أصل اعتقاد هؤلاء في الجملة أنّ المبدأ شيئان اثنان نور وظلمة وأنّ النور كان في أعلى العُلْو وأنّ الظلمة كانت أسفل السُفْل نورًا خالصًا وظلمةً خالصةً غير مماسّين على مثال الظلّ والشمس فامتزجا فكان من امتزاجها هذا العالم بما فيه هذا الذي يجمع أصل عقائدهم ثم اختلفوا بعد ذلك فزعم ابن ديصان أن النور خالق الخير والظلمة خالقة الشرّ بعد قوله بأنّ النور حيّ حسّاس والظلمة موات فكيف يصحّ الفعل من الموات ولما رأى من فنون ما لحق المانويّة والديصانيّة من التناقض والفساد أحدث مذهبًا زعم أنّ الكونين النوري والظلامي قديمان ومعهما شيء
[ ١ / ١٤٢ ]
قديم ثالث لم يزل خلافها وخارجًا عن خارجهما وهو الذي حمل الكونين على المشابكة والامتزاج ولولا ذلك المُعَدّلُ بينهما لما كان من جوهر هما إلّا التباين والتنافر وزعم كنّان أنّ أصل القديم ثلاثة أشياء الأرض والماء والنار غير أنّ المدبّر لها اثنان خير وشرّ، وأمّا الحرّانيّة فمختلف عندهم في الحكاية زعم أحمد ابن الطيب في رسالة له يذكر فيها مذاهبهم أنّ القوم مجمعون على أنّ للعالم علّة لم يزل ويقولون المدبّرات سبع واثنا عشر ويقولون في الهيولي والعدم والصورة والزمان والمكان والحركة والقوّة بقول ارسطاطاليس في كتاب سمع الكيان وزعم زرقان أنّهم يقولون مثل قول المانيّة وقال بعضهم أنّ مذهب الحرّانيّة ناموس مذهب الفلاسفة وما لم يكن يجسر أحدٌ أنْ يُظهر خلافهم، وأمّا المجوس فأصناف كثيرة ولهم هوس عظيم وترّهات متجاوزة الحدّ والمقدار لا يكاد يوقف عليها فبعضهم يقول بقول الثنوية وبعضهم على مذهب الحرّانيّة والخُرّميّةُ جنسٌ منهم يتستّرون بالإسلام ويقولون مبدأ العالم نور وأنّه نسخ بعضه فاستحال ظلمةً وأمّا أهل الصين فعامّتهم الثنويّة إلى كثير ممّن يليهم من التُرك وفيهم المعطّلة الذين يقولون بقدم الأعيان وأنّ العالم لا صانع
[ ١ / ١٤٣ ]
له ولا مدبّر والهنود أصناف كثيرة وتجمعهم البراهمة والسمنيّة والمعطلّة الأخرى يقولون بالتوحيد غير أنّهم يُبطلون الرسالة ومنهم المهادرزيّة يزعمون أنّ المبدأ ثلاثة أخوة أحدهم مهادرز فاحتال أخواه في المكر به فعثرت به دابّته فسقط ميتًا فسلخا جلده وبسطاه على وجه العالم فصار من جلدته هذه الأرض ومن عظامه الجبال ومن دمائه الأودية والأنهار ومن شَعْره الأشجار والنبات هذا ما بلغنا من مذاهب سكّان الأرض والقدماء في هذا الباب وقد أشرنا إلى فساد مذهبهم ومذهب مَنْ يقول بقدم العالم أو شيء مع الله تعالى بما فيه كفاية وغُنية وهذه الحكايات كلّها إن لم يكن شيء منها زُمرًا أو ألغازًا أو تمثيلًا أو روايةً عن كتاب من كتب الله ﷿ أو رسول من رُسل الله أو بوفاق ما جاء منهم أو بشهادة العقول قاطبةً فمردودة غير مقبولة ومحمولة على تمويه واضعها وتزوير مبتدعها وليس في كثرة الترداد والتكرار كثير فائدة ومتى مرّنْتَ نفسك على تحفّظ مسألة إحداث العالم استغنيتَ عن كثرة الخوض في الفروع التي بنيت على أصل القدم [٢٨] لأنّه إذا وَهَى البناء وضعُف لم يَثْبُت فروعُه ولا قامت أركانه،
[ ١ / ١٤٤ ]