قال بعضهم النفس جسم لطيف له مساحة البدن على طوله وعرضه وعمقه وأنه متداخل بعضه في بعض وكل في كل واستدلوا على أن جميع أجزاء النفس في جميع أجزاء البدن بأنّك كلّما قطعت جزءًا من أجزاء البدن وجدت له ألمًا ولولا النفس لم يألم وقال معمر أن النفس موجودة لا مساحة لها وليست بجسم ولا طول ولا عرض ولا عمق وليست بحاله في الأمكنة
[ ٢ / ١٢٠ ]
ولا يحيط بها المواضع وقد يقال في مجاز اللغة أن النفس في البدن على التدبير والأحداث للأفاعيل ولا يقال هي البدن على السكون والحركة وذلك أن السكون والحركة إنما تجوز على كل ذي مساحة وجسم على ما يحويه الأمكنة ويجوز عليه النقلة من موضع إلى موضع ولا تجوز النقلة على شيء إلا بأحد أمرين إما بجسم يرفع الجسم من مكان إلى مكان فإذا لم يكن جسمًا لم يمكن منه على الرفع والجر وقال إبراهيم النظام الروح هي الحياة المشابكة بهذا الجسم وقال هشام بن الحكم الروح نور من الأنوار والجسد موات وقال ابن الروندي الروح عرض والإنسان هو أعراض مجتمعة ومنهم من يقول الروح هو الجزء الذي لا يتجزأ وهو لا في مكان [٥٩]، ثم اختلف هؤلاء في الإنسان المكلف المثاب المعاقب من هو وما هو قال بشر ابن المعتمر وهشام بن الحكم وأبو الهذيل العلاف وأبو الحسين الخياط هو الروح مع هذا الشخص المرئي وقال إبراهيم النظام الإنسان هو الروح وهو الحياة المشابكة لهذا الجسم ولأنه لا شيء غيره وقال أحمد بن يحيى الإنسان مقدار ما في القلب من الروح وقال بعضهم الإنسان هو الجوهر بين
[ ٢ / ١٢١ ]
الجوهرين ومحصول أمرهم على قولين أحدهما أنه الروح وحده والآخر أنه الروح مع البدن واحتج من قال أنه الروح بقوله تعالى أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ الله ٣٩: ٥٦ ويا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ٨٩: ٢٧ فكل ما وقع من الخطاب فمع النفس وهي الروح لا غير واحتج مخالفوهم بقوله تعالى وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ من سُلالَةٍ من طِينٍ ٢٣: ١٢ الآية فأخبر أن الإنسان هو هذا المخلوق وأنه مختص مرئي واختلفوا أهل يحس الميت [١] بعد مفارقة روحه بشيء أم لا ثم اختلف قالوا أنه يحس أو روحه تحس بذلك أم جسده أم روحه مع جسده فأنكر بعضهم أن يكون الميت يشعر بشيء دون يوم القيامة واحتج بقولهم يوم البعث يا وَيْلَنا من بَعَثَنا من مَرْقَدِنا هذا ٣٦: ٥٢ وبقوله وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا ٧٨: ٤٠ وقال بعضهم تحسّ روحه واحتجّ بقوله النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا ٤٠: ٤٦ وبسائر الآيات التي تلوناها في الشهداء والأخبار التي رويناها وقال ابن
_________________
(١) يجى بالألم كما ورد في قوله عليه الصلاة Notemarginale: والسلام يألم الميت كما يألم الحىّ فلذلك قيل للغاسل يغسل الميت برفق في مغسله،
[ ٢ / ١٢٢ ]
الروندي بل يحس [١] الجسد والروح عرض قد بطل قال فالميت يعلم ضربين من العلم ويحس بضرب من الحس قال ولو لم يكن هكذا ما علم إذا أحس أنه كان ميتًا فاحتج بالخبر المروي أن الميت على النعش يسمع نوح أهله وهذه مناظرة جرت بين النظام وبين هشام بن الحكم سأل النظام هشامًا فقال لم زعمت أن الروح إذا بطل استعمالها للجسد رجعت ففعلت في نفسها إدراك الأشخاص والأشكال بالقوة الروحية قال هشام لأنها ليست بجسم فيدخلها التضاد الذي أحدهما مزيل للإدراك وهو السكون قال النظام فإذا لم يكن جسمًا ولم يدخلها التضاد على قولك فما الذي يوجب لها إدراك ما ليس بحضرتها قال هشام قوة الانبساط وارتفاعهما على السترات وأنها لم تدرك الأشياء توهمًا وتقديرًا على الانفراد إذا كانت إنما تدركها [٢] ملامسة وحسًا على الاجتماع قال النظام وهل يوجب التوهم والتقدير إيجاد الشيء وحضوره قال هشام إن كنت تريد ما يوجب مشاهدة إنه وإن وصفته إدراك فنعم قال النظام فإن كان يوجب إنه وإن وصفته ادراك
_________________
(١) . تحس Ms.
