أقول أنّ الحدّ ما دلّ على عين الشيء وغرضه باحاطة وإيجاز كحدود الدار والأرضين التي تميز حصّة كل مالك من حصّة صاحبة فيعرف به داره فأرضه والزيادة في الحدّ نقصان والنقصان منه زيادة يبطل الحدّ المطلوب كقولك الإنسان حىّ ميّت ناطق هذا حدّه فإن زيد فيه شيءٌ أو نقص انتقض لأن الاعتبار صحّة الحدود في الاطّراد بالعكس
[ ١ / ٢٩ ]
والقلب فمتى لم ينعكس لم يستقِم هذا الذي اختاره في الحدود وإن كان للناس فيه أقوال ومذاهب لأن من رأى بعضهم أن حدّ الشيء وصفه له في ذاته كالعلّة وعند بعضهم حدّ الشيء من ذاته واسمه واعتبر بعضهم طرده من جانبين كما قُلنا وبعضهم اقتصر في جانب واحد إذا [صحّ] الطرد وهذا لا يستقيم إلا في باب الشرع والإلزام التي حجب عن الناس عللها الموجبة كقول من زعم مثلًا أنّ حدّ الصلاة أنّها طاعة ثم يقول وليس كلّ طاعة صلاةً فالأولى في هذا أنْ نسميه صفةً لا حدًا لأنه لو كان حدًا لسلم في الطرفين كما قال أن حدّ الإنسان أن يكون حيًا ميتًا ناطقًا فكل حي ميت ناطق إنسان وكل إنسان حي ميت ناطقٌ وقد قيل الحدّ جامع لما يفرّقه التفصيل وأقول أن الدليل ما دّل على المطلوب ونبّه على المقصود كائنًا ما كان من جميع المعاني. التي تتوصّل بها إلى المدلول عليه وقد يدلّ الدليل على فساد الشيء كما يدل على صحته فإذا دل على صحة شيء فهو دليل على فساد شيء والدليل على فساد الشيء فهو دليل على صحّة ضدّه ويدّل الدلائل الكثيرة المختلفة على العين الواحدة كالطُرُق المؤدية إلى مكان
[ ١ / ٣٠ ]
واحد وكلّ ما هدى إلى شيء فهو دليل عليه فالبارئ ﷾ دليل خلقه والرسول عليه السلم دليل أمّته والكتاب دليل والخبر دليل والأثر دليل والحركة والصواب دليل وما أشبه ذلك هذا الذي اختاره في الدليل الذي يستدلّ أهل النظر به وقد زعم بعض الناس أن الدليل هو المستدلّ نفسه فناقضه مخالفة بأنّه لو كان كذلك لجاز للمدّعى إذا طُولب بالدليل أن يقول أنا الدليل وهذا سهل قريب التفاوت لمن تأمّل أن اللغة لا تمنع أن يكون الدليل فاعل الدلالة كالشريب والسمير وأن يكون عين الدلالة والمدلول عليه كالصريع والقتيل يقول المدّعى أنا الدليل إذا أراد فاعل الدلالة غير خطاءٍ وإنما يستحيل إذا أراد به عين الدلالة على ما يطالب به وقد يكون عينه دليلًا على الصانع إذا سُئل لأنه ما من مدلول عليه إلا وهو دليل على شيء آخر وإن لم يكن دليلًا على نفسه وأقول أن العلّة السبب الموجب وهي ضربان عقليّة وشرعيّة فالعقلية الموجبة بذاتها غير سابقة لمعلولاتها كحركة المتحرك وسكون الساكن فالشرعية التي تطرى على الشيء فتغير حكمه ويكون مقدّمًا لها معلولًا بعلة قبلها
[ ١ / ٣١ ]
وشرط صحة العلة جريانها في معلولها فمتى ما تقاعست عن الإطراد تهافت ذلك كوجود عين أو حكم لعلة من العلل ثم وجود تلك العين والحكم مع زوال تلك العلّة أو زوال العين [٨] والحكم مع بقاء العلّة وصحّة العلّة كصحّة الحدّ سواء مع أنّ كثيرًا من الناس يسمّون العلّة الحدّ وليس ببعيد لاتفاق المعنى وقيل أن العلة ذات وصف واحد وذات وصفين وذات أوصاف كثيرة ولا يصح الحكم بها إلا بإجتماع أوصافها كقولنا في الإنسان أنه حي ميّت ناطق لو اختزلت صفة من هذه الصفات لبطلت أن تكون حدًّا للإنسان وعلّة له وأقول أن المعارضة تصحيح ما رام خصمك إفساده من مذهبك بمثل مذهبه ومعنى المعارضة والمقابلة على السواء والمماثلة فإذا وقعت على خلاف ما يذهب الخصم إليه فهي ساقطة فاسدة وقد أنكر قوم هذا الباب وأبطلوه وزعموا أنه خارج عن حدّ الجواب والسؤال فأجابهم مخالفوهم بأنه ضربٌ من السؤال أو زيادة فيه واستدلّوا بأنّ المعارض مجيب أو مرئى مناقصه ولو جاز ان تمسك المعارض له عن جواب ما عورض فيه لجاز ان تمسك
