قال الله تعالى في محكم كتابه ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ ٦٨: ١ وقال في كِتابٍ مَكْنُونٍ لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ٥٦: ٧٨- ٧٩ وقال وَكُلَّ شَيْءٍ [٣١] أَحْصَيْناهُ في إِمامٍ مُبِينٍ ٣٦: ١٢ وقال ما فَرَّطْنا في الْكِتابِ من شَيْءٍ ٦: ٣٨ وقال في لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ٨٥: ٢٢ قال أكثر المفسرين أنه لوح وقلم خلقهما الله كما شاء وألهم القلم أن يجري بما أراد وجعل اللوح واسطة بينه وبين ملائكته كما جعل الملائكة واسطة بينه وبين رسله ورسله واسطة بينه وبين خلقه وهذا لا يختلف فيه موحد ولا يسوغ الاختلاف فيه الظاهر
[ ١ / ١٦١ ]
النص من الكتاب والسنة فإن خطر خاطر بأنه أية فائدة في اللوح والقلم فليقل له بأنّ أسرار حكمة الله ﷿ عن العباد محجوبة إلا ما أطلعهم عليه وما طوى عنهم فليس إلا التصديق به والاستسلام له لقول الله ﷿ يَمْحُوا الله ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ ١٣: ٣٩ واعلم ان الكلام في هذا الفصل مع من يؤمن باللَّه وملائكته وكتبه ورسله لأن هذا سبيله سبيل الخبر والسمع والمسلمون وأهل الكتاب قاطبة قد تلقوه بالقبول وقد قال قائل أن الله ﵎ لما أراد أن يخلق الخلق علم ما هو كائن وما هو مكونه فأجرى القلم به في اللوح وروى فيه أخبار مسطرة في كتب أهل الحديث رضينا بما صح منها واستسلمنا له وجاء في ذلك القلم أن طوله ما بين السماء والأرض وأنه خلق من نور وفي صفة اللوح أنه لوح محفوظ طوله ما بين السماء والأرض وعرضه ما بين المشرق والمغرب معقود بالعرش يصك ما بين عيني إسرافيل وهو أقرب الملائكة إلى العرش فإذا أراد الله ﵎ أن يحدث في خلقه شيئًا قرع اللوح جبهة إسرافيل فأطلع فيه فإذا فيه ما أراد الله تعالى بقول الله يَمْحُوا الله ما يَشاءُ
[ ١ / ١٦٢ ]
وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ ١٣: ٣٩ فيأمر به جبرئيل أو من يليه من الملائكة وأكثر أهل الدين على أنّ البارئ لا يسمع كما أنه لا يلمس وإنما يسمع كلامه كما يلمس خلقه هذا قول أهل الإسلام وقد ذهب قوم من المتسترين بالدين إلى تأويلات مكروهات مردودات فزعم بعضهم أن معنى القلم العقل لأنه دون البارئ جل وعز في الرتبة وجرى بنفسه لأن العقل يدرك الأشياء بغير واسطة قال ومعنى اللوح المحفوظ النفس لأنه دون العقل في الرتبة يدبرها العقل كما جرى القلم في اللوح المحفوظ وزعم أن القلم واللوح غير محدثين ولا مخلوقين وقد دللنا على حدث العقل والنفس في الفصل الثاني بما يجري عليهما من الزيادة والنقصان والسهو والضعف والثقلة [١] والتجزّي بتفرق الهياكل والأجسام وحاجة العقل إلى التجربة والامتحان وحاجة النفس إلى الغذاء والقوام ما فيه كفاية وبلاغ وذلك أن القديم البارئ لا يجوز عليه شيء من هذه العوارض وزعم آخرون أن اللوح هو العالم السفلي والقلم العالم العلوي يؤثر في السفلي وبعضهم يزعم أن القلم هو الروح واللوح الجسد وأهون
_________________
(١) . والقلة Ms.
[ ١ / ١٦٣ ]
الأمور إنكار اللوح والقلم وسائر ما وصف من أمر الآخرة والدخول في الإلحاد المحض حتى يقع الكلام معهم من حيث ينبغي أن يقع لأن هذه الأشياء من شرائع الأنبياء عليهم السلم فكما لم يوجبها العقل فكذلك لا يرد تأويلها إلى العقل بل تسلم كما جاءت، وفي رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ أن الله تعالى خلق لوحًا محفوظًا من درة بيضاء دفتاه ياقوتة حمراء قلمه نور وكلامه بر [٣١] ينظر الله فيه كلّ يوم ثلاثمائة وستين نظرة يحيي بكل نظرة ويميت بكل نظرة ويرفع ويضع ويعز ويذل ويخلق ما يشاء ويحكم ما يريد والله أعلم واحكم وقد دللنا لك أن كل ما كان من أمر الآخرة فروحاني حيواني وإن شارك جسمانيًا في الأسامي فمن ذلك قوله درة بيضاء وياقوتة حمراء.