(٢) . يدركها Ms.
[ ٢ / ١٢٣ ]
فما حاجته إلى الحاسة للإدراك قال هشام ليجتمع له إدراك المائية والصفة في الوهم والتقدير وفي المشاهدة والعيان قال النظام وما حاجته إلى هذا وإنما يطلب الإدراك الذي قد وجده بلا حاسة قال هشام ليعلم ما هيئته في الإعلان بالصفة والهيئة كما علمها في الضمير توهمًا وتقديرًا قال النظام وهل يزيده علمه بماهيّته علما بما في الضمير قال هشام نعم يزيده لأن الإدراك بالحواس أولًا والإدراك بالتوهم ثانيًا وذلك إن من لم ير طولًا قط لا يتوهمه حتى يتصور في ضميره فإذا رآه ثم فقده كان مصورًا في الضمير قائمًا لإدراك الروح إذا ترك استعمال الحاسة [وهذه مناظرة ثانية] [١] جرت بين من زعم أن الروح في البدن على معنى التدبير والأحداث [٥٩] للأفاعيل لا على معنى السكون والحلول فيه قالوا لهم خبرونا عن البدن إذا قطعت منه جارحة [٢] هل قطع من الروح شيء قالوا لا ولكن الجزء من الروح الذي كان ساكنًا في اليد إذا قطعت صار في الذراع بمنزلة الشمس في الكوة إذا سدّ الكوّة عاد الشعاع
_________________
(١) Cettephrase،uimanquedanslema.،estretablied،apreslecontexte.
(٢) . جارحة Ms.
[ ٢ / ١٢٤ ]
النافذ إلى جنسه وشكله قالوا فينبغي على قولك إذا قطعت الجوارح والأعضاء كلها أن يزداد بروحه قوة ما يبقى من أجزائه لجمعه فيه إذا كان الروح له مساحة من الطول والعرض والعمق في الجسم وهو جسم لزم أن يكون جسمان في مكان واحد قالوا نقول [١] بالمداخلة والمجاورة وهذه مناظرة ثالثة جرت بين النظام وبين مخالفيه قالوا له أخبرنا عن الإنسان هل يرى قال نعم قد يرى معقولًا قيل فهل يدرك بالبصر قال نعم يدرك بالبصر مفعولا كما يقول القائل قد رأيت الحائط ولم ير غير صفحته التي تليه ويقول رأيت على فلان سيفًا وإنما رأى غمده ويقول رأيت ميّتا وإنّما رأى بدنه قيل له فأخبرنا عن الإنسان ما هو قال لا يخلو هذا السؤال من أحد أمرين إما أن أردتم عن اسمه أو عن خواصه التي يعرف بها وبها يفصل بينه وبين غيره فإن أردتم الاسم فهذا إنسان وإن أردتم الخواص فهو الحياة والموت والنطق والضحك قال وليس نعني بهذا الكلام أنه أبدًا ميت أو ضاحك أو ناطق أو حي وإنما نريد به أن من شأنه وغريزته أنه ممن يموت وأن من شأنه الحياة والضحك
_________________
(١) . [؟] قول Ms.
