أجمع ما في القرآن لوصفها قوله تعالى وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ ٤٣: ٧١ وأجمع خبر فيها خبر أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ فيما يحكي عن ربه ﷿ أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وبله ما اطلعتم عليه قال أبو هريرة ﵁ ومصداق هذا في كتاب الله ﷿ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ من قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ٣٢: ١٧ ورواه حمزة بن حبيب عن المنهال بن عمرو عن محمّد بن
[ ١ / ١٩٠ ]
الخفيّة [١] أن النبي ﷺ قال حدثوا عن الجنة بما شئتم فلن تحدثوا عنها بشيء إلا وهي أشد منه فمن هاهنا استجاز من استجاز صفة الجنة والنار بما لم يأت في الرواية لأن الواصف وإن أفرط في الوصف لم يعد مدى خاطر همته وغاية معرفته لا بلغ كنه ما فيها ولا بعضه لأن نعم الله ونقمه فوق ما يحصيه المحصون إذ لا غاية لها ولا نهاية أبدًا وقد سئل رسول الله ﷺ عن أهل الجنة فقال جرد مرد مكحلون من أبناء ثلث وثلاثين سنة هذا من طريق حماد بن سلمة عن علي بن مريد عن المسيب عن أبي هريرة وفي رواية أخرى من أبناء ثلث وثلاثين سنة على سن عيسى وصورة يوسف وقلب إبراهيم وطول آدم وصوت داود ولسان محمد صلى الله عليه وعليهم أجمعين وقال أبو هريرة إن أهل الجنة ليزدادون جمالًا وحسنًا كما يزدادون في الدنيا قباحة وهرمًا وأنكر قوم من أهل الكتاب الأكل والوطىء في الجنة وذلك أن منهم من لا يرى البعث إلا للأرواح فكذبهم الله في القرآن بذكر الطعام الحواري التي وصفها في الجنة وروى [٢] عن النبيّ ضلعم
_________________
(١) . الحنفيّه Ms.
(٢) . ورو Ms.
[ ١ / ١٩١ ]
لما يذكر الجنّة قال إن الرجل منهم يعطي قوة ألف رجل في الطعام والجماع قالوا وكيف المس يا رسول الله قال دحمًا دحمًا إذا قام عنها رجعت مطهرة بكرًا بذكر لا يمل وفرج لا يحفى وشهوة لا تنقطع فقال يهود من أكل يغوط فقال النبي ﷺ [٣٦] ولا يتغوطون وانّما هو عرق يفيض من أعراضهم مثل المسك فتضمر له بطونهم وسئل عن النوم فقال ﷺ النوم أخو الموت وأهل الجنة لا يموتون وسئل عن الولد قال فتنة وروى أنه قال لو أرادوا لكان حمله ووضعه ونشوه في ساعة واحدة وسئل عن المرأة التي يكون [١] لها زوجان لمن تكون في الجنة ففي رواية حذيفة أنه قال تكون لآخر زوجيها ولما خطب معاوية أمّ الدرداء قالت لست أبغي بأبي الدرداء بديلًا سمعته يقول قال رسول الله ﷺ المرأة لآخر زوجيها ولذلك حرم أزواج النبي صلى الله عليه من بعده ليكن أزواجه في الجنة وروى عن الحسن أنه قال تخير المرأة فتختار أحسنهما خلقًا وسئل ضمرة بن حبيب أيدخل الجنة فقال نعم واستدل بقوله تعالى لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ ٥٥: ٥٦
_________________
(١) . تكون Ms.
[ ١ / ١٩٢ ]
فللأنس أنسيات وللجن جنيات وسئل أبو العالية عن أوقات الجنة قال كمثل ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس لا شمس فيها ولا قمر ولا ليل ولا نهار وهم في نور أبدًا وإنما يعرفون مقادير الليل والنهار بإرخاء الحجب وفتح الأبواب وسئل الحسن عن الحور العين فقال عجائزكم هؤلاء العمش الرمص وتلا إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكارًا ٥٦: ٣٥- ٣٦ الآية فقال ويعطون أزواجا غيرهنّ من الحور العين وفي حديث ابن المبارك عن رشيد بن سعد عن ابن أنعم أن من دخل من نساء أهل الدنيا الجنة فضلن على الحور العين بما عملن في دار الدنيا وهذه الأخبار أتينا بها لشهرتها عند عوام الأمة واستغنائها عن الأسانيد وسئل عن قوله ﷿ وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ ٤٣: ٧١ فلو اشتهت ما يستقبحه العقول كالقتل والغضب [١] والظلم ونكاح الأخوات والبنات فأجابهم المسلمون بأن هذا وما أشبهه مما لا يشتهون في الجنة لأنها ليس فيها كما لا يشتهون الموت والمرض والذل والفاقة لأنها ليست فيها فتحبس طباعهم عن التشوق إلى ما يستقبح في العقول وينسون
_________________
(١) . العضب Ms.
[ ١ / ١٩٣ ]
ذكرها واعلم هداك الله أن كل ما وصف به من ذهبها وفضتها وجواهرها وطيبها وطعامها وسائر ما وصف منها كلها على الحقيقة في الأسماء الكثيفة كما خلقت جواهر الأرض وثمارها بقول الله ﷿ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ٢٩: ٦٤ وروى عن ابن عباس ﵁ عن أسامة بن زيد عن النبي ﷺ أنه سئل عن الجنة فقال نور يتلألأ وحدثنا الحسن بن هشام العبسي عن وكيع عن الأعمش عن ابن عباس ﵁ قال ليس في الجنة شيء مما في الدنيا إلا الأسماء،