يُوسُفَ، ﵇، وَصَبْرِهِ وَاسْتِعَانَتِهِ رَبَّهُ، ﷿، مَوْتَ إِبْرَاهِيمَ ابْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَصَبْرَهُ عَلَيْهِ، وَقَوْلَهُ:» تَدْمَعُ الْعَيْنُ وَيَحْزَنُ الْقَلْبُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يُرْضِي رَبَّنَا، وَإِنَّا بِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ ". قُلْتُ: وَقَدْ مَاتَتْ بَنَاتُهُ الثَّلَاثَةُ; رُقَيَّةُ وَأُمُّ كُلْثُومٍ، وَزَيْنَبُ، وَقُتِلَ عَمُّهُ حَمْزَةُ أَسَدُ اللَّهِ وَأَسَدُ رَسُولِهِ يَوْمَ أُحُدٍ، فَصَبَرَ وَاحْتَسَبَ.
وَذَكَرَ فِي مُقَابَلَةِ حُسْنِ يُوسُفَ، ﵇، مَا ذَكَرَ مِنْ جَمَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَهَابَتِهِ وَحَلَاوَتِهِ شَكْلًا وَنُطْقًا وَهَدْيًا، وَدَلًّا وَسَمْتًا، كَمَا تَقَدَّمَ فِي شَمَائِلِهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ، كَمَا قَالَتِ الرُّبَيِّعُ بِنْتُ مُعَوِّذٍ: لَوْ رَأَيْتَهُ لَرَأَيْتَ الشَّمْسَ طَالِعَةً.
وَذَكَرَ فِي مُقَابَلَةِ مَا ابْتُلِيَ بِهِ يُوسُفُ، ﵇، مِنَ الْفُرْقَةِ وَالْغُرْبَةِ، هِجْرَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَمُفَارَقَتَهُ وَطَنَهُ وَأَهْلَهُ وَأَصْحَابَهُ الَّذِينَ كَانُوا بِهَا.
الْقَوْلُ فِيمَا أُوتِيَ مُوسَى، ﵇، مِنَ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ.
وَأَعْظَمُهُنَّ تِسْعُ آيَاتٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ [الْإِسْرَاءِ: ١٠١].
[ ٩ / ٣٤٥ ]
وَقَدْ شَرَحْنَاهَا فِي «التَّفْسِيرِ» وَحَكَيْنَا قَوْلَ السَّلَفِ فِيهَا، وَاخْتِلَافَهُمْ فِيهَا، وَأَنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى أَنَّهَا هِيَ الْعَصَا فِي انْقِلَابِهَا حَيَّةً تَسْعَى، وَالْيَدُ إِذَا أَدْخَلَ يَدَهُ فِي جَيْبِ دِرْعِهِ ثُمَّ أَخْرَجَهَا تُضِيءُ كَقِطْعَةِ قَمَرٍ يَتَلَأْلَأُ إِضَاءَةً، وَدُعَاؤُهُ عَلَى قَوْمِ فِرْعَوْنَ حِينَ كَذَّبُوهُ فَأَرْسَلَ عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ، كَمَا بَسَطْنَا ذَلِكَ فِي «التَّفْسِيرِ» وَكَذَلِكَ أَخَذَهُمُ اللَّهُ بِالسِّنِينَ، وَهِيَ نَقْصُ الْحُبُوبِ، وَبِالْجَدْبِ، وَهُوَ نَقْصُ الثِّمَارِ، وَبِالْمَوْتِ الذَّرِيعِ، وَهُوَ نَقْصُ الْأَنْفُسِ، وَهُوَ الطُّوفَانُ فِي قَوْلٍ، وَمِنْهَا فَلْقُ الْبَحْرِ لِإِنْجَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَإِغْرَاقِ آلِ فِرْعَوْنَ، وَمِنْهَا تَظْلِيلُ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي التِّيهِ بِالْغَمَامِ، وَإِنْزَالُ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى عَلَيْهِمْ، وَاسْتِسْقَاؤُهُ لَهُمْ، فَجَعَلَ اللَّهُ مَاءَهُمْ يَخْرُجُ مِنْ حَجَرٍ يُحْمَلُ مَعَهُمْ عَلَى دَابَّةٍ، لَهُ أَرْبَعَةُ وُجُوهٍ، إِذَا ضَرَبَهُ مُوسَى بِعَصَاهُ يَخْرُجُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ثَلَاثَةُ أَعْيُنٍ، لِكُلِّ سِبْطٍ عَيْنٌ، ثُمَّ يَضْرِبُهُ فَيُقْلِعُ، وَقَتَلَ كُلَّ مَنْ عَبَدَ الْعِجْلَ مِنْهُمْ ثُمَّ أَحْيَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، وَقِصَّةُ الْبَقَرَةِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الْبَاهِرَاتِ، كَمَا بَسَطْنَا ذَلِكَ فِي «التَّفْسِيرِ» وَفِي قِصَّةِ مُوسَى، ﵇، مِنْ كِتَابِنَا هَذَا فِي قَصَصِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْهُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
[ ٩ / ٣٤٦ ]
أَمَّا الْعَصَا فَقَالَ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ ابْنُ الزَّمْلَكَانِيِّ: وَأَمَّا حَيَاةُ عَصَا مُوسَى، فَقَدْ سَبَّحَ الْحَصَا فِي كَفِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ جَمَادٌ، وَالْحَدِيثُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ، وَهَذَا الْحَدِيثُ مَشْهُورٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، وَقَدْ قَدَّمْنَا ذَلِكَ مَبْسُوطًا فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ، وَفِيهِ: أَنَّهُنَّ سَبَّحْنَ فِي كَفِّ أَبِي بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرَ، ثُمَّ عُثْمَانَ، كَمَا سَبَّحْنَ فِي كَفِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «هَذِهِ خِلَافَةُ النُّبُوَّةِ».
وَقَدْ رَوَى الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ بِسَنَدِهِ إِلَى بَكْرِ بْنِ خُنَيْسٍ، عَنْ رَجُلٍ سَمَّاهُ قَالَ: كَانَ بِيَدِ أَبِي مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيِّ سُبْحَةٌ يُسَبِّحُ بِهَا. قَالَ: فَنَامَ وَالسُّبْحَةُ فِي يَدِهِ. قَالَ: فَاسْتَدَارَتِ السُّبْحَةُ فَالْتَفَّتْ عَلَى ذِرَاعِهِ، وَجَعَلَتْ تُسَبِّحُ، فَالْتَفَتَ أَبُو مُسْلِمٍ وَالسُّبْحَةُ تَدُورُ فِي ذِرَاعِهِ وَهِيَ تَقُولُ: سُبْحَانَكَ يَا مُنْبِتَ النَّبَاتِ، وَيَا دَائِمَ الثَّبَاتِ. فَقَالَ: هَلُمِّي يَا أُمَّ مُسْلِمٍ، وَانْظُرِي إِلَى أَعْجَبِ الْأَعَاجِيبِ. قَالَ: فَجَاءَتْ أُمُّ مُسْلِمٍ وَالسُّبْحَةُ تَدُورُ وَتُسَبِّحُ، فَلَمَّا جَلَسَتْ سَكَتَتْ.
وَأَصَحُّ مِنْ هَذَا كُلِّهُ وَأَصْرَحُ حَدِيثُ الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنَّا نَسْمَعُ تَسْبِيحَ الطَّعَامِ وَهُوَ يُؤْكَلُ.
[ ٩ / ٣٤٧ ]
قَالَ شَيْخُنَا: وَكَذَلِكَ قَدْ سَلَّمَتْ عَلَيْهِ الْأَحْجَارُ. قُلْتُ: وَهَذَا قَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنِّي لِأَعَرِفُ حَجَرًا كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ بِمَكَّةَ قَبْلَ أَنْ أُبْعَثَ، إِنِّي لِأَعْرِفُهُ الْآنَ. قَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ.
