قال الله ﵎ وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ من حَوْلِ الْعَرْشِ ٣٩: ٧٥ وقال وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ ٦٩: ١٧ فذكر العرش في غير موضع من كتابه وقال وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ٢: ٢٥٥ فلم يجز وقوع الاختلاف فيه بين المسلمين لظاهر شهادة الكتاب وإنما اختلفوا في
[ ١ / ١٦٤ ]
التأويل فقال بعضهم أن العرش شبه السرير واستدلوا على قولهم بقوله أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها ٢٧: ٣٨ وبقوله وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ ١٢: ١٠٠ وكثير من أهل التشبيه يذهب إلى إنه كالسرير له وهو مذهب أهل الكتاب ومن كان من العرب بدينهم يدل عليه قول أميه بن ابى الصلت [كامل]
شد القطوع على المطايا ربنا كل بنعماء الإله مقيّد
فاصحن [١] وافترش الرحائل شرجع نفح على اثباجهن مؤكد
بفصوص ياقوت وكظ بعرشه هول ونار دونه تتوقد [٢]
فعلا طوالات القوائم فاستوى فوق الجلود ومن أراد مخلد
وقال أيضا [خفيف]
مجدوا الله وهو للمجد أهل ربنا في السماء أمسى كبيرا
ذلك المنشئ الحجارة والموتى وأحياهم وكان جديرا
بالبناء الأعلى الذي سبق الناس وسوى فوق السماء سريرا
شرجعًا لا يناله بصر الناس ترى دونه الملائك صورا
_________________
(١) . كذا في الأصل Notemarginale:
(٢) . يتوقد Ms.
[ ١ / ١٦٥ ]
وقال لبيد [كامل]
للَّه نافلة الأجل الأفضل وله العلى ولبيت كل مؤثل
سوى فأغلق دون غرفة عرشه سبعًا طباقًا دون فرع المعقل
وقال كثير من المسلمين أن العرش شيء خلقه الله لمنتهى علم عباده وتعبد الملائكة بتعظيمه والطواف حوله ومسألته الحوائج عنده كما تعبد الناس بتعظيم الكعبة واستنجاح الحوائج لديها والصلاة [١] له إليها لا أن يكون ذلك مكانًا له أو حاملًا جل وتبارك البارئ أن يكون محمولًا أو محدودًا أو محاطًا وبعضهم يقول العرش الملك ويتأول قوله الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى ٢٠: ٥ قال استولى على الملك واحتج بقول الشاعر [طويل]
إذا ما بنو مروان ثلت عروشهم وأودت كما أودت إياد وحمير
[٣٢] وأما الكرسي فخلق مثل العرش وقد روينا عن الحسن أنه قال الكرسي هو العرش وجاء في بعض الروايات أن الكرسي بين يدي العرش كدرة بأرض فلاة والسموات السبع
_________________
(١) . الصلاة Ms.
[ ١ / ١٦٦ ]
والأرضون السبع وما فيها بجنب الكرسي كحلقة من حلق الدرع في أرض فيحاء ومن المسلمين خلق كثير يذهبون إلى أن الكرسي هو العلم واستدلوا بقوله تعالى وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ٢: ٢٥٥ قالوا معناه أحاط علمه بها وبما فيها والكراسي العلماء وانشدوا بيتا [طويل]
تحف بهم بيض الوجوه وعصبة كراسي بالإحداث حين تنوب
وقد روى أصحاب الحديث أن الكرسي موضع القدمين والله أعلم بصدقه وتأويله إن صح لأن مذهبنا تسليم ما قصر عنه علمنا، وأما حملة العرش الملائكة خلقوا لذلك فيوصف من أقدارها وأجسامها ما الله به عليم قالوا وهم اليوم أربعة وجه أحدهم على صورة وجه النسر والثاني كوجه الأسد والثالث كوجه الثور والرابع كوجه الرجل فإذا كان يوم القيمة ضمت إليهم أربعة أخرى بقول الله سبحانه وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ ٦٩: ١٧ وفي رواية ابى إسحاق أن رسول الله ﷺ أنشد قول أميّة بن ابى الصلت [كامل]
[ ١ / ١٦٧ ]
حبس السرافيل الصوافي تحته لا واهن منهم ولا مستوغد
رجل وثور تحت رجل يمينه والنسر للأخرى وليث مرصد
فقال عليه السلم صدق هكذا الرواية والله أعلم بصدقها وقد يستدرج أهل الزيغ الأغمار من الأحداث بالأول والثاني والثالث والرابع يعنون بالأول القلم وهو عندهم العقل وبالثاني اللوح وهو عندهم النفس وبالثالث العرش وهو عندهم الفلك المستقيم والضابط للأفلاك وبالرابع الكرسي وهو فلك البروج عند بعضهم لأن المنجمين مختلفون في هذا التقسيم والملائكة الّذين هم حملة العرش الأركان الأربع وهذه الأشياء عندهم لم يزل ولا يزال فكيف يصح الخبر عنها بالأول والثاني والثالث لأن كلها أوائل عندهم كما يزعمون وما الفرق بينهم وبين من عارضهم من المشبهة بأن العرش ممهد والكرسي مستقر القدمين مع وفاق ظاهر اللفظ لتأويلهم لبعده عن تأويل الزائغين لأنا لم نجد شيئًا في كتب المنجمين وأهل الطبائع بأنهم سموا العقل قلمًا والنفس لوحًا والفلك عرشًا يعرفونها بأسمائها المشهورة عند سامعيها ونعوذ باللَّه من الخذلان والحرمان وسوء الاختيار والعجز عن إتباع الحق،
[ ١ / ١٦٨ ]