اختلفوا في الرياح قال الله تعالى وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ٧: ٥٧ فأخبر أنّها بشرى المطر
_________________
(١) . [؟] حلد Ms.
(٢) . افلوطوخس Ms.
[ ٢ / ٢٨ ]
وقال عز ذكره الله الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا ٣٠: ٤٨ فأخبر أنها باعثة الغيم ومثيرة السحاب وقال تعالى وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ ١٥: ٢٢ فأخبر أنها تلقح الشجر والأرض قال الله تعالى وَفي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ ٥١: ٤١ فأخبر أنها ضد الرياح اللاقحة لأنها عذاب واللاقحة رحمة وصح عن النبي ﷺ أنه قال نصرت بالصبا وأهلك عادًا بالدبور وما جنوب إلا صب الله بها غيثا وروى لا تسبوا الرياح فإنها نفس الرحمن وقال المفسرون أن الله تنفس بها عن كمد الأرض وكربة [١] الخلق بما ينزل بها من الغيث ويروح من الهواء وقيل الريح نفس ملك والله أعلم والرياح أربع الصبا والجنوب والشمال والدبور ويقال الريح واحدة وانّما يختلف في المهب من الجهات فالصبا هي القبول ومخرجها بين المشرقين مشرق الصيف ومشرق الشتاء من مطلع الذراع إلى مطلع سعد الذابح والدبور يقابلها والجنوب مخرجها ما بين مشرق الشتاء إلى مغرب الشتاء من مطلع سعد الذابح إلى مسقط العقرب والشمال يقابلها والمطالع مائة وثمانون والمغارب مائة وثمانون لكل مطلع ريح ولكل مغرب ريح وكلها داخلة في
_________________
(١) . كرية Ms.
[ ٢ / ٢٩ ]
هذه الأربع والريح هي الهواء بعينه فإذا أحدث الله فيه حركة هبت واضطربت وكذا يقول أكثر القدماء أن الريح سيلان الهواء ويزعمون أن هبوبها مرور الشمس بالأرض فيرتفع منها البخار فإذا كان البخار رطبًا كان مادة الأمطار وإن كان يابسًا كان مادة الرياح وهذا جائز أن يجعل الله مرور الشمس علة لإثارتها إذا شاء كما جعل السحاب سببًا للمطر وقد جاء في بعض الأخبار أن الصبا من الجنة والدبور من النار وروينا عن الحسن أنه قال الجنوب يخرج من الجنة فيمر [١] بالنار فمن ثم حرها والشمال تخرج من النار فتمر بالجنة فمن ثم بردها وهذا والله أعلم وإن صح إضافة التمثيل لا من التبعيض [٢] كما يقال للرجل الفاضل هو من الملائكة وللشرير هو من الشياطين يراد به التشبيه بهم لا من جنسهم وجملتهم والمنجمون يزعمون أن حرارة الجنوب لمجيئها من بلاد حارة فتقرب الشمس منها وبرد الشمال [٤٤] لبعد الشمس عن تلك النواحي والله أعلم، فأما الغيوم والسحاب والأنداء والضباب فهي بخار يرتفع من الأرض
_________________
(١) . فتمرّ Ms.
(٢) . كذي في الأصل Add.marg.
[ ٢ / ٣٠ ]
فما غلظ منها صار سحابًا وما رق صار ضبابًا وقتامًا قال الله تعالى الله الَّذِي [١] يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا ٣٠: ٤٨ والمنجمون يزعمون أن الشمس تمر بمواضع ندية وبطائح غمر فتثير سحابًا بحرارة مرورها فإذا تكاثف ذلك البخار صار غيمًا قالوا والمطر اجتماع ذلك البخار وانعصاره فيقطر كما يقطر طبق القدر لأن كل شيء ند إذا حمي ثار منه البخار وذلك أن الحرارة إذا خالطت الرطوبة لطفت أجزاءها فصيرتها هواء فإذا كثر في ذلك البخار برد الهواء رده البرد إلى الأرض فتكاثف وانعصر وصار ماء فانحدر فإن كان ذلك المنحدر شيئًا صغيرًا يسيرًا سمي ندًا ولذلك تكون الأنداء في الشتاء وفي الليالي أكثر لكثرة برودة الهواء فإن كان البخار الصاعد خفيفًا يسيرًا وكان البرد الذي هجم عليه من فوق شديدًا صار ذلك البخار جامدًا وإن كان البخار كثيرًا والبرد شديدًا صار ذلك ثلجًا وإن ألح البرد على السحاب انقبض الماء الذي فيه فجمد وصار بردًا وإنما الاختلاف في صغره وكبره لبعد مسافة الغيم من الأرض وقربه فإذا قرب نزل بسرعة لم يذب عن جوانبه شيء فبقي كبير الحبّ
_________________
(١) . والّذي Ms.
[ ٢ / ٣١ ]
والقطر وكذلك المطر وهذا كله ممكن جائز لا نعلم في شيء منه ردًا للكتاب ولا إبطالًا للدين وقد روينا عن ابن عباس ﵁ أن الله ﵎ يرسل الرياح فتثير سحابًا وينزل عليه المطر فتمخضه الريح كما تمخض [١] النتوج بولدها فإما حكاية وهب أن الأرض شكت الى الله أيّام الطوفان [و] انّه جددها فجعل السحاب غربالًا للمطر فإن صح فالمعنى أنه زيد في كثافة السحاب وغلظه [٢] كما كان قول ذلك وقوله تعالى وَيُنَزِّلُ من السَّماءِ من جِبالٍ فِيها من بَرَدٍ ٢٤: ٤٣ فأكثر أهل اللغة على أن البرد في الأرض كالجبال إذا نزل من السماء والسماء السحاب لا يختلف أهل اللغة في ذلك وقال قوم أن الأمطار كلها من بخار الأرض و[ما] البخار إلا [٣] مطرة واحدة ينزلها الله من السماء في كل سنة فيحيي بها الأرض والشجر والنبات وهو قوله وَنَزَّلْنا [٤] من السَّماءِ ماءً مُبارَكًا ٥٠: ٩ الآية والله اعلم،