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكُوفِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ أَبِي ثَوْرٍ عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، ﵁، قَالَ كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِمَكَّةَ فِي بَعْضِ نَوَاحِيهَا، فَمَا اسْتَقْبَلَهُ جَبَلٌ وَلَا شَجَرٌ إِلَّا قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. ثُمَّ قَالَ: غَرِيبٌ. وَرَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي» الدَّلَائِلِ «مِنْ حَدِيثِ السُّدِّيِّ، عَنْ أَبِي عُمَارَةَ الْخَيْوَانِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجَعَلَ لَا يَمُرُّ عَلَى حَجَرٍ وَلَا شَجَرٍ إِلَّا سَلَّمَ عَلَيْهِ. وَقَدَّمْنَا فِي أَوَّلِ الْمَبْعَثِ أَنَّهُ لَمَّا أَوْحَى إِلَيْهِ جِبْرِيلُ أَوَّلَ مَا أَوْحَى إِلَيْهِ، فَرَجْعَ لَا يَمُرُّ بِحَجَرٍ وَلَا شَجَرٍ وَلَا مَدَرٍ وَلَا شَيْءٍ إِلَّا قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: وَأَقْبَلَتِ الشَّجَرَةُ عَلَيْهِ بِدُعَائِهِ. وَذَكَرَ اجْتِمَاعَ تَيْنِكَ الشَّجَرَتَيْنِ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ مِنْ وَرَائِهِمَا ثُمَّ رُجُوعَهُمَا إِلَى مَنَابِتِهِمَا، وَكِلَا الْحَدِيثَيْنِ فِي» الصَّحِيحِ «
[ ٩ / ٣٤٨ ]
وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ حُلُولُ حَيَاةٍ فِيهِمَا، إِذْ قَدْ تَكُونَانِ سَاقَهُمَا سَائِقٌ، وَلَكِنْ فِي قَوْلِهِ:» انْقَادَا عَلَيَّ بِإِذْنِ اللَّهِ «مَا يَدُلُّ عَلَى حُصُولِ شُعُورٍ مِنْهُمَا لِمُخَاطَبَتِهِ، وَلَا سِيَّمَا مَعَ امْتِثَالِهِمَا مَا أَمَرَهُمَا بِهِ. قَالَ: وَأَمَرَ عِذْقًا مِنْ نَخْلَةٍ أَنْ يَنْزِلَ فَنَزَلَ إِلَيْهِ يَنْقُزُ فِي الْأَرْضِ حَتَّى وَقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ:» أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ «فَشَهِدَ بِذَلِكَ ثَلَاثًا ثُمَّ عَادَ إِلَى مَكَانِهِ. وَهَذَا أَلْيَقُ وَأَظْهَرُ فِي الْمُطَابَقَةِ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ، وَلَكِنْ هَذَا السِّيَاقُ فِيهِ غَرَابَةٌ.
وَالَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَالْبُخَارِيُّ فِي» التَّارِيخِ «مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ظَبْيَانَ حُصَيْنِ بْنِ جُنْدَبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: بِمَ أَعْرِفُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ:» أَرَأَيْتَ إِنْ دَعَوْتُ هَذَا الْعِذْقَ مِنْ هَذِهِ النَّخْلَةِ أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ «قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَدَعَا الْعِذْقَ، فَجَعَلَ الْعِذْقُ يَنْزِلُ مِنَ النَّخْلَةِ حَتَّى سَقَطَ فِي الْأَرْضِ، فَجَعَلَ يَنْقُزُ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ قَالَ لَهُ:» ارْجِعْ «. فَرَجَعَ حَتَّى عَادَ إِلَى مَكَانِهِ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ. وَآمَنَ بِهِ. هَذَا لَفْظُ الْبَيْهَقِيُّ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الَّذِي شَهِدَ بِالرِّسَالَةِ هُوَ الْأَعْرَابِيُّ، وَكَانَ رَجُلًا مِنْ بَنِي عَامِرٍ.
وَلَكِنْ فِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: مَا هَذَا الَّذِي يَقُولُ
[ ٩ / ٣٤٩ ]
أَصْحَابُكَ؟ قَالَ: وَحَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَعْذَاقٌ وَشَجَرٌ. فَقَالَ:» هَلْ لَكَ أَنْ أُرِيَكَ آيَةً؟ «قَالَ: نَعَمْ. فَدَعَا غُصْنًا مِنْهَا فَأَقْبَلَ يَخُدُّ الْأَرْضَ حَتَّى وَقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَجَعَلَ يَسْجُدُ وَيَرْفَعُ رَأْسَهُ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَرَجَعَ. قَالَ: فَرَجَعَ الْعَامِرِيُّ وَهُوَ يَقُولُ: يَا آلَ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، وَاللَّهِ لَا أُكَذِّبُهُ بِشَيْءٍ يَقُولُهُ أَبَدًا.
وَتَقَدَّمَ فِيمَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي» مُسْتَدْرَكِهِ «مُتَفَرِّدًا بِهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَعَا رَجُلًا إِلَى الْإِسْلَامِ فَقَالَ: هَلْ مِنْ شَاهِدٍ عَلَى مَا تَقُولُ؟ قَالَ:» هَذِهِ الشَّجَرَةُ «. فَدَعَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهِيَ عَلَى شَاطِئِ الْوَادِي، فَأَقْبَلَتْ تَخُدُّ الْأَرْضَ خَدًّا، فَقَامَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَاسْتَشْهَدَهَا ثَلَاثًا، فَشَهِدَتْ أَنَّهُ كَمَا قَالَ، ثُمَّ إِنَّهَا رَجَعَتْ إِلَى مَنْبَتِهَا، وَرَجَعَ الْأَعْرَابِيُّ إِلَى قَوْمِهِ وَقَالَ: إِنْ يَتَّبِعُونِي أَتَيْتُكَ بِهِمْ وَإِلَّا رَجَعْتُ إِلَيْكَ وَكُنْتُ مَعَكَ.
