خلق من أديم الأرض وقال الضحاك سمى آدم لأنه خلق من الأرض السادسة واسمها كامًا والرواية الأولى أشهر وأعرف وزعم بعضهم أن الله قبض من جميع وجه الأرض من سباخها وبطائحها وأسودها وأحمرها قبضة فلذلك جاء ولد آدم على تلك الألوان أبيض وأسود وأحمر وروى بعضهم أن [الله] جمع في آدم المياه كلها فموضع العذب في فمه والمالح في عينه والمر في أذنه والمنتن في خيشومه وروى في
[ ٢ / ٨٢ ]
خبر أن الله تعالى خمر طينة آدم وأنها لتخرج من أصابعه والله أعلم،