وجدت في كتاب بابًا منفردًا في اختلاف الناس في الدنيا فحكى عن قوم أنهم يقولون الدنيا العالم بأسره وجميع أجزائه في السماء والأرض وما فيهما ومن قوم أنهم يقولون الدنيا تعاقب الفصول الأربعة وبقاء النماء والتناسل فإذا بطل هذا بطلت الدنيا وعن قوم أنهم قالوا أن الدنيا ضوء النهار وظلمة الليل وعن قوم أنهم قالوا أن الدنيا هذا الخلق لا غير فإذا فني فنيت الدنيا وعن قوم أنهم يقولون أن الدنيا سلطان ومال وجاه ودعة وعن قوم الدنيا هي ما بين السماء والأرض وقالوا قوم الدنيا هي الزمان فمن قال أن الدنيا هي هذا الجنس من الخلق قال ابتداؤها عند ظهور النشو ولا بعد ما قبلها من الدنيا من خلق السماوات والأرضين والملائكة وما ذكر من أصناف الخلائق قبل آدم ومن قال هو هذا العالم بأسره عد ما وجد قبل آدم من الدنيا وكذلك من حدها بحد [١] فابتدأ من حيث حدّ قال الله تعالى
_________________
(١) . بحدّ Ms.
[ ٢ / ٦٢ ]
فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ [١] الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ٣١: ٣٣ [٢] وقال تعالى يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي ٨٩: ٢٤ [٣] فأخبر أن الدنيا حياة والآخرة حياة ثم أضاف الفانية إلى الدنيا لفنائها وأضاف الباقية إلى الأخرى لبقائها وإنما سميت الدنيا دنيا لدنوها من الخلق والآخرة آخرة لتأخرها إلى أن تفنى الدنيا فكل ما هو فانٍ أو سيفنى يومًا من الخلق والأمر كائنًا ما كان فهو دنيا وكل ما هو غير فان فهو من الآخرة ألا ترى أنه يقال لمن شاب وانصرم شبابه ذهبت دنياه ولمن ذهب ماله وسقط جاهه [٤٩] ذهبت دنياه ولمن مات هلك دنياه فلا تسمى دنيا إلا كل ما هو فانٍ ذاهب ومثال دنيا فعلى من الدنو كالصغرى والكبرى قال [وافر]
هب الدنيا تساق عليك عفوًا أليس مصير ذاك إلى الزوال
وما دنياك إلا مثل فيء أظلّك ثمّ آذن بالزّوال
ومن هاهنا قيل أن الدنيا دنية كاسمها وأن الدنيا دنى كثيرة
_________________
(١) . حياة Ms.
(٢) . العزيز Ms.
(٣) . لحياتي Ms.
[ ٢ / ٦٣ ]
فكل إنسان له دنيا في نفسه على حدته فماله دنيا له وجاهه دنيا له وأيّامه دنيا له ومكانه دنيا له وكل ما يناله ويسر به مما لا يبقى دنيا له وأنشدنى بعضهم [رمل]
أنت دنيا كيف ذمك لدنيا [١] ألتي أنت هي ومنتهاكا [٢]
ويدل خبر علي بن أبي طالب عم أن الأرض من الدنيا حيث قال [٣] للذي يسمعه يذم، الدنيا مهبط وحي الله ومصلى ملائكته ومتجر أوليائه ويدل أن السماء من الدنيا قوله تعالى يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ٢١: ١٠٤ [٤] فلو كانت من الآخرة لم تطو لأن الآخرة غير فانية،