وروي في الأخبار أن الشمس إذا غربت مرت حتى تقطع الأرض فتخر ساجدة بين يدي العرش فتسلب ضوءها فتكتسى نورًا جديدًا ثم تؤمر أن ترجع فتطلع فتأبى [٢] ذلك وتقول لا أطلع على قوم يعبدونني من دون الله حتى ينخسها ثلث مائة وستة وستون ملكًا فإذا طلعت خلع عليها ثلاث حلل حمرًا وبيضًا وصفرًا وكذلك ما يرى من تغير ألوانها عند طلوعها وأنشد النبي ﷺ فيما روى قول أمية [كامل]
والشمس تصبح كل آخر ليلة حمراء تضحى لونها يتوقد
تأبى فما تطلع لنا في رسلها إما معذبة وإما تجلد
فقال النبي ﷺ وعلى آله صدق وعند أهل النجوم الشمس
_________________
(١) . يستستر Ms.
(٢) . فتأتى Ms.
[ ٢ / ٢٢ ]
لا تزال طالعة على قوم وغاربة على قوم لأنها دائرة على كرة الأرض دورًا مستقيمًا وقد ينكر كثير من الناس نخس الشمس وإباءها الطلوع لأنها مسخرة جماد غير مكلفة ولا مختارة مع أن الخبر ما أراه يصح وإن صح فالتأويل والتمثيل من ورائه لأن العرش محيط بالعالم فحيث ما سجدت تحت العرش ولكن ربما فضل بعض البقاع على بعض فوصف بالتقريب كقولنا فلان يعين الله وكل شيء يعينه وكقولنا بيوت الله وما أشبه ذلك وأما سجدة الشمس والقمر والنجوم والشجر وغير ذلك مما يوصف به الأرض والسماء وسائر الخلق الذي ليس بمميز ولا عاقل فهو انقياد لما يراد منها وتذللها لما وضعت عليه من طبع أو حركة وقلة امتناعها على صانعها وقد قيل بل أثر الصنع فيها يدلّ ويحمل الناظر على السجود لصانعها فأضيف السجود إليها لما كانت هي سببه ومن يرى الشمس والقمر والكواكب أحياء ناطقة فما ينكر من سجودها وتسبيحها مع أنّا نجيز أن يحدث الله في الجماد معنىً يسجد به ويطيع لأن ذلك على الله غير عزيز وقد سبق ذكر هذه الأشياء ومعنى حقائقها على التقصي والبيان في كتاب معاني القرآن
[ ٢ / ٢٣ ]
وإما نخس الملائكة إياها فيشبه أن يكون تمثيلًا ليكون كما قال الشاعر [وهو طرفة بن العبد [١]] [طويل]
ووجه كأن الشمس ألقت رداءها عليه نقى اللون لم يتخدد
فإن كان الخبر محتملًا للتأويل فلا معنى للتسرع إلى التخطئة والتكذيب وزعم وهب أن الشمس على عجلة لها ثلاثمائة وستون عروة قد تعلق بكل عروة ملك من الملائكة يجرونها في السماء وكذلك القمر وعجلة القمر من نور الشمس قال وللبحر موج مكفوف في الهواء كأنه جبل ممدود [٢] ولو بدت الشمس من ذلك البحر لأفتن أهل الأرض حتى يعبدوه من دون الله وروى غيره أن الله تعالى قد وكل بعين الشمس حتّى تغرب فقال في نار حامية لولا ما يزعها من ملائكة الله لأحرقت ما عليها وقيل أن الشمس يضيء وجهها لأهل السماء وظهرها لأهل الأرض قالوا والشمس إذا هبطت من سماء إلى سماء انفجر الصبح حتى إذا انتهت الى سماء الدنيا اسفر قال وهب
_________________
(١) otationmarginale.
(٢) . مدود Ms.
[ ٢ / ٢٤ ]
فإذا أراد الله أن يرى العباد آية يستعتبهم زالت الشمس عن تلك العجلة في ذلك البحر وإذا أراد الله أن يعظم الآية [٤٣] وقعت كلها وكذلك القمر وقد قلت لك في غير موضع أن الاعتماد على شيء من هذه الأخبار ما لم يكن نص كتاب أو صدق خبر ولكن يوقف ولا يقطع على شيء منه حتى يصح والثابت عن النبي ﷺ أنه كسفت الشمس يوم مات ابنه ابراهيم عم فقال الناس إنما كسفت الشمس لموته فخطب وقال إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا حياته فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة والقدماء مختلفون في الكسوفات كما حكى افلوطرخس [١] زعم أن بعضهم يرى كسوف الشمس بمسير القمر تحتها وبعضهم يرى ذلك لانقلاب جسم الشمس الشبيه بالسفينة فيصير مقعّرة الى فوق ومحدودبه إلى أسفل وبعضهم يرى الشمس شموسًا كثيرة والقمر أقمارًا كثيرة في كل إقليم من أقاليم الأرض وفي كل قطعة ومنطقة وزمان وزعم بعضهم أنّ كسوف القمر
_________________
(١) . افلوطوخس Ms.