قَالَ: وَأَمَّا حَنِينُ الْجِذْعِ الَّذِي كَانَ يَخْطُبُ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ، فَعُمِلَ لَهُ الْمِنْبَرُ، فَلَمَّا رَقِيَ عَلَيْهِ وَخَطَبَ، حَنَّ الْجِذْعُ إِلَيْهِ حَنِينَ الْعِشَارِ وَالنَّاسُ يَسْمَعُونَ صَوْتَهُ بِمَشْهَدِ الْخَلْقِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَلَمْ يَزَلْ يَئِنُّ وَيَحِنُّ حَتَّى نَزَلَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ فَاعْتَنَقَهُ وَسَكَّنَهُ وَخَيَّرَهُ بَيْنَ أَنْ يَرْجِعَ غُصْنًا طَرِيًّا أَوْ يُغْرَسَ فِي الْجَنَّةِ يَأْكُلُ مِنْهُ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ، فَاخْتَارَ الْغَرْسَ فِي الْجَنَّةِ، وَسَكَنَ عِنْدَ ذَلِكَ؛ فَهُوَ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ مَعْرُوفٌ، قَدْ رَوَاهُ مِنَ الصَّحَابَةِ عَدَدٌ كَثِيرٌ مُتَوَاتِرٌ، وَكَانَ بِحُضُورِ الْخَلَائِقِ. وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ مِنْ تَوَاتُرِ حَدِيثِ الْجِذْعِ هُوَ كَمَا قَالَ، فَإِنَّهُ قَدْ رَوَى
[ ٩ / ٣٥٠ ]
هَذَا الْحَدِيثَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَعَنْهُمْ أَعْدَادٌ مِنَ التَّابِعِينَ، ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِمْ آخَرُونَ عَنْهُمْ، لَا يُمْكِنُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ، فَهُوَ مَقْطُوعٌ بِهِ فِي الْجُمْلَةِ، وَأَمَّا تَخْيِيرُ الْجِذْعِ كَمَا ذَكَرَهُ شَيْخُنَا فَلَيْسَ بِمُتَوَاتِرٍ، بَلْ وَلَا يَصِحُّ إِسْنَادُهُ، وَقَدْ أَوْرَدْتُهُ فِي الدَّلَائِلِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَذُكِرَ فِي» مُسْنَدِ أَحْمَدَ «،» وَسُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ «، وَعَنْ أَنَسٍ مِنْ خَمْسِ طُرُقٍ إِلَيْهِ، صَحَّحَ التِّرْمِذِيُّ إِحْدَاهَا، وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ أُخْرَى، وَأَحْمَدُ ثَالِثَةً، وَالْبَزَّارُ رَابِعَةً، وَأَبُو نُعَيْمٍ خَامِسَةً، وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبَدِ اللَّهِ فِي» صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ «مِنْ طَرِيقَيْنِ عَنْهُ، وَالْبَزَّارُ مِنْ ثَالِثَةٍ وَرَابِعَةٍ، وَأَحْمَدُ مِنْ خَامِسَةٍ وَسَادِسَةٍ، وَهَذِهِ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فِي» مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ «عَلَى شَرْطِ» الصَّحِيحَيْنِ «وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي» مُسْنَدِ أَحْمَدَ «وَ» سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ «بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي» صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ «، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ فِي» مُسْنَدِ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ «بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ، وَعَنْ عَائِشَةَ رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْجَوَارِبِيِّ، عَنْ قَبِيصَةَ، عَنْ حِبَّانَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ صَالِحِ بْنِ حَيَّانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ، وَفِيهِ أَنَّهُ خَيَّرَهُ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَاخْتَارَ الْجِذْعُ الْآخِرَةَ، وَغَارَ حَتَّى ذَهَبَ، فَلَمْ يُعْرَفْ. وَهَذَا غَرِيبٌ إِسْنَادًا وَمَتْنًا.
[ ٩ / ٣٥١ ]
وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ، وَقَدَّمْتُ الْأَحَادِيثَ بِبَسْطِ أَسَانِيدِهَا وَتَحْرِيرِ أَلْفَاظِهَا وَعَزْوِهَا بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ عَنْ إِعَادَتِهِ هَا هُنَا، وَمَنْ تَدَبَّرَهَا حَصَلَ لَهُ الْقَطْعُ بِذَلِكَ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضُ بْنُ مُوسَى السَّبْتِيُّ الْمَالِكِيُّ فِي كِتَابِهِ» الشِّفَا «: وَهُوَ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ مُنْتَشِرٌ مُتَوَاتِرٌ خَرَّجَهُ أَهْلُ الصَّحِيحِ. وَرَوَاهُ مِنَ الصَّحَابَةِ بِضْعَةَ عَشْرَ، مِنْهُمْ أُبَيٌّ، وَجَابِرٌ، وَأَنَسٌ وَبُرَيْدَةُ وَسَهْلُ بْنُ سَعْدٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرٍ وَالْمُطَّلِبُ بْنُ أَبِي وَدَاعَةَ وَأَبُو سَعِيدٍ وَأُمُّ سَلَمَةَ، ﵃ أَجْمَعِينَ.
قَالَ شَيْخُنَا: فَهَذِهِ جَمَادَاتٌ وَنَبَاتَاتٌ، وَقَدْ حَنَّتْ وَتَكَلَّمَتْ وَفِي ذَلِكَ مَا يُقَابِلُ انْقِلَابَ الْعَصَا حَيَّةً.
قُلْتُ: وَسَنُشِيرُ إِلَى هَذَا عِنْدَ ذِكْرِ مُعْجِزَاتِ عِيسَى، ﵇ فِي إِحْيَائِهِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى فِي ذَلِكَ، كَمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنِ الْحَاكِمِ، عَنْ أَبِي أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سَوَّادٍ قَالَ: قَالَ لِيَ الشَّافِعِيُّ: مَا أَعْطَى اللَّهُ نَبِيًّا مَا أَعْطَى مُحَمَّدًا ﷺ. فَقُلْتُ أَعْطَى عِيسَى إِحْيَاءَ الْمَوْتَى. فَقَالَ: أَعْطَى مُحَمَّدًا الْجِذْعَ الَّذِي كَانَ يَخْطُبُ إِلَى جَنْبِهِ
[ ٩ / ٣٥٢ ]
حَتَّى هُيِّئَ لَهُ الْمِنْبَرُ، فَلَمَّا هُيِّئَ لَهُ حَنَّ الْجِذْعُ حَتَّى سَمِعَ صَوْتَهُ، فَهَذَا أَكْبَرُ مِنْ ذَلِكَ. وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ إِلَى الشَّافِعِيِّ، ﵀ وَهُوَ مِمَّا كُنْتُ أَسْمَعُ شَيْخَنَا الْحَافِظَ أَبَا الْحَجَّاجِ الْمِزِّيَّ، ﵀ يَذْكُرُهُ عَنِ الشَّافِعِيِّ، ﵀ وَأَكْرَمَ مَثْوَاهُ، وَإِنَّمَا قَالَ: فَهَذَا أَكْبَرُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْجِذْعَ لَيْسَ مَحَلًّا لِلْحَيَاةِ، وَمَعَ هَذَا حَصَلَ لَهُ شُعُورٌ وَوَجْدٌ لَمَّا تَحَوَّلَ عَنْهُ إِلَى الْمِنْبَرِ، فَأَنَّ وَحَنَّ حَنِينَ الْعِشَارِ حَتَّى نَزَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاحْتَضَنَهُ وَسَكَّنَهُ حَتَّى سَكَنَ. قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: فَهَذَا الْجِذْعُ حَنَّ إِلَيْهِ، فَإِنَّهُمْ أَحَقُّ أَنْ يَحِنُّوا إِلَيْهِ. وَأَمَّا عَوْدُ الْحَيَاةِ إِلَى جَسَدٍ كَانَتْ فِيهِ بِإِذْنِ اللَّهِ فَعَظِيمٌ، وَهَذَا أَعْجَبُ وَأَعْظَمُ مِنْهُ إِيجَادُ حَيَاةٍ وَشُعُورٍ فِي مَحَلٍّ لَيْسَ مَأْلُوفًا لِذَلِكَ، لَمْ تَكُنْ فِيهِ قَبْلُ بِالْكُلِّيَّةِ، فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
تَنْبِيهٌ: وَقَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِوَاءٌ يُحْمَلُ مَعَهُ فِي الْحَرْبِ يَخْفِقُ فِي قُلُوبِ أَعْدَائِهِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَكَانَتْ لَهُ عَنَزَةٌ تُحْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَإِذَا أَرَادَ الصَّلَاةَ إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ وَلَا حَائِلَ رُكِزَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَكَانَ لَهُ قَضِيبٌ يَتَوَكَّأُ عَلَيْهِ إِذَا مَشَى، وَهُوَ الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ سَطِيحٌ فِي قَوْلِهِ لِابْنِ أَخِيهِ عَبْدِ الْمَسِيحِ بْنِ بُقَيْلَةَ: يَا عَبْدَ الْمَسِيحِ، إِذَا كَثُرَتِ التِّلَاوَهْ، وَظَهْرَ صَاحِبُ الْهِرَاوَهْ، وَغَاضَتْ بُحَيْرَةُ سَاوَهْ، فَلَيْسَتِ الشَّامُ لِسَطِيحٍ شَامًا. وَلِهَذَا كَانَ ذِكْرُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ عِنْدَ إِحْيَاءِ عَصَا مُوسَى وَجَعْلِهَا حَيَّةً أَلْيَقَ; إِذْ هِيَ مُسَاوِيَةٌ لِذَلِكَ، وَهَذِهِ مُتَعَدِّدَةٌ كَثِيرَةٌ فِي مَحَالٍّ
