أقول المناقضة والانتقال والعجز عن بلوغ الغاية وجحد الضرورة ودفع المشاهدة والاستعانة بالغير والسكوت للعجز كلها من دلائل الانقطاع وكل سائل مخير في سؤاله متفقهًا كان [أو] متعنتًا أحق في سؤاله أو أحال وليست كذلك حال المجيب بل عليه القصد للحق وتعريف السائل وجه سؤال من إصابة وإحالة ولا عليه أن يجيبه عن مسألة هي فرع
[ ١ / ٥١ ]
لمسألة يخالفه فيها حتى يقرره بإيجابها وتأخذ ميثاقه على القول بها لأن الخلاف إذا كان واقعًا في الأصل لم يطرد القياس في الفرع وذلك في التمثيل كسائل عن الرسالة منكر للتوحيد وإنما تصح النبوة بصحة التوحيد لأنه الموجب لها وكل سؤال يرجع إلى السائل بمثل ما يريد أن يلزمه المسئول فغير لازم لأنّ المعارضة فيه قائمة فطلب الدليل على الدليل والعلة على العلة إلى ما لا نهاية له فاسد لأن محصول الظواهر المحسوس ومحصول البواطن المعقول وما لا نهاية له غير موجود ولا معلوم ولا موهوم وقد يستحسن لابن الهذيل قوله إن صحة الصحيح وانتقاض المنقوض في جميع ما اختلف فيه المختلفون يعلم في ثلاثة أوجه أحدهما إجراء [١] العلة في المعلول والثاني نقض العلة بالتفسير والثالث جحد الاضطرار فأما ترك إجراء ١ العلة في المعلول فكقول الرجل فرسي هذا جواد فيقال ولم قلت ذلك قال لأني أجريته كذا فرسخًا فيقال له أكل فرس جرى في اليوم كذا فرسخًا فهو جواد فإن قال نعم أجرى علّته وان
_________________
(١) . أجزاء بن Ms.lesdeuxfois
[ ١ / ٥٢ ]
قال لا فقد نقضها وهو يحتاج إلى علة أخرى وأما نقض الجملة بالتفسير فكقول القائل إذا اشتد حر الصيفة اشتد [١] برد الشتوة التي تليها وإذا اشتد برد الشتوة اشتد حر الصيفة التي تليها ثم يقول وقد يشتد حر الصيف ولا يشتد برد الشتاء الذي يليه فيكون قد نقض بهذا التفسير الجملة التي تقدمت لأنها لو صحت لم يشتد حر الصيف إلا باشتداد برد الشتاء أبدًا وأما جحد الاضطرار ففي البدائه والحواس وذلك كسؤالنا الدهرية عن شيخ رأيناه على كرسي في هيئته وخضابه أيزعمون أنه لم يزل هكذا قاعدًا في مكانه بحالة التي هو عليها من الكسوة والخضاب فإن قالوا نعم جحدوا الاضطرار بشهادة العقول بإبطالهم، وأعلم أن السكوت بعد استقرار الحق أبلغ من الكلام في الذبّ عنه وزيادة البياني هجنه وربما أورثت فرصة لأن الإفراط نقص وعلم بفلج [٢] الحجة ودحوصها [٣] أبلغ من إفصاحك
_________________
(١) . واشتد Ms.
(٢) . بفلج Ms.
(٣) . ودحوضها Ms.
[ ١ / ٥٣ ]
بها لأن الشاهد شاهد القلب لا شاهد اللسان وليس كل من لزمه قول مناظره أو عجز عن جوابه في الوقت وجب عليه المصير إلى مذهب خصمه ولكن بعد التبين والتثبيت واستبراء الحال والرجوع إلى الأصول الموطودة والأعلام المنصوبة فإذا انكشف الغطاء عن وجهه وصرح المحض عن زبده وأومض الحق سيره فلا يسع حينئذ غير الإقرار والانقياد له وليس من الحق تكليف الخصم إظهار ما هو خفي في نفسه لأنه غير ممكن كما يمكنه إخفاء ما هو ظاهر في نفسه ولأن ذلك [١٢] إزالة الشيء عن وجهه فهذه مقدمات قدمناها نظرًا للناظر في كتابنا ونصحًا لمن احتاط لدينه وتحرز من تمويه الملحدين وتلبيس الممخرقين وخطرات المجان ووساوس الخلعاء الذين أفسد الفراغ فكرهم وأخمدت الكفاية قرائحهم وحلت عن الدقائق عقولهم وعاشت بصنوف الشهوات نفوسهم وملكهم الهزل وركبهم الجهل واسترقهم الباطل وهجرتهم الفكر وعميت عليهم مواقع النظر فاحتالوا في إسقاط التكليف عنهم ليمرحوا في ميادين الشهوات وليركبوا ما يهوونه من اللذات بإنكار علوم الأصول من البديهة
[ ١ / ٥٤ ]
والحواس والله المستعان وهو خير معين، وبعد فإنّ لأهل الإسلام أصولا من الكتاب والسنة والإجماع والقياس عليها ما يقوم لهم الحجة بها بينهم ويقنعون بشهادتها ودلائلها وكذلك أهل كل ملة ودين وكتاب غير أن ذلك لتصحيح فروع دينهم وشرائع ملتهم فلذلك أضربنا عن ذكره صفحا
[ ١ / ٥٥ ]