روى المسلمون أن الملائكة خلقت من نور وذكر ابن إسحاق أن أهل الكتاب يزعمون أن الله خلق الملائكة من نار والنار والنور واحد في معنى اللطافة والضوء ويمكن التوفيق بين الخبرين بأن ملائكة الرحمة خلقوا من نور وملائكة العذاب خلقوا من نار ولا نعلم أحدًا ممن يدين الله بدين إلا وهو مقر بالملائكة وإن كانوا مختلفين في قدمها وحدوثها وهيئاتها فمنه قول أمية بن أبي الصلت [كامل]
يتنابه المتنصفون بسجرة في ألف ألف من ملائك [١] يحشد
[٣٢] رسل يجوبون السماء بأمره لا ينظرون ثواء من يتقصد
فهم كأوب الريح بينا أدبرت رجعت بوادي وجهها لا تكرد
حذّ مناكبهم على أكتافهم زف يزف بهم إذا ما استنجدوا
وإذا تلاميذ الإله تعاونوا غلبوا ونشطهم جناح معتد
نهضوا بأجنحة فلم يتواكلوا لا مبطئ منهم ولا مستوغد
واختلف المسلمون في عدم البصر والحواس لهم فمن قائل أنّ
_________________
(١) . ملائكة Ms.
[ ١ / ١٦٩ ]
البصر يفقدهم [١] للطافة أجسامهم وأجزائهم لا لون لها البصر لا يدرك إلاّ ذا لونٍ وكذلك قالوا أليس نحسّ بها وهي معنا حَفَظة علينا والهواء أغلظ وأكثف من الملائكة فإذا كنّا لا نُحِسّ به حادثًا من حركة واضطراب فكيف بالروحانيّين الذين هم ألطف وألطف وقالوا فيما ناقضهم المخالفون به من صفة الله إيّاهم في كتابه بالغلظة والشدّة فقال مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ ٦٦: ٦ وما جاء من عظيم صفاتهم وعُظم أجسامهم وإن الملك كان يأتي النبيّ ﷺ وعلى آله في صورة الرجل وكذلك سائر الأنبياء أنه غير منكر أن يُحدث الله تعالى في الملك شيئًا ومعنىً يُرى ويُشاهَدُ إذا أراد ذلك كما يحدث في الجوّ فيتركّب وينعقد غمامٌ من أجزاء الهباء لا يدركها البصر ثم ينحلّ ويتفرّق حتى لا يُرى كما كان أوّلًا وكذلك حال الجنّة والشياطين وسائر الروحانيّين من الخلق وأيضًا فإنّ الملك سُمّى هذا الاسم لدُؤُوبه في الطاعة وانقياده لِما يُراد منه تخصيصًا وتفضيلًا فغير بعيد أن يكون الملائكة أصنافًا روحانيًّا وجسمانيًّا وناميًا وجامدًا وقد جاء في بعض الأخبار أنّ
_________________
(١) . تقدهم Ms.
[ ١ / ١٧٠ ]
الرعد مَلَك والنار ملك والملائكة يسجدون جنودُ الله ورُسُلُه وسفراؤه وأولياؤه بقول الله ﷿ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ٤٨: ٤ وقيل الجراد جند من جنود الله والنمل جند من جنود الله ألا ترى أنّه لمّا بلغ معاوية أنّ الاشتر قد أُمّر فسُقي سمًّا في سَوِيق وعَسَل قال ما أبردها على الفؤاد إن للَّه جنودا من عسل وقيل الأرض ملك والسماء ملك حتّى عدد أكثر أجسام العالم واحتجّوا بقول الله ﷿ قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ ٤١: ١١ والقول هو الأوّل فإن كان جائزًا إطلاق اسم الملك على هذه الأشياء فيكون مجازًا لا حقيقةً،