[ ٩ / ٣٥٣ ]
مُتَفَرِّقَةٍ، بِخِلَافِ عَصَا مُوسَى، فَإِنَّهَا وَإِنْ تَعَدَّدَ جَعْلُهَا حَيَّةً، فَهِيَ ذَاتٌ وَاحِدَةٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ نُنَبِّهُ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ ذِكْرِ إِحْيَاءِ الْمَوْتَى عَلَى يَدِ عِيسَى; لِأَنَّ هَذِهِ أَعْجَبُ وَأَكْبَرُ وَأَظْهَرُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ شَيْخُنَا: وَأَمَّا أَنَّ اللَّهَ كَلَّمَ مُوسَى تَكْلِيمًا، فَقَدْ تَقَدَّمَ حُصُولُ الْكَلَامِ لِلنَّبِيِّ ﷺ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، فَيَشْهَدُ لَهُ:» فَنُودِيتُ: أَنْ يَا مُحَمَّدُ، قَدْ كَمَّلْتُ فَرِيضَتِي وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي «. وَسِيَاقُ بَقِيَّةِ الْقِصَّةِ يُرْشِدُ إِلَى ذَلِكَ، وَقَدْ حَكَى بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ، لَكِنْ رَأَيْتُ فِي كَلَامِ الْقَاضِي عِيَاضٍ نَقْلَ خِلَافٍ فِيهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الرُّؤْيَةُ فَفِيهَا خِلَافٌ مَشْهُورٌ بَيْنَ الْخَلَفِ وَالسَّلَفِ، وَنَصَرَهَا مِنَ الْأَئِمَّةِ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ الْمَشْهُورُ بِإِمَامِ الْأَئِمَّةِ، وَاخْتَارَ ذَلِكَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَالشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيُّ، وَجَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ تَصْدِيقُ الرُّؤْيَةِ، وَجَاءَ عَنْهُ تَقْيِيدُهَا بِالْفُؤَادِ، وَكِلَاهُمَا فِي» صَحِيحِ مُسْلِمٍ «. وَفِي» الصَّحِيحَيْنِ «عَنْ عَائِشَةَ إِنْكَارُ ذَلِكَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي الْإِسْرَاءِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي ذَرٍ وَعَائِشَةَ، ﵃، أَنَّ الْمَرْئِيَّ فِي الْمَرَّتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ فِي أَوَّلِ سُورَةِ» النَّجْمِ «إِنَّمَا هُوَ جِبْرِيلُ، ﵇. وَفِي» صَحِيحِ مُسْلِمٍ «عَنْ أَبِي ذَرٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ فَقَالَ:» نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ؟ «. وَفِي رِوَايَةٍ:» رَأَيْتُ نُورًا «. وَقَدْ تَقَدَّمَ بَسْطُ
[ ٩ / ٣٥٤ ]
ذَلِكَ فِي الْإِسْرَاءِ فِي السِّيرَةِ وَفِي» التَّفْسِيرِ «فِي أَوَّلِ سُورَةِ» بَنِي إِسْرَائِيلَ «وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ شَيْخُنَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُعْجِزَاتِ الْمُوسَوِيَّةِ - عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ -. وَأَيْضًا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَلَّمَ مُوسَى وَهُوَ بِطُورِ سَيْنَاءَ، وَسَأَلَ الرُّؤْيَةَ فَمُنِعَهَا، وَكَلَّمَ مُحَمَّدًا ﷺ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ وَهُوَ بِالْمَلَأِ الْأَعْلَى حِينَ رُفِعَ لِمُسْتَوًى يَسْمَعُ فِيهِ صَرِيفَ الْأَقْلَامِ، وَحَصَلَتْ لَهُ الرُّؤْيَةُ فِي قَوْلِ طَائِفَةٍ كَبِيرَةٍ مِنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ رَأَيْتُ ابْنَ حَامِدٍ قَدْ طَرَقَ هَذَا فِي كِتَابِهِ وَأَجَادَ وَأَفَادَ.
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِمُوسَى: وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي [طه: ٣٩]. وَقَالَ لِمُحَمَّدٍ: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آلِ عِمْرَانَ: ٣١].
وَأَمَّا الْيَدُ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ بُرْهَانًا وَحُجَّةً لِمُوسَى عَلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ ذِكْرِ صَيْرُورَةِ الْعَصَا حَيَّةً: اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ [الْقَصَصِ: ٣٢]. وَقَالَ فِي سُورَةِ» طه «: آيَةً أُخْرَى لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى [طه: ٢٢، ٢٣]. فَقَدْ أَعْطَى اللَّهُ مُحَمَّدًا انْشِقَاقَ الْقَمَرِ بِإِشَارَتِهِ إِلَيْهِ فِرْقَتَيْنِ، فِرْقَةً مِنْ وَرَاءِ جَبَلِ حِرَاءٍ، وَأُخْرَى أَمَامَهُ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ بِالْأَحَادِيثِ الْمُتَوَاتِرَةِ مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ [الْقَمَرِ: ١، ٢].
[ ٩ / ٣٥٥ ]
وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا أَجَلُّ وَأَعْظَمُ وَأَبْهَرُ فِي الْمُعْجِزَاتِ، وَأَشْهَرُ وَأَعْظَمُ وَأَعَمُّ وَأَظْهَرُ وَأَبْلَغُ مِنْ ذَلِكَ، وَقَدْ قَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ فِي حَدِيثِهِ الطَّوِيلِ فِي قِصَّةِ تَوْبَتِهِ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ كَأَنَّهُ فِلْقَةُ قَمَرٍ. وَذَلِكَ فِي» صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ «.
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: قَالُوا: فَإِنَّ مُوسَى أُعْطِيَ الْيَدَ الْبَيْضَاءَ. قُلْنَا لَهُمْ: فَقَدْ أُعْطِيَ مُحَمَّدٌ ﷺ مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ، نُورًا كَانَ يُضِيءُ عَنْ يَمِينِهِ حَيْثُمَا جَلَسَ، وَعَنْ يَسَارِهِ حَيْثُمَا جَلَسَ وَقَامَ، يَرَاهُ النَّاسُ كُلُّهُمْ وَقَدْ بَقِيَ ذَلِكَ النُّورُ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُرَى النُّورُ السَّاطِعُ مِنْ قَبْرِهِ ﷺ مِنْ مَسِيرَةِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ؟ هَذَا لَفْظُهُ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ مِنْ هَذَا النُّورِ غَرِيبٌ جِدًّا، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي السِّيرَةِ عِنْدَ إِسْلَامِ الطُّفَيْلِ بْنِ عَمْرٍو الدَّوْسِيِّ، أَنَّهُ طَلَبَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ آيَةً تَكُونُ لَهُ عَوْنًا عَلَى إِسْلَامِ قَوْمِهِ، فَدَعَا لَهُ وَذَهَبَ إِلَى قَوْمِهِ، فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَى قَوْمِهِ مِنْ ثَنِيَّةٍ هُنَاكَ، فَسَطَعَ نُورٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَالْمِصْبَاحِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ; فَإِنَّهُمْ يَظُنُّونَهُ مُثْلَةً. فَتَحَوَّلَ النُّورُ إِلَى طَرَفِ سَوْطِهِ فَجَعَلُوا يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ كَالْمِصْبَاحِ، فَهَدَاهُمُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ بِبَرَكَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبِدُعَائِهِ لَهُمْ فِي قَوْلِهِ:» اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا وَأْتِ بِهِمْ «. وَكَانَ يُقَالُ لِلطُّفَيْلِ: ذُو النُّورِ لِذَلِكَ. وَذَكَرْنَا أَيْضًا حَدِيثَ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ وَعَبَّادِ بْنِ بِشْرٍ فِي خُرُوجِهِمَا مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ ﷺ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، فَأَضَاءَ لَهُمَا طَرَفُ عَصَا أَحَدِهِمَا، فَلَمَّا افْتَرَقَا أَضَاءَ
[ ٩ / ٣٥٦ ]
لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا طَرَفُ عَصَاهُ، وَذَلِكَ فِي» صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ «وَغَيْرِهِ.
وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ فِي كِتَابِ» دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ «: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ عَبَّادَ بْنَ بِشْرٍ وَأُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ خَرَجَا مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ ﷺ فِي لَيْلَةٍ ظَلْمَاءَ حِنْدِسٍ، فَأَضَاءَتْ عَصَا أَحَدِهِمَا مِثْلَ السِّرَاجِ وَجَعَلَا يَمْشِيَانِ بِضَوْئِهَا، فَلَمَّا تَفَرَّقَا إِلَى مَنْزِلِهِمَا أَضَاءَتْ عَصَا ذَا وَعَصَا ذَا.
ثُمَّ رُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَمْزَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْزَةَ بْنِ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، وَعَنْ يَعْقُوبَ بْنِ حُمَيْدٍ الْمَدَنِيِّ، كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حَمْزَةَ بْنِ يَزِيدَ الْأَسْلَمِيِّ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سِرْنَا فِي سَفَرٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي لَيْلَةٍ ظَلْمَاءَ دُحْمُسَةٍ، فَأَضَاءَتْ أَصَابِعِي حَتَّى جَمَعُوا عَلَيْهَا ظَهْرَهُمْ وَمَا هَلَكَ مِنْهُمْ، وَإِنَّ أَصَابِعِي لَتُنِيرُ.
وَرَوَى هَاشِمُ بْنُ عَمَّارٍ فِي» الْمَبْعَثِ «: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَكْرِيُّ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْبَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو التَّيَّاحِ الضُّبَعِيُّ قَالَ: كَانَ مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ يَبْدُو، فَيَدْخُلُ كُلَّ جُمُعَةٍ، فَرُبَّمَا نُوِّرَ لَهُ فِي سَوْطِهِ، فَأَدْلَجَ
[ ٩ / ٣٥٧ ]
ذَاتَ لَيْلَةٍ وَهُوَ عَلَى فَرَسِهِ حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ الْمَقَابِرِ هُوِّمَ بِهِ، قَالَ: فَرَأَيْتُ صَاحِبَ كُلِّ قَبْرٍ جَالِسًا عَلَى قَبْرِهِ، قَالُوا: هَذَا مُطَرِّفٌ يَأْتِي الْجُمُعَةَ. فَقُلْتُ لَهُمْ: وَتَعْلَمُونَ عِنْدَكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ؟ قَالُوا: نَعَمْ، وَنَعْلَمُ مَا يَقُولُ فِيهِ الطَّيْرُ. قُلْتُ: وَمَا يَقُولُ فِيهِ الطَّيْرُ؟ قَالُوا: يَقُولُ: سَلَامٌ سَلَامٌ مِنْ يَوْمٍ صَالِحٍ.
وَأَمَّا دُعَاؤُهُ ﵇ بِالطُّوفَانِ وَهُوَ الْمَوْتُ الذَّرِيعُ فِي قَوْلٍ، وَمَا بَعْدَهُ مِنَ الْآيَاتِ وَالْقَحْطِ وَالْجَدْبِ، فَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ إِلَى مُتَابَعَتِهِ وَيُقْلِعُونَ عَنْ مُخَالَفَتِهِ، فَمَا زَادَهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ وَقَالُوا يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ [الزُّخْرُفِ: ٤٨، ٤٩]. وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ [الْأَعْرَافِ: ١٣٢ - ١٣٦]. وَقَدْ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى قُرَيْشٍ حِينَ تَمَادَوْا عَلَى مُخَالَفَتِهِ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ، فَقَحَطُوا حَتَّى أَكَلُوا كُلَّ
[ ٩ / ٣٥٨ ]
شَيْءٍ، وَكَانَ أَحَدُهُمْ يَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ مِثْلَ الدُّخَّانِ مِنَ الْجُوعِ. وَقَدْ فَسَّرَ ابْنُ مَسْعُودٍ قَوْلَهُ تَعَالَى: فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ [الدُّخَانِ: ١٠] بِذَلِكَ، كَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْهُ فِي غَيْرِمَا مَوْضِعٍ مِنْ» صَحِيحِهِ «ثُمَّ تَوَسَّلُوا إِلَيْهِ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، بِقَرَابَتِهِمْ مِنْهُ مَعَ أَنَّهُ بُعِثَ بِالرَّحْمَةِ وَالرَّأْفَةِ، فَدَعَا لَهُمْ فَأَقْلَعَ عَنْهُمْ وَرُفِعَ عَنْهُمْ، وَأُحْيُوا بَعْدَمَا كَانُوا أَشْرَفُوا عَلَى الْهَلَكَةِ.
وَأَمَّا فَلْقُ الْبَحْرِ لِمُوسَى ﵇ حِينَ أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى - حِينَ تَرَاءَى الْجَمْعَانِ - أَنْ يَضْرِبَ الْبَحْرَ بِعَصَاهُ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ، فَإِنَّهُ مُعْجِزَةٌ عَظِيمَةٌ بَاهِرَةٌ، وَحُجَّةٌ قَاطِعَةٌ قَاهِرَةٌ. وَقَدْ بَسَطْنَا ذَلِكَ فِي» التَّفْسِيرِ «وَفِي قَصَصِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا، وَفِي إِشَارَتِهِ ﷺ بِيَدِهِ الْكَرِيمَةِ إِلَى قَمَرِ السَّمَاءِ، فَانْشَقَّ فِلْقَتَيْنِ وَفْقَ مَا سَأَلَتْهُ قُرَيْشٌ وَهُمْ مَعَهُ جُلُوسٌ، فِي لَيْلَةِ الْبَدْرِ، أَعْظَمُ آيَةٍ، وَأَيْمَنُ دَلَالَةٍ، وَأَوْضَحُ حُجَّةٍ، وَأَبْهَرُ بِرِهَانٍ عَلَى نُبُوَّتِهِ وَوَجَاهَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَمْ يُنْقَلْ مُعْجِزَةٌ عَنْ نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مِنَ الْآيَاتِ الْحِسِّيَّاتِ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا، كَمَا قَرَّرْنَا ذَلِكَ بِأَدِلَّتِهِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسَّنَةِ فِي» التَّفْسِيرِ «وَفِي أَوَّلِ الْبَعْثَةِ، وَهَذَا أَعْظَمُ مِنْ حَبْسِ الشَّمْسِ قَلِيلًا لِيُوشَعَ بْنِ نُونٍ حَتَّى تَمَكَّنَ مِنَ الْفَتْحِ لَيْلَةَ السَّبْتِ، كَمَا سَيَأْتِي فِي تَقْرِيرِ ذَلِكَ، مَعَ مَا يُنَاسِبُ ذِكْرَهُ عِنْدَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ مَسِيرِ
[ ٩ / ٣٥٩ ]
الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ، وَأَبِي عُبَيْدٍ الثَّقَفِيِّ، وَأَبِي مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيِّ، وَسَائِرِ الْجُيُوشِ التى كَانَتْ مَعَهُمْ عَلَى تَيَّارِ الْمَاءِ، وَمِنْهَا دِجْلَةُ وَهِيَ جَارِيَةٌ عَجَاجَةٌ تَقْذِفُ بِالْخَشَبِ مِنْ شِدَّةِ جَرْيِهَا، وَتَقَدَّمَ تَقْرِيرُ أَنَّ هَذَا أَعْجَبُ مِنْ فَلْقِ الْبَحْرِ لِمُوسَى مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: قَالُوا: فَإِنَّ مُوسَى، ﵇، ضَرَبَ بِعَصَاهُ الْبَحْرَ، فَانْفَلَقَ فَكَانَ ذَلِكَ آيَةً لِمُوسَى ﵇. قُلْنَا: فَقَدْ أُوتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِثْلَهَا. قَالَ عَلِيٌّ ﵁: لَمَّا خَرَجْنَا إِلَى خَيْبَرَ، فَإِذَا نَحْنُ بَوَادٍ يَشْخَبُ، وَقَدَّرْنَاهُ فَإِذَا هُوَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ قَامَةً، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْعَدُوُّ مِنْ وَرَائِنَا وَالْوَادِي مِنْ أَمَامِنَا. كَمَا قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ [الشُّعَرَاءِ: ٦١]. فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ:» اللَّهُمَّ إِنَّكَ جَعَلْتَ لِكُلِّ مُرْسَلٍ دَلَالَةً، فَأَرِنِي قُدْرَتَكَ «. فَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَعَبَرَتِ الْخَيْلُ لَا تُبْدِي حَوَافِرَهَا، وَالْإِبِلُ لَا تُبْدِي أَخْفَافَهَا، فَكَانَ ذَلِكَ فَتْحًا. وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ بِلَا إِسْنَادٍ لَا أَعْرِفُهُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْكُتُبِ الْمُعْتَمَدَةِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَلَا حَسَنٍ، بَلْ وَلَا ضَعِيفٍ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا تَظْلِيلُهُ بِالْغَمَامِ فِي التِّيهِ، فَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ حَدِيثِ الْغَمَامَةِ الَّتِي رَآهَا بَحِيرَى تُظِلُّهُ مِنْ بَيْنِ أَصْحَابِهِ، وَهُوَ ابْنُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، صُحْبَةَ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ، وَهُوَ قَاصِدٌ الشَّامَ فِي تِجَارَةٍ، وَهَذَا أَبْهَرُ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ كَانَ وَهُوَ قَبْلَ أَنْ
[ ٩ / ٣٦٠ ]
يُوحَى إِلَيْهِ، وَكَانَتِ الْغَمَامَةُ تُظِلُّهُ وَحْدَهُ مِنْ بَيْنِ أَصْحَابِهِ، فَهَذَا أَشَدُّ فِي الِاعْتِنَاءِ، وَأَظْهَرُ مِنْ غَمَامٍ يُظِلُّ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَغَيْرَهُمْ. وَأَيْضًا فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ تَظْلِيلِ الْغَمَامِ إِنَّمَا كَانَ لِاحْتِيَاجِهِمْ إِلَيْهِ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي الدَّلَائِلِ حِينَ سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَدْعُوَ لَهُمْ لِيُسْقَوْا لِمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْجُوعِ وَالْجَهْدِ وَالْقَحْطِ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ:» اللَّهُمَّ اسْقِنَا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا «. قَالَ أَنَسٌ: وَلَا وَاللَّهِ مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ وَلَا قَزَعَةٍ، وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلْعٍ مِنْ بَيْتٍ وَلَا دَارٍ، فَأُنْشِأَتْ مِنْ وَرَائِهِ سَحَابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ، فَلَمَّا تَوَسَّطَتِ السَّمَاءَ انْتَشَرَتْ ثُمَّ أَمْطَرَتْ. قَالَ أَنَسٌ: فَلَا وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا الشَّمْسَ سَبْتًا، وَلَمَّا سَأَلُوهُ أَنْ يَسْتَصْحِيَ لَهُمْ، رَفَعَ يَدَهُ وَقَالَ:» اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا «. فَمَا جَعَلَ يُشِيرُ بِيَدَيْهِ إِلَى نَاحِيَةٍ إِلَّا انْجَابَ السَّحَابُ، حَتَّى صَارَتِ الْمَدِينَةُ مِثْلَ الْإِكْلِيلِ، يُمْطَرُ مَا حَوْلَهَا وَلَا تُمْطَرُ. فَهَذَا تَظْلِيلُ غَمَامٍ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ آكُدُ مِنَ الْحَاجَةِ إِلَى ذَلِكَ، وَهُوَ أَنْفَعُ مِنْهُ، وَالتَّصَرُّفُ فِيهِ وَهُوَ يُشِيرُ أَبْلَغُ فِي الْمُعْجِزِ وَأَظْهَرُ فِي الِاعْتِنَاءِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا إِنْزَالُ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى عَلَيْهِمْ فَقَدْ كَثَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ فِي غَيْرِمَا مَوْطِنٍ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ مِنْ إِطْعَامِهِ الْجَمَّ الْغَفِيرَ مِنَ الشَّيْءِ الْيَسِيرِ، كَمَا أَطْعَمَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ مِنْ شُوَيْهَةِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَصَاعِهِ الشَّعِيرِ أَزْيَدَ مِنْ أَلْفِ نَفْسٍ جَائِعَةٍ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ دَائِمًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَأَطْعَمَ
[ ٩ / ٣٦١ ]
مِنْ جَفْنَةٍ فِئَامًا مِنَ النَّاسِ، وَكَانَتْ تُمَدُّ مِنَ السَّمَاءِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ مِمَّا يَطُولُ ذِكْرُهُ. وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو نُعَيْمٍ وَابْنُ حَامِدٍ أَيْضًا هَا هُنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَنِّ وَالسَّلْوَى إِنَّمَا هُوَ رِزْقٌ رُزِقُوهُ مِنْ غَيْرِ كَدٍّ مِنْهُمْ وَلَا تَعَبٍ، ثُمَّ أَوْرَدَ فِي مُقَابَلَتِهِ حَدِيثَ تَحْلِيلِ الْمَغَانِمِ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلَنَا، وَحَدِيثَ جَابِرٍ فِي سَرِيَّةِ أَبِي عُبَيْدَةَ وَجُوعِهِمْ حَتَّى أَكَلُوا الْخَبَطَ، فَحَسَرَ الْبَحْرُ لَهُمْ عَنْ دَابَّةٍ تُسَمَّى الْعَنْبَرَ، فَأَكَلُوا مِنْهَا ثَلَاثِينَ مِنْ بَيْنِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ حَتَّى سَمِنُوا وَتَكَسَّرَتْ عُكَنُ بُطُونِهِمْ. وَالْحَدِيثُ فِي» الصَّحِيحِ «كَمَا تَقَدَّمَ.