[ ٢ / ١٢٥ ]
وإن لم يضحك قالوا فأخبرنا عن هذا الإنسان الحي الذي وصفته بالحياة أهو هي أم غيره قال قد وصفته بحياة هي غيره وكذلك إذا مات وصفته بموت هو غيره وحياته وموته عرضان يتضادان فبأحدهما كان حيًا وبالآخر كان ميتًا قالوا فما الحياة والموت قال أما الحياة فمعنى له أمكن أن يكون به محركًا لما حرك ومريدًا لما أراد من أعماله التي يجوز أن يكون منه قيل له وما الأعمال التي يجوز أن يكون منه قال أما ما كان بالاستطاعة فالإرادة لاستخراج الأشياء والعلم والفكرة وما أشبههما وكل فعل كان منه على المفاجأة وليس قبله له فيه إرادة ولا تمثيل فإن ذلك لغريزة قال والموت بخلاف ذلك وهو إذا دخل بالحي بطل معه كل ما ذكرناه لأنه تبطل [١] بحلوله القدرة على ما كان تقدر عليه قبل ذلك فإذا أحياه الله فحي بطبعه وإذا أماته مات وفعله بطبعه قال وليس الموت فناء له لو كان فناء لم يجز أن يقوم الموت فيه وهو بشر وإنما الموت آفة حلّت به فحالت بينه وبين التدبير وهذه مناظرة رابعة
_________________
(١) . [؟] بطل Ms.
[ ٢ / ١٢٦ ]
[جرت] [١] بين من أثبت [٢] الروح جسمًا وبين من نفى أن يكون جسمًا قالوا لهم ما الدليل على أنه ليس بجسم قالوا الدليل عليه أن الأجسام لا يخلو أن تكون ساكنة أم متحركة ولا يكون الساكن والمتحرك إلا بإسكان وتحريك من غيره فلو كان الإنسان جسمًا لكان ساكنًا أو متحركًا ولو كان المسكن له والمحرّك في مثل حاله لزمه ما يلزمه ووجب قود الكلام فيه إلى مسكن له أو محرك ليس بجسم قالوا فهل يسكنه الأعراض قال أما الأعراض التي هي إرادات وغضب [٣] وعلم وشهوة وألم وما أشبه ذلك فنعم وأما الأعراض [٦٠] التي هي ألوان وطعوم وأراييح فلا لأنه لو جاز ذلك لجاز أن يدرك بالمذاقات ويرى بالأبصار ولحاذته الأمكنة قالوا فإذا قلتم إن الإنسان لا تحويه الأمكنة وليس بجسم ولا يوصف بطول ولا عرض ولا عمق قد [٤] شبهتموه باللَّه تعالى قال ليس التشبيه في نفي الأعراض والصفات وإنما التشبيه بين الأعيان بالأعراض المركبة فيها نحو الرجلين القائمين اللذين يوصفان بالقيام الّذي
_________________
(١) dapreslecontexte.
(٢) . أ [؟] بت Ms.
(٣) . غصب Ms.
(٤) . وقد Ms.
[ ٢ / ١٢٧ ]
هو غير هما فيكون كلّ واحد منهما مشبّها لصاحبه في قيامه أو يكون أحدهما جالسًا والآخر قائمًا فيخالفان بالأعراض المركبة فيهما بالتشابه يقع في الإثبات لا في النفي ولو كان التشابه يكون في النفي لكان الإنسان يكون مشبهًا للحيزية [١] إذا كان الحيزية [٢] تنفى [٣] عن الكلية وينفى [٤] ذلك عن الإنسان،