(٢) . الشمس القمر Ms.
[ ٢ / ٢٥ ]
بانسداد القعر الّذي في تقويسه وأمّا افلاطن وارسطاطاليس والخلاف منهم فيرون الكسوفات بدخولها تحت ظل الأرض وذلك إذا كانت الشمس تحت الأرض والقمر في مقابلتها وكانا في طريقة واحدة وقع ظل الأرض على جرمه فحال بينه وبين الشمس المضيئة له لأن ضوءه من الشمس وأما كسوف الشمس فبمرور القمر تحتها فيعتبر منكر أن يجعل الله كسوفه بظلّ الأرض آية للحقّ يستعتبهم وإن كان سقوطه عن العجلة كما روى تمثيلًا لدخوله تحت ظل الأرض وقوله أن عجلة القمر من نور الشمس رمز إلى اقتباس القمر من نور الشمس وقولهم الشمس على عجلة لها ثلاثمائة وستون عروة يعني به الفلك ودرجاته الثلاثمائة والستين والله أعلم وقوله كلما هبطت الشمس من سماء إلى سماء انفجر الصبح يعني بها مسيرها في درجاتها وارتفاعها من منزلة إلى منزلة لأن أهل التنجيم لا يختلفون أنها في سماء واحدة واختلفوا في السواد الذي يرى في وجه القمر فروى المسلمون أنه لطخه ملك ورووا أن القمر كان مثل الشمس فلم يكن يعرف الليل من النهار فأمر الله الملك أن يمرّ جناحه عليه فمحاه فهو ما يرى من السواد
[ ٢ / ٢٦ ]
في وجهه وحكى عن ديمقريطيس [١] أن جسم القمر مستنير صلب فيه سطوح وأودية وجبال فلذلك ما يرى في وجهه وزعم بعضهم أنه سحاب مستنير يلتهب وقال قوم أنه عين صقيلة كالمرآة يقبل ضوءه من الشمس إذا ما قابلها فذاك الحبال في وجهه ما قابله من عين الشمس والأمر في هذا سهل وذلك أنه لو كان كما زعم القوم كان يمحو الله إياه كما جاء في الخبر إمّا لخلق حبال [٢] فيه أو بإظهار جبال أو بما شاء واختلفوا في انقضاض الكواكب فقال المسلمون هو رجوم للشياطين كما قال الله تعالى وقلما ينكر الصور الروحانية في السماء إلا أهل التعطيل والإلحاد ثم هم مقرون بتأثير الفلك والكواكب وما فيها فلا معنى لإنكارهم استراق من يسترق السمع مع من أنكر الصور السماوية فهو الأرضية من الجن والشياطين أنكر فإن قيل لم تزل الكواكب تنقض وأنتم تزعمون أن السماء حرست عند مبعث النبي ﷺ قيل انقضاض الكواكب ليس كله رجومًا للشياطين ولعل الذي يرجمون به لا يشعر به أحد ولا يراه أو ينقضّ
_________________
(١) . دعقريطس Ms.
(٢) . حال Ms.
[ ٢ / ٢٧ ]
الكواكب لعلة من العلل أو يقرن الله إليه عذابًا للشياطين [٤٤] وقد سئل الزهري هل كانت السماء تحرس في الجاهلية قال نعم فلما بعث محمد ﷺ غلظ وشدر ومن المنجمين من يزعم أنه يجلد [١] السماء وحكى عن بعضهم أنه قال بمنزلة الشرارة تسقط من الأثير فيطفأ على المكان وزعم بعضهم أنه برغوث من الشمس مع اختلاف كثير واختلفوا في المجرة فحكى افلوطرخس [٢] عن بعضهم أنه فلك وسحاب وعن بعضهم أنّه استنارة كواكب كثيرة صغار متّصلة بعضها ببعض وعن بعضهم أنه تخييل في العين وعن بعضهم أن مسير الشمس كان أولًا عليه وقال أرسطاطاليس أنه التهاب بخار يابس كثير متصل في صورة النار تحت الكواكب المتحيرة ومن المسلمين من يسميها باب السماء ومنهم من يسميها شرج السماء،