وَسَيَأْتِي عِنْدَ ذِكْرِ الْمَائِدَةِ فِي مُعْجِزَاتِ الْمَسِيحِ ابْنِ مَرْيَمَ قِصَّةُ أَبِي مُوسَى الْخَوْلَانِيِّ، أَنَّهُ خَرَجَ هُوَ وَجَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى الْحَجِّ وَأَمَرَهُمْ أَنْ لَا يَحْمِلُوا زَادًا وَلَا مَزَادًا، فَكَانُوا إِذَا نَزَلُوا مَنْزِلًا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَيُؤْتَوْنَ بِطَعَامٍ وَشَرَابٍ وَعَلَفٍ يَكْفِيهِمْ وَيَكْفِي دَوَابَّهُمْ غَدَاءً وَعَشَاءً، مُدَّةَ ذَهَابِهِمْ وَإِيَابِهِمْ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ الْآيَةَ [الْبَقَرَةِ: ٦٠]. فَقَدْ ذَكَرْنَا بَسْطَ ذَلِكَ فِي قِصَّةِ مُوسَى، ﵇، وَفِي» التَّفْسِيرِ «. وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي وَضْعِ النَّبِيِّ ﷺ يَدَهُ فِي ذَلِكَ الْإِنَاءِ الصَّغِيرِ الَّذِي لَمْ يَتَّسِعْ لِبَسْطِهَا فِيهِ، فَجَعَلَ الْمَاءُ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ أَمْثَالَ
[ ٩ / ٣٦٢ ]
الْعُيُونِ، وَكَذَلِكَ كَثَّرَ الْمَاءَ فِي غَيْرِ مَا مَوْطِنٍ، كَمَزَادَتَيْ تِلْكَ الْمَرْأَةِ، وَيَوْمِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَقَدِ اسْتَسْقَى اللَّهَ لِأَصْحَابِهِ فِي الْمَدِينَةِ وَغَيْرِهَا، فَأُجِيبَ طِبْقَ السُّؤَالِ وَوَفْقَ الْحَاجَةِ لَا أَزْيَدَ وَلَا أَنْقَصَ، وَهَذَا أَبْلَغُ فِي الْمُعْجِزِ. وَنَبْعُ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ مِنْ نَفْسِ يَدِهِ - عَلَى قَوْلِ طَائِفَةٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ - أَعْظَمُ مِنْ نَبْعِ الْمَاءِ مِنَ الْحَجَرِ، فَإِنَّهُ مَحَلٌّ لِذَلِكَ.
قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ: فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ مُوسَى كَانَ يَضْرِبُ بِعَصَاهُ الْحَجَرَ فَيَنْفَجِرُ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا فِي التِّيهِ، قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٌ مَشْرَبَهُمْ. قِيلَ: كَانَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ مِثْلُهُ وَأَعْجَبُ، فَإِنَّ نَبْعَ الْمَاءِ مِنَ الْحَجْرِ مَشْهُورٌ فِي الْعُلُومِ وَالْمَعَارِفِ، وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ نَبْعُ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ اللَّحْمِ وَالْعَظْمِ وَالدَّمِ، فَكَانَ يُفْرِّجُ بَيْنَ أَصَابِعِهِ فِي مِخْضَبٍ، فَيَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ الْمَاءُ، فَيَشْرَبُونَ وَيُسْقَوْنَ مَاءً جَارِيًا عَذْبًا، يَرْوِي الْعَدَدَ الْكَثِيرَ مِنَ النَّاسِ وَالْخَيْلِ وَالْإِبِلِ.
ثُمَّ رَوَى مِنْ طَرِيقِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حَنْطَبٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ الْأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا، فَأَصَابَ النَّاسَ مَخْمَصَةٌ فَدَعَا بِرَكْوَةٍ فَوُضِعَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَصَبَّهُ فِيهَا، ثُمَّ مَجَّ فِيهَا وَتَكَلَّمَ بِمَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ، ثُمَّ أَدْخَلَ أُصْبُعَهُ فِيهَا، فَأُقْسِمُ بِاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ أَصَابِعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَتَفَجَّرُ مِنْهَا يَنَابِيعُ الْمَاءِ، ثُمَّ أَمَرَ
[ ٩ / ٣٦٣ ]
النَّاسَ فَسَقَوْا وَشَرِبُوا وَمَلَأُوا قِرَبَهُمْ وَإِدَاوَاتِهِمْ.
وَأَمَّا قِصَّةُ إِحْيَاءِ الَّذِينَ قُتِلُوا بِسَبَبِ عِبَادَةِ الْعِجْلِ وَقِصَّةِ الْبَقَرَةِ، فَسَيَأْتِي مَا يُشَابِهُهُمَا مِنْ إِحْيَاءِ حَيَوَانَاتٍ وَأُنَاسٍ عِنْدَ ذِكْرِ إِحْيَاءِ الْمَوْتَى عَلَى يَدِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﵇، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو نُعَيْمٍ هَا هُنَا أَشْيَاءَ أُخَرَ تَرَكْنَاهَا اخْتِصَارًا وَاقْتِصَادًا.
وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ فِي كِتَابِهِ» الْمَبْعَثِ «: بَابٌ فِيمَا أُعْطِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَمَا أُعْطِيَ الْأَنْبِيَاءُ قَبْلَهُ.
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ مُدْرِكٍ، أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ حَسَّانَ التَّمِيمِيُّ، أَنَّ مُوسَى، ﵇، أُعْطِيَ آيَةً مِنْ كُنُوزِ الْعَرْشِ; رَبِّ لَا تُولِجِ الشَّيْطَانَ فِي قَلْبِي، وَأَعِذْنِي مِنْهُ وَمِنْ كُلِّ سُوءٍ، فَإِنَّ لَكَ الْأَيْدَ وَالسُّلْطَانَ وَالْمُلْكَ وَالْمَلَكُوتَ، دَهْرَ الدَّاهِرِينَ، وَأَبَدَ الْآبِدِينَ، آمِينَ آمِينَ. قَالَ: وَأُعْطِيَ مُحَمَّدٌ ﷺ آيَتَيْنِ مِنْ كُنُوزِ الْعَرْشِ آخِرَ سُورَةِ» الْبَقَرَةِ «: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى آخِرِهَا [الْبَقَرَةِ: ٢٨٥، ٢٨٦].
قِصَّةُ حَبْسِ الشَّمْسِ عَلَى يُوشَعَ بْنِ نُونِ بْنِ أَفْرَايِيمَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ، ﵈.
وَقَدْ كَانَ نَبِيَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ بَعْدَ مُوسَى، ﵇، وَهُوَ الَّذِي خَرَجَ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ التِّيهِ، وَدَخَلَ بِهِمْ بَيْتَ الْمَقْدِسِ بَعْدَ حِصَارٍ وَمُقَاتَلَةٍ، وَكَانَ الْفَتْحُ قَدْ يُنْجَزُ بَعْدَ الْعَصْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَكَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ وَيَدْخُلُ عَلَيْهِمُ السَّبْتَ فَلَا يَتَمَكَّنُونَ مَعَهُ مِنَ الْقِتَالِ، فَنَظَرَ إِلَى الشَّمْسِ فَقَالَ: إِنَّكِ مَأْمُورَةٌ وَأَنَا مَأْمُورٌ. ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ احْبِسْهَا عَلَيَّ. فَحَبَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ حَتَّى فَتَحَ الْبَلَدَ ثُمَّ غَرَبَتْ.
[ ٩ / ٣٦٤ ]
وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي قِصَّةٍ مِنْ قَصَصِ الْأَنْبِيَاءِ الْحَدِيثَ الْوَارِدَ فِي» صَحِيحِ مُسْلِمٍ «مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:» غَزَا نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، فَدَنَا مِنَ الْقَرْيَةِ حِينَ صَلَّى الْعَصْرَ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ لِلشَّمْسِ: أَنْتِ مَأْمُورَةٌ وَأَنَا مَأْمُورٌ، اللَّهُمَّ احْبِسْهَا عَلَيَّ شَيْئًا «. فَحُبِسَتْ عَلَيْهِ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ. الْحَدِيثَ بِطُولِهِ.
