أعلم أنّ الحجاب لا يوجب حدًّا على الإرسال لأنّ الله محجوب عن خلقه ولا يطلق القول بأنه محدود لأنّ الحجاب يحتمل وجوهًا من المعاني وروى وهب بن أبي سلام سأل رسول الله ﷺ هل احتجب الله بشيء عن خلقه غير السموات فقال نَعَمْ بينَه وبين الملائكة الذين هم حملة العرش سبعون حجابًا من نور وسبعون حجابًا من نار وسبعون حجابًا من ظلمة حتّى عدّ خمسة عشر وفي حديث المعراج فانتهيتُ إلى بحر من بحر أخضر فنودي ان ارج محمّدا في النور رجا وذكر عدّة بحار من أنوار ومن المسلمين من يستعظم
[ ١ / ١٨١ ]
القول بالحجاب كيف وقد روى حمّاد بن سلمة عن عمران الحرّاني عن زُرارة بن أوفي قال قال رسول الله ﷺ يا جبرئيل هل رأيتَ ربّك قال يا محمّد بيني وبينه سبعون حجابًا من نور لو دَنَوتُ من أدناها لاحترقتُ وفي حديث أبي موسى الأشعريّ لو انكشفت سُبُحاتُ وجهه لاحترق ما عليها من شيء ويسير هذا كلّه ما روي عن الحسن أنه قال ليس شيء أقرب إلى الله تعالى من اسرافيل وبينه وبين ربّ العزّة سَبْع حجب من حجاب العزّة وحجاب الجبروت والعظمة وليست ممّا يوجب الحد في الاحتجاب لأنّها ليست بأجسام حاملةٍ بين الحاجب والمحجوب ولكنّه يمتثل في بُعد وقوع الحواسّ وقطع الأطماع في الإحاطة به والاختصاص بالعظمة والسلطان دون خلقه ومثل هذا أبلغ عند العبّاد وتعظيم البارئ وتفخيم قدره للرغبة إليه والرهبة منه إذ أكثرهم يرون ما لا يُدركه حواسّهم ولا يتصوّر في أوهامهم بإطلاق لا شيء ويدلّ على هذا التأويل ما روى في الخبر العظمة إزارى والكبرياء ركابي [١] فمن نازعنيهما أَلقَيْتُه في النار ولا أبالى فهل
_________________
(١) . ردائي Ms.enmarge
[ ١ / ١٨٢ ]
يعرض لسامع شك في أنّ العظمة لا يتّزر بها والكبرياء لا يتردّى بها ولكنّ الوجه ما ذهبنا إليه والله اعلم، وصفة الحجب موجودة في أشعارهم قال بعضهم [طويل]
لك الحمدُ والنعماءُ والشكرُ رَبَّنَا فلا شيء أَعْلَى مِنْكَ حَدًّا وأَمْجَدُ
مليكٌ على عرش السماء مُهيمِنٌ لِعزَته تَعْنُوا الوجوهُ وتسجُدُ
فلا بَشَرٌ يسمو إليه بطَرْفه ودُونَ حجاب النور خَلْقٌ مُؤَيَّدُ