[ ١ / ٣٢ ]
المسئول عن جواب [١] ما سئل إذا السائل مستجير والمعارض مجير ثم نزل المعارضة من صححها أربع منازل يصحّ منها ثلاث [٢] ويبطل واحدة وهي معارضة السؤال بالسؤال كسائل رجلًا ما قولك في كذا فيكُرُّ عليه وما قولك أنت في كذا فهذا لأنه ليس فيه شيء من جواب ما سئل والثانية معارضة الدعوى بالدعوى كقائل إن العالم قديم فيقول له الخصم ما الفرق بينك وبين من يدّعى أنه مُحدث فيلزم مدّعى القدم إقامة البرهان والتفريق بين المدعوين ومتى بطل قول من ادّعى أنه محدث صحت له دعواه في القدم لأنّ في صحّة الشيء فساد غيره والثالثة معارضة العلّة بالعلّة كقول الموحّد للمجسّم إذا قلت أنّ البارئ جسم لأنك لا تعقل فاعلًا إلا جسمًا فَلِمَ لم تقل مركّب مؤلف لأنك لم تَرَ إلا جسمًا مركبًا مؤلفًا والرابعة معارضة الدليل بالدليل فهو أن يقال إذا كان دليلك كيت وكيت فما الفرق بينك وبين من يزعم أن الدليل شيءٌ آخر غير ذلك فالجواب أنك لا تقابل علّة بعلّة ومطالبتك بالفرق مطالبة بتصحيح الدليل وأقول أن
_________________
(١) Ms.repetedeuxfois. [١] Ms.repetedeuxfois.
[ ١ / ٣٣ ]
القياس ردّ الشيء إلى نظيره بالعلّة المشاركة ويقال القياس معرفة المجهول بالمعروف وقيل كلّ ما عُلم بالاستدلال من غير بديهة ولا حاسة فهو قياس وقيل القياس التقدير واحتج قائلوه بقول الفرزدق [وافر]
ونحن إلى زفوف مغوّراتٍ نقيس على الحصا نطقًا يقينا
وهذه الأقوال قريبة المعاني كأنها في مشكاةٍ واحدةٍ وقد أجاز بعض القائسين القياس على الإسم كما أجازوه على المعنى والقياس الصحيح الذي يوافق المقيس عليه من جميع معانيه أو أكثرها وتسمَّى القياس البرهاني لدخوله في حيّز علوم الإمكان وقد أنكر بعض الناس القياس فلزمه أن ينكر ما فات حواسه وبدائهه ويقر بصحة كل ما جاء من حق وباطل وقضية العقول توجب أن تكون كل مشتبهين واحدًا من حيث اشتبها وإلا فلا معنى للاشتباه ألا ترى أنه مستحيل أن توجد نار حارة ونار باردة لاشتراك النيران في طبع الحرارة وهو المعنى الموجب لهما في القضية وأقول أن الاجتهاد هو إمعان الفكرة والاستقصاء [٨] في البحث عن وجه الحق
[ ١ / ٣٤ ]
الذي لا يصاب بالبديهة ولا بالحس لكن بالطلب والاستدلال وهو مقدّمة القياس وكان القياس القضاء بالشيء على التمثيل والاجتهاد طلب وجه ذلك القضاء من أصح وجوهه والتحرز من وقوع الغلط فيه لأن القياس من غير اجتهاد كالقول بالظن من غير استدلال وأقول أن النظر فعل الناظر بقلبه ليرى ما خفي عليه فكما أن العين قد تقع على الشيء ولا يتبينه إلا بعد النظر والتفكر فكذلك القلب قد تعرض له الخطرة فلا يثبتها إلا بعد النظر والتفكر والمناظرة المفاعلة منه وقد تكون من تشبيه النظير بالنظير فيكون معناه القياس المحض،