وَهَذَا النَّبِيُّ هُوَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ; بِدَلِيلِ مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَيْرَيْنَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:» إِنَّ الشَّمْسَ لَمْ تُحْبَسْ لِبَشَرٍ إِلَّا لِيُوشَعَ، ﵇، لَيَالِيَ سَارَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ «. تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ، وَإِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ. إِذَا عُلِمَ هَذَا فَانْشِقَاقُ الْقَمَرِ فِلْقَتَيْنِ، حَتَّى صَارَتْ فِرْقَةٌ مِنْ وَرَاءِ الْجَبَلِ - أَعْنِي حِرَاءَ - وَأُخْرَى مِنْ دُونِهِ، أَعْظَمُ فِي الْمُعْجِزِ مِنْ حَبْسِ الشَّمْسِ قَلِيلًا وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي الدَّلَائِلِ حَدِيثَ رَدِّ الشَّمْسِ بَعْدَ غُرُوبِهَا، وَذَكَرْنَا مَا قِيلَ فِيهِ مِنَ الْمَقَالَاتِ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ أَبُو الْمَعَالِي بْنُ الزَّمْلَكَانِيِّ: وَأَمَّا حَبْسُ الشَّمْسِ لِيُوشَعَ فِي قِتَالِ الْجَبَّارِينَ، فَقَدِ انْشَقَّ الْقَمَرُ لِنَبِيِّنَا ﷺ، وَانْشِقَاقُ الْقَمَرِ فِلْقَتَيْنِ أَبْلَغُ مِنْ حَبْسِ الشَّمْسِ عَنْ مَسِيرِهَا، وَصَحَّتِ الْأَحَادِيثُ وَتَوَاتَرَتْ بِانْشِقَاقِ الْقَمَرِ، وَأَنَّهُ كَانَ فِرْقَةٌ خَلْفَ الْجَبَلِ وَفِرْقَةٌ أَمَامَهُ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ:» اشْهَدُوا «. وَأَنَّ
[ ٩ / ٣٦٥ ]
قُرَيْشًا قَالُوا هَذَا سَحَرَ أَبْصَارَنَا، فَوَرَدَتِ الْمُسَافِرُونَ وَأَخْبَرُوا أَنَّهُمْ رَأَوْهُ مُفْتَرِقًا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ [الْقَمَرِ: ١، ٢]. قَالَ: وَقَدْ حُبِسَتِ الشَّمْسُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَرَّتَيْنِ; إِحْدَاهُمَا مَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ وَقَالَ: رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ. وَسَمَّاهُمْ وَعَدَّلَهُمْ وَاحِدًا وَاحِدًا، وَهُوَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُوحَى إِلَيْهِ وَرَأْسُهُ فِي حِجْرِ عَلِيٍّ، ﵁، فَلَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَلَمْ يَكُنْ عَلِيٌّ صَلَّى الْعَصْرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:» اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَ فِي طَاعَتِكَ وَطَاعَةِ نَبِيِّكَ، فَارْدُدْ عَلَيْهِ الشَّمْسَ «. فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ الشَّمْسَ حَتَّى رُئِيَتْ، فَقَامَ عَلِيٌّ فَصَلَّى الْعَصْرَ، ثُمَّ غَرَبَتْ، وَالثَّانِيَةُ صَبِيحَةَ الْإِسْرَاءِ، فَإِنَّهُ ﷺ أَخْبَرَ قُرَيْشًا عَنْ مَسْرَاهُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَسَأَلُوهُ عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَجَلَّاهُ اللَّهُ لَهُ حَتَّى نَظَرَ إِلَيْهِ وَوَصَفَهُ لَهُمْ، وَسَأَلُوهُ عَنْ عِيرٍ كَانَتْ لَهُمْ فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ:» إِنَّهَا تَصِلُ إِلَيْكُمْ مَعَ شُرُوقِ الشَّمْسِ «. فَتَأَخَّرَتْ، فَحَبَسَ اللَّهُ الشَّمْسَ عَنِ الطُّلُوعِ حَتَّى جَاءَتِ الْعِيرُ. رَوَى ذَلِكَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ فِي زِيَادَاتِهِ عَلَى» السِّيرَةِ «. أَمَّا حَدِيثُ رَدِّ الشَّمْسِ بِسَبَبِ عَلِيٍّ، ﵁، فَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لَهُ مِنْ طَرِيقِ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ، وَهُوَ أَشْهَرُهَا، وَأَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعَلِيٍّ نَفْسِهِ، وَهُوَ مُسْتَنْكَرٌ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ، وَقَدْ مَالَ إِلَى الْقَوْلِ بِتَقْوِيَتِهِ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ الْمِصْرِيُّ الْحَافِظُ، وَأَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ، وَالْقَاضِي عِيَاضٌ، وَكَذَا صَحَّحَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ
[ ٩ / ٣٦٦ ]
الرَّافِضَةِ كَابْنِ الْمُطَهَّرِ وَذَوِيِهِ، وَرَدَّهُ وَحَكَمَ بِضِعْفِهِ آخَرُونَ مِنْ كِبَارِ حُفَّاظِ الْحَدِيثِ وَنُقَّادِهِمْ، كَعَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ يَعْقُوبَ الْجُوزْجَانِيِّ، وَحَكَاهُ عَنْ شَيْخِهِ مُحَمَّدٍ وَيَعْلَى ابْنَيْ عُبَيْدٍ الطَّنَافِسِيَّيْنِ، وَكَأَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ حَاتِمٍ الْبُخَارِيِّ الْمَعْرُوفِ بِابْنِ زَنْجَوَيْهِ أَحَدِ الْحُفَّاظِ، وَالْحَافِظِ الْكَبِيرِ أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ عَسَاكِرَ، وَذَكَرَهُ الشَّيْخُ جَمَالُ الدِّينِ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِ» الْمَوْضُوعَاتِ «وَكَذَلِكَ صَرَّحَ بِوَضْعِهِ شَيْخَايَ الْحَافِظَانِ الْكَبِيرَانِ أَبُو الْحَجَّاجِ الْمِزِّيُّ، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الذَّهَبِيُّ. وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ فِي زِيَادَاتِهِ عَلَى» السِّيرَةِ «مِنْ تَأَخُّرِ طُلُوعِ الشَّمْسِ عَنْ إِبَّانِ طُلُوعِهَا، فَلَمْ يُرَ لِغَيْرِهِ مِنْ عُلَمَاءِ السِّيَرِ، عَلَى أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنَ الْأُمُورِ الْمُشَاهَدَةِ، وَأَكْثَرُ مَا فِي الْبَابِ أَنَّ الرَّاوِيَ رَأَى تَأْخِيرَ طُلُوعِهَا وَلَمْ يُشَاهِدْ حَبْسَهَا عَنْ وَقْتِهِ.
وَأَغْرَبُ مِنْ هَذَا مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُطَهَّرِ فِي كِتَابِهِ» الْمِنْهَاجِ " أَنَّهَا رُدَّتْ لِعَلِيٍّ مَرَّتَيْنِ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ الْمُتَقَدِّمَ كَمَا ذُكِرَ، ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَعْبُرَ الْفُرَاتَ بِبَابِلَ، اشْتَغَلَ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ بِسَبَبِ دَوَابِّهِمْ، وَصَلَّى لِنَفْسِهِ فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ الْعَصْرَ، وَفَاتَ كَثِيرًا مِنْهُمْ، فَتَكَلَّمُوا فِي ذَلِكَ، فَسَأَلَ اللَّهَ رَدَّ الشَّمْسِ فَرُدَّتْ. قَالَ: [وَنَظَّمَهُ الْحِمْيَرِيُّ فَقَالَ:
رُدَّتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ لَمَّا فَاتَهُ … وَقْتُ الصَّلَاةِ وَقَدْ دَنَتْ لِلْمَغْرِبِ
حَتَّى تَبَلَّجَ نُورُهَا فِي وَقْتِهَا … لِلْعَصْرِ ثُمَّ هَوَتْ هُوِيَّ الْكَوْكَبِ
وَعَلَيْهِ قَدْ رُدَّتْ بِبَابِلَ مَرَّةً … أُخْرَى وَمَا رُدَّتْ لِخَلْقٍ مُغْرِبِ]
[ ٩ / ٣٦٧ ]