أجمع أية في وصف النار قوله وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ من عَذابِها ٣٥: ٣٦ وأجمع خبر فيها خبر محمد بن الحنفية وإن كان مرسلًا حدثوا عن النار بما شئتم فلن تحدثوا عنها بشيء إلا وهي أشد منه والذي يوجب القياس الشديد أن يكون كلّ ما وصف به النار من أغلالها وإنكالها وحياتها وعقاربها وأوديتها ومقامعها وسائر ما ذكر في القرآن والأخبار خلاف ما هو في الدنيا كما قلنا في صفة الجنة وأن يكون الجمع بينهما من جهة الاسم
[ ١ / ١٩٤ ]
لا من جهة المعنى لأن النار دار خلود كما أن الجنة دار خلود [٣٧] وسئل إبراهيم النخعي عن صفة نار جهنم فقال ناركم هذه جزء من سبعين جزءا من نار جهنم ولقد ضرب بها البحر مرتين ولولا ذلك لما انتفعتم بها وسئل الحسن عن النار فقال يصير البحر نارًا ثم تلا وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ ٨١: ٦ فقال يفجر بعضها من بعض ثم يرسل عليها من الجنوب ريحًا ويسلط عليها الشمس حتى يسجرها فتصير [١] نارًا فجعلها الله محبسًا لأهل المعاصي وزعم قوم أن النار مخلوقة اليوم وأنها تحت تخوم الأرضين السفلى والبحار هي الحاجزة عن الخلق وأن حرارة الشمس وحمى الصيف مؤخرها [٢] ورووا أن النار اشتكت فقالت أكل بعضي بعضًا فأذن لها في نفسين نفس في الصيف ونفس في الشتاء وأراك أشد ما يكون في الحر والبرد وفي الصحاح من الحديث ابردوا بالظهر فإن في شدة الحر من فيح جهنم واستعظم قوم بقاء ذي روح في النار وذلك لقصور علمهم لأن النار ضروب كالأثير الّذي يزعمون في علو الهواء
_________________
(١) . فيصير Ms.
(٢) . موحّرها Ms.
[ ١ / ١٩٥ ]
وكالنار الكامنة في الحجر والشجر وقد سئل ابن عباس ﵁ فيما رووا فقال النيران أربع نار تأكل وتشرب وهي ناركم هذه ونار لا تأكل ولا تشرب وهي النار في الحجر ونار تشرب ولا تأكل وهي نار الشجر ونار تأكل ولا تشرب وهي نار جهنم تأكل لحومهم ولا تشرب دماءهم فلذلك يبقى أرواحهم فأخبر أن نار جهنم خلاف النيران التي ذكرها بقول الله بعالى كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُودًا غَيْرَها ٤: ٥٦ فأخبر سبحانه أنه يبدل لهم الجلود لتبقى لهم الأرواح لا تأتي عليهم النار فيفنيهم وقد أرانا الله من قدرته فيما ركب عليه طباع بعض الحيوانات ما دلنا به على جواز بقاء ذي روح بالنار كالنعام التي تأكل النار ولا يضرها والطائر الذي يدخل النار فلا تحرقه وما أراه جعل ذلك إلا عبرة فدلنا على جواز بقاء الحياة في أهل النار وإلا فما جاز في طباع الحيوان الاغتذاء بالنار والحديدة المحماة وجاء في صفة أهل النار بالعجيب الفظيع فمن ذلك ما روى أنه سئل أبو هريرة ﵁ عن قوله تعالى وَمن يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ٣: ١٦١ وكيف يأتي من غل مائة بعير ومائتي شاة فقال
[ ١ / ١٩٦ ]
أرأيت من كان ضرسه مثل الأحد وفخذه مثل ورقان وساقه مثل البيضاء ومجلسه ما بين المدينة إلى الرَّبَذَة وعن الربيع بن أنس قال مكتوب في الكتاب الأول أن جلد أحدهم أربعون ذراعًا وبطنه لو وضع فيه جبل لوسعه وأنه ليبكي حتى يصير في وجهه أخاديد من الدمع لو طرح فيها السفن لجرت كذا الرواية والله أعلم، وأعلم أن كل ما يوصف من الجنة والنار فسبيله السمع والخبر وما موجب العقل فالأصل الذي هو الجزاء فلا تشتغل بجواب السائل عن الصفات إذا كان منكرًا للأصل حتّى يقرّبه،