زعمت طائفة منهم أنه لا بدّ من فناء النار وانقضائها يومًا ما رووا فيه روايات فرووا عن ابن مسعود ﵁ انه قال يأتي على جهنم
_________________
(١) . بهرشوع Ms.
[ ١ / ٢٠٠ ]
زمان تخفق [١] أبوابها ليس فيها أحد وذلك بعد ما لبثوا أحقابًا وعن الشعبي جهنم أسرع الدارين خرابًا وعن عمر ﵁ وأرضاه لو لبث أهل النار في عدد رمل عالج لكان لهم يرجون واحتجوا بأشياء من باب التعديل ولم يختلفوا في بقاء الجنة على الأبد وقالوا آخرون أنهما مؤبدتان دائمتان لا تفنيان ولا تزولان واحتجوا بأنه لم يكن لنعم الله انتهاء وجب أن لا يكون لنقمه انقضاء ورووا عن الأوزاعي أنه ذكر هذه الروايات التي احتج بها الأولون وقال قد كان الناس يرجون لأهل النار الخروج عند قوله خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ ١١: ١٠٧ وقوله لابِثِينَ فِيها أَحْقابًا ٧٨: ٢٣ فلما نزلت في المائدة وهي آخر ما نزل في القرآن يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا من النَّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ ٥: ٣٧ علموا أنها لا تفنى أبدًا فإن قيل كيف يجوز على الحكم العدل أن يعاقب على جرم منقض بعقوبة غير منقضية قيل هو الجزاء على السواء وكما أنه لم تقصر مدة عمره على الكفر في دار الدنيا وجب أن لا يقصر عنه العذاب مدة عمره في الآخرة
_________________
(١) [؟] حقق Ms
[ ١ / ٢٠١ ]
وأيضا فإنّ نعمة ما لم تكن منتهية وجب ان لا يكون نقمة منتهية وقد كانت العرب في جاهليتها تؤمن بالجزاء ومن نظر منهم في الكتب كان مقرًا بالجنّة والنار فمنه قول أميّة [وافر]
جهنم تلك لا تبغي بقيا وعدن لا يطالعها رجيم [١]
إذا جهنم ثم فارت وأعرض عن قوابسها الجحيم
يحب بصندل صمّ صلاب كأن الصاحيات لها قضيم [٢]
فتسموا ما يعنيها ضواء ولا يحبو فيبردها السموم
فهم يطفون كالاقذاء فيها لئن [٣] لم يغفر الرب الرحيم
بدانية من الآفات نزه برآء لا يرى فيه سقيم
سواعدها تحلب لا تصرّى بها الأيدي محلّلة تحوم
يغيض حلابها من غير ضرع ولا بشم ولا فيها جزوم
فيحرم عنهم ولكل عرق عجيج [٤] لا أحذ ولا يتيم [٥]
فذا عسل وذا لبن وخمر وقمح في منابته صريم
ونخل ساقط الأكتاف عد خلال أصوله رطب قميم
وتفّاح ورمّان وموز وماء بارد عذب سليم
_________________
(١) . رحيم Ms.
(٢) . [؟] ضيم Ms.
(٣) . لين Ms.
(٤) . عج Ms.
(٥) . [؟] ييم Ms.
[ ١ / ٢٠٢ ]
وفيها لحم شاهدة ونحر [١] وما فاهوا لهم فيها مقيم
وحور لا يرين الشمس فيها على صور الدمى فيها سهوم
نواعم في الأرائك قاصرات فهن عقائل وهم قروم
على سرر ترى متقابلات الاثم النضارة والنعيم
عليهم سندس وجناب ريط وديباج يرى فيها فيوم
وحلوا من أساور من لجين ومن ذهب وعسجدة كريم
ولا لغو ولا تأثيم فيها ولا غول ولا فيها مليم
وكأس لا يصدع شاربيها يلذ بحسن رويتها النديم
يصفوا [٢] في صحاف من لجين ومن ذهب مباركة رذوم
إذا بلغوا التي اجروا إليها تقبلهم وحلل من يصوم
وخفقت البدور وأردفتهم فضول الله وانتهت القسوم
[٣٨] اعلم أن هذه الأشياء ممّا جاءت به الرواية والخبر فمنها ما هو ثواب ومنها ما هو عقاب ومنها ما هو تمييز وتفريق والمسلمون لا يختلفون في أساميها وإنما الخلاف في معانيها فإما الصراط فقد جاء في الحديث أنه ينصب جسر على ظهر
_________________
(١) . [؟] حر Ms.
(٢) . [؟] صفو Ms.
[ ١ / ٢٠٣ ]
جهنم ويحمل الخلق عليه فمن كان من أهل الجنة جازه ومن كان من أهل النار تهافت فيها وقيل في صفته أنه أحد من السيف وأدق من الشعرة دحص [١] مزلة وفيه كلاليب وخطاطيف وسعدان مضرسة وحسك مفلطحة مسيرة كذا سنة صعودًا وهكذا هبوطًا وكذا وطأ والناس يجوزونه بقدر أعمالهم فمنهم من يمر كالبرق الخاطف ومنهم من يمر كالريح العاصف ومنهم من يمر كالطير الهادي ومنهم من يمر كالجواد المضمر ومنهم من يمر عدوًا ومنهم من يمر هرولة ومنهم من يمشي مشيًا ومنهم من يزحف زحفًا ومنهم من يحبو حبوًا ومنهم من يحتضنه بكشحه وصدره والزالون والزالات [٢] كثير وقد أجيب من يزعم أي ظلم أعظم من حمل الناس على ما هذه صورته أنه جعل تمييزًا بين أهل الطاعة وأهل المعصية وعلامة للحق على هلاك من هلك ونجاة من نجا وقد جاء في بعض الأخبار أن أهل الطاعة يجوزونه ولا يشعرون به وقيل ينزوي تحت أقدامهم كما ينزوي الجلدة من النار فإذا استقروا في الجنة قالوا ما بالنا لم نجز الصراط ولم نرد النار التي وعدنا فيقال انكم جزتم الصراط
_________________
(١) . دحض Ms.
(٢) . الرالون والرالات Ms.
[ ١ / ٢٠٤ ]
في الدنيا بأعمالكم ووردتم النار وهي خامدة ومن هاهنا ذهب من ذهب الى تأويل الصراط وما الزم الإنسان وكلف من مشقة الطاعة ومجاهدة النفس فيما ينزع إليه وعلى هذا فسر بعضهم فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ ٩٠: ١١- ١٣ الآية وأما المعتزلة وأهل النظر فإنهم يذهبون إلى أن الصراط هو الدين الذي أمر الله بلزومه والتمسك به وكان أبو الهذيل من بينهم يجيز ما جاء في الخبر كما جاء ويحتج بما ذكرناه بدئًا وأما الميزان فروى كثير من المسلمين أنه خلق على هيئة الميزان التي يتعاطاه الناس بينهم في معاملاتهم ومبايعاتهم يوزن به أعمال العباد والأعمال عندهم مخلوقة وفي كتاب وهب عن ابن عباس ان له كفّتين وعمودا كلّ كفّة طباق الأرض إحداهما من ظلمة والأخرى من نور وعموده ما بين المشرق والمغرب وهو معلق بالعرش وله لسان وصيح ينادي الأسعد فلان والأشقى فلان فإن صحت الرواية فالمعنى فيه ما ذكرناه في الصراط أنه جعل مميزًا فارقًا وهو قول أبي الهذيل يجوز أن ينصب [١] ميزان يجعل رجحانه علامة لمن نجا وخفّته
_________________
(١) . ينضب Ms.
[ ١ / ٢٠٥ ]
علامة لمن هلك وقالت المعتزلة غيره وكثير من الأمة أن الميزان مثل لتسوية الجزاء وتحقيق العدل وهو قول مجاهد والضحاك الشعبي واحتجوا بقول الناس للرجل الأمين العدل ما هو إلا كالميزان المستقيم ألا ترى إلى ما يرثى به عمر بن عبد العزيز ﵀ [بسيط]
قد غيب [١] الدافنون الترب إذ دفنوا بدير سمعان قسطاس الموازين
وانشد الفرّاء بيتا [كامل] قد كنت قبل لقائكم ذا مرة عندي لكل مخاصم ميزان [٣٩] ويسمى الحجة ميزانًا والله اعلم واحكم واختلفوا في الموزون فقال قوم يوزن عين الأعمال فتخف السيئة لأنه يأتيها الإنسان بخفة ونشاط وتثقل الحسنة لأنه يأتيها بعناء وكلفة وقالت طائفة بل يوزن صحف الأعمال وهو قول ابن عباس ﵁ ويعضد رواية عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ يؤتى برجل يوم القيامة ويؤتى بتسعة وتسعين سجلّا
_________________
(١) corriged،aqciteparMasoudi،prairiesd،Or،t.V،p.٤٤٥ [١] بن عيب Ms.
[ ١ / ٢٠٦ ]
كل سجل مد البصر فيها ذنوبه وخطاياه فيوضع في كفة ثم يخرج له قرطاس مثل واشد بطرف سبابته على بعض إبهامه فيه شهادة أن لا إله إلا الله فيوضع في الكفة الأخرى فيرجح به وقال قوم يوزن ثواب الأعمال وذلك أن الله يظهره في صورة ويحدث عند الوزن ثقلًا في الطاعة وخفة في المعصية وكل ما حكى وروى ممكن والله أعلم بالحق وأحكم وأما الأعراف فذكر أنه كسور بين الجنة والنار يوقف عليها قوم إلى أن يقضي الله تعالى بين خلقه مع اختلاف كثير في من يقام عليه ويدل على أنه من الجنة قوله عز وعلا وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا من الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله ٧: ٥٠ [١] وفيه يقول أميّة بن ابى الصلت [بسيط]
وآخرون على الأعراف قد طمعوا بجنة حفها الرمان والحصر
منهم رجال على الرحمن رزقهم مكفر عنهم [٢] الأخباث والوزر
وأما الصور فإن الرواة مختلفة فيه فروى أنه كهيئة القرن
_________________
(١) . ربكم Ms.
(٢) . عنه Ms.
[ ١ / ٢٠٧ ]
يجمع فيه الأرواح ثم ينفخ منه في الأجساد عند البعث وقال قوم يخلق الصور يوم القيامة وتأوّلوا قوله وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ ٦: ٧٣ قال يقول للسماوات كوني صورًا ينفخ فيه وقال بعضهم الصور جمع الصورة وإن صح الخبر كيف أنعم وصاحب الصور قد التقمه وحنا جبهته ينظر متى يؤمر فينفخ لزم التسليم والقول به وأما الحوض جاء في الحديث بروايات مختلفة وقال كثير من أهل التفسير أن الكوثر اسم حوض النبي ﷺ وروى ما بين جنبي حوضي كما بين صنعاء وايلة وآنيته [١] في عدد نجوم السماء ماءه أحلى من العسل وأبرد من الثلج وأشد بياضًا من اللبن من شرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبدًا وقال قوم في تأويل الحوض أنه عمله ودينه وطريقته والله أعلم،
تمّ الجزء الأوّل
_________________
(١) . وانيته Ms.
[ ١ / ٢